السبت، 31 ديسمبر، 2011

فساد


حين قال أحمد أبو حازم – ذات حوار – لمنصور الصويم: "كل ما يدور حولنا خيالي ومدهش وغير منطقي"؛ اعتراني ذات الطرب الذي كان حين فكرت لوهلة: ماذا لو أن ما يطرحه فيلم ماتريكس كان هو الحقيقة؟ وفي ما بعد راودني ذات الإحساس تجاه المشهد الأخير من آفاتار حين اختار شخص ما الخروج من ذاته – بلا مجاز – إلى ذات جديدة، هي أصلح، وأفضل من منظوره.
هو الطرب الذي تخالطه لذة تشابه لذة المعرفة/الكشف، ما يمكن أن يجعل ثمة أرخميدس عارياً حين كل "وجدتها".

2
أكاد أقول وجدتها كلما نما تساؤل غير مطروق إلى ذهني، كلما اخترقتُ حاجز اللغتين وأنا أقرأ بعربية كالتي أكتب بها الآن، ثم أترجم ما قرأته إلى لغتي التي أحلم بها وأفكر بها وهي الأعمدة التي عليها يقف خيالي.
وبلا منطق يوازي الرغبة؛ أطرب وأنا أراني/متخيلاً أتحلل من لغتي إلى لغة جديدة تماماً، لها القدرة على استيلاد نفسها في كل مفردة تتخلق منها، لها القدرة على النقل كاملاً غير مدارى بقواعد وطرائق صارت كالقواعد وتهذيب لزوائدها لتمر من معبر اللغة إلى وعي ينتظر بدوره تصفية ما يدخل من معبره كذلك.

3
مدهش وخيالي وغير منطقي. إن وصفته كما هو، كما تراه، بلغة جديدة، يكون كذلك. لكن أن تأخذ منه اللغة الأخرى، ثم تأخذ منه بوابات الوعي، ثم بعد ذلك يصل مدهشاً وخيالياً وغير منطقي؛ لا أظن.
كان سحر السرد مثل الرائحة؛ تجده ولا تراه، لا تحسه. لم يعد السرد ساحراً – لي – وبت بحاجة إلى سرد آخر، مختلف سواء أكان الاختلاف في لغته، أم في تركيبه للصور.
كان سحر ماتريكس يقتلك وأنت تتابع خلال التشويق نظرة أخرى إلى الوجود؛ احتمالاً لم يخطر ببالك برغم كونه قريباً وفي المتناول؛ ذلك الحاجز المحطم بين اليقظة والحلم، حين تدرك أنك ربما تحلم، مما يدفعك للتساؤل عن الموت، وهل الموت - بافتراض صحة طرح ماتريكس – ليس سوى استيقاظك من حلم الحياة؟ أم أن الموت انتقال إلى حلم آخر؟
ذات اللطمة تلقيتها مرات عدة، من شيفرة دافنشي، جزيرة ألدوس هكسلي، مزرعة حيوانات أورويل، التاريخ الآخر لسليمان بشير، وبالتأكيد – باكراً – المكتبة الخضراء للأطفال، وغير ذلك من كتب وأفلام وأشعار وألعاب.
هي لطمة تخزك بأن ثمة أبعاد أخرى يمكن النظر منها، ثمة طرائق للمتعة غير التي قتلناها مللاً وقتلتنا بلا مفاجآتها حين الحاجة إلى المفاجأة.

4
في ظني لقد فسدت الطرائق كلها، وما نتخذه منها الآن، فقط إلى حين العثور على طرائق جديدة.
لقد فسد الخيال كله، وما نتخذه منه الآن، فقط حتى يبقى الخيال مشتعلاً في انتظار فريسته الجديدة.
لقد فسدت الدهشة، من طول ما انتظرت - يا أبوحازم - من يقطفها، يتذوقها، ويندهش كذلك من كونها كانت دانية لكن لم يرها أحد.
لقد فسد الوجود.

ثم ماذا؟!



(1)
ها أنذا مكشوف الحال في عراءٍ مفاجئ، يرعبني الليل، وها أنذا في قميص مبلل بإشراقٍ ينطفئ. أدور كما خذروف بدائي بذات أوجهي، وأعالج رؤية ما لا تمرّ بيسر إلى من تمر إليه.
من نقطتي ذاتها أستمد اكتئاباً دائماً متحركاً في فراغ يضيق؛ إذ بوعثائي ذاتها، وبطعمٍ يضمحل في الزمن؛ أركض في دائرةٍ مغبراً بكل أسئلةٍ تعرت خلف ستائر وحدتي. ها أنذا في موقف المثول كرّة أخرى
أمام المسألة، بنفسي القصير ذاته، وبقلة حيلتي في مواجهة العواقب،
أخطئ من جديد، لأقول قولاً قيل بكل أوجه القول، بكل اللغات وبكل ثمار التجارب أقضم خط البداية ثم لا تدنو الحقيقة.
ها إنني أشكو، أشتم عرقاً كان لي، أحلم بالظفر، وبطريقةٍ ما، أحترس.

(2)
حين تخفّ الخلايا، حاملةُ صبغةِ العناد؛ ما يجعل ناراً تطول علّ الرماد يفي بحاجة العابر أن يرى رماداً؛ حين تكاد الخلايا تعرق، تخرج آخر الأنفاس منها قبل النوم؛ يأتي سؤال صغير أربيه ليصبح معضلة: ثم ماذا بعد؟
حين تدرك ذات انفثاءة معنى التوقف عند السنين الأخيرة، معنى انتظار الصدى ولم تلق حصاة إلى الهاوية؛ تدرك أن الصراع عليل، وأن الذي ادّخرت لحفل النصر؛ محض كلال أصاب وجودك بالأنفلونزا.
ما عيب القطيع؟ ما عيب سعيك كالآخرين إلى النهاية؟ وما عيب بقاء الأمور كما كانت عليه؟
أيكفي انتظارٌ بسيط لتصبح ضمن الدائرة؟

(3)
 أسوأ الخاسرين من لم يدرك انتهاء اللعبة.
أسوأ الخاسرين أجملهم.
أجمل الخاسرين أنا.

(4)
ثم ماذا؟
أبدأ من جديد، أقول ما قلته مرّات ومرات، أحاول هدم الذي يبقي الصورة مستقرة، أحارب معنى الحياة؟
أغنيتي تفسد، طالما أقضم منها وحدي. ضوئي يخبو، طالما انشغلت عنه بمغزى الظلام. حين يدير الآخرون ظهورهم عني، أحاول كرّة أخرى البقاء داخل حد النظر.
أحين أقول من جديد ذات المقول، أيعني أن القول لا يكفي، وأن عليّ اقتراح نشيد جديد؟ أم أن عليّ الصراخ بأعلى مما كان مني؟
كلٌّ – بظني – يريد أن يكون غيره، بذا لا أحد هو (هو)، فمن أكون؟ ومن (هُواي)؟

(5)
أعريني: أنا لا شيء، فقط كائن غاضب من كونه كائناً ويغضب.
أعريني: وما البداية؟ أليست البداية إلا لعبة لا ألعبها؟
أوليست الحقائق محض آراء متفق عليها؟ والرأي في قصوره اكتمالٌ طالما أنه من مصدر الرؤية، أي من مشتقات النظر.

(6)
احتمالات المختلف أكثر من ذاته. احتمالات المختلف تختلف كثيراً إلى نفسها، تتقلص كلما جابهتها قوانين المكان.
احتمالات المختلف موءودة لم تمت.
احتمالات المختلف.. مختلفة.

الخميس، 8 ديسمبر، 2011

عن الكتابة.. حوار مع محفوظ بشرى


أجراه عيسى الحلو- صحيفة الرأي العام – 2008م


لماذا تكتب؟
الكتابة بالنسبة لي حاجة مبهمة، لم أدرك كنهها، ولم أتساءل قبل سؤالك لي. لكنني الآن أظن أن الكتابة في شكل من أشكالها، تدل على خلل في الاتزان. أو ربما تكون رغبة غامضة في الخلق، في صنع شيء يكون هو الشيفرة التي تدل عليك وسط كل هذا الصخب المسمى بالحياة. أو ربما في احتمال ثالث ما هي سوى رغبتنا في فعل يدلنا على أننا نحيا، ونتحرك وسط هذا الحيز الضيق الذي نشغله ضمن الحركة الكلية للأحياز المتشابكة التي تشكل ما يسمى بالحياة الإنسانية. بهذا يمكنني القول إنني أكتب لأستعيد اتزاني المفقود وسط المزالق التي تكتنف الطريق الذي يجب أن أقطعه حتى نهايتي المحتمة. أكتب لأرى، أكتب لأنفذ عبر الظلام، أكتب لأن هذا ما أفعله.

كيف تكتب؟
سؤال الكيفية هذا، ربما يحيل إلى الأفعال الطقوسية التي تصاحب لحظة الكتابة، تلك الأفعال التي قرأنا عنها ضمن القصص الطريفة. أو ربما يحيل كذلك، إلى معنى أكثر شمولاً يكمن داخل الدلالات العمياء التي يستتر وراءها الكثير مما لا يمكن قوله باللغة فقط. كيف أكتب؟ أكتب بنصف وعي ونصف غياب، وهو ما يلزم ليجعل ما يضطرب داخلي واضحاً بما يكفي للخروج. أما كيف يكون بعد خروجه؟ فهذا ما لا أشغل به كل تفكيري، فقط أقرأ ما كتبته بعد زمن، إن أعجبني تركته، وإلا تناسيته عله يعجبني في مرة قادمة.

لمن تكتب؟
إن قلت لك إنني أكتب لنفسي، أكون كاذباً. وأكون كاذباً كذلك لو قلت إنني أكتب لغيري! أثناء نصف الوعي المسمى بلحظة الكتابة، يوجد قارئ افتراضي في ذهني، يحمل أكثر خصائصي وطباعي، له ذائقتي، وجزء كبير من خبراتي. هذا القارئ الافتراضي، هو من أوجه إليه الخطاب. إنه لا يمثل أياً من القراء المحتملين، لكنه كذلك لا يمثلني بشكل كامل، إنه فقط يشبه دائرة الهدف التي يجب التصويب عليها. من جانب آخر، الطبع الإنساني متغلغل فيَّ، أي أنني حين أقبل بنشر نص لي، فهذا له علاقة بالتشارك، وهو أمر إنساني كما يقولون. هناك أيضاً النزعة الإنسانية الأزلية نحو الخلود، وهي تظهر في أشياء عدة مثل السعي للشهرة، أو إنجاب الأبناء، أو أن ينتشر اسمك بشكل ما. كل هذه أشياء لها علاقة بسؤال (لمن تكتب). لن أكون كاذباً وأقول إنني أحمل رسالة ما وبناءً عليها أنشد التأثير في الآخرين ومن ثم التغيير! نعم أنا أنشد التغيير، لكنه التغيير فقط. لست نبياً.

إلى أي مدى تتجاور كتاباتك مع الكتابات المعاصرة لها؟
لا يمكنني أن أجزم في أمر كهذا. بالتأكيد هناك مشتركات، هناك نقاط تقاطع، وهناك اختلافات وتمايزات. لكن من موقعي كأحد الذين يمارسون هذا الفعل (الكتابة)، يبدو صعباً أن أجد ما يشابه أو يختلف مع الآخرين. وكما أظن، فلا يوجد نص ينبت من العدم، ولا يوجد نص بمعزل عن الجدل بينه وبين النصوص الأخرى، هناك حركة دائبة من التأثير والتأثر بين النص وبقية النصوص المعاصرة أو القديمة، وهذا لا يعني أن تفاعل الكاتب مع هذا الجدل هو ذاته تفاعل بقية الكتاب، فكلٌّ يتميز على مستويات عدة عن غيره، وحتى لو وجد من يتجاورون بصورة لصيقة تقترب من التطابق، فهذا لا يستمر ـ في تقديري ـ إلا بالمقدار اللازم ليبدأ الاختلاف.

كيف يكون النص نصاً جديداً من حيث مضمونه وشكله؟
كلمة (جديد) كلمة شائكة في اللغة العربية. لكن المعنى الاصطلاحي لها يذهب في اتجاه أن الجديد هو شيء لا يشابه ما قبله. بكل حال، لن أخوض في صحة التسمية (الكتابة الجديدة). برأيي أن ما يطلق عليها اليوم (الكتابة الجديدة)، لها خصائص تتضح أحياناً، حيث إنها كتابة مفعمة بالأسئلة، بالشك، بالقلق. كما أنها تراهن على اللغة بشكل أساسي بما يجعل من المعنى أحد تمثلات هذه اللغة، وهو ما أعتبره قتلاً للمعنى من أجل إعادة إنتاجه ـ المعنى ـ من جديد. كذلك أرى أن هذه الكتابة لا تصف، إلا بالمقدار الذي يظهر الحيرة التي تغمر محاولات خلق علاقات جديدة بين الموجودات، علاقات ربما تعبر عن الغموض الذي يكتنف هذا الوجود بمستوياته كلها، الظاهرة والخفية. إنها كتابة تقول إنه لا توجد حقيقة، بل محض علاقات متحولة بين الأشياء مما يقودها إلى محاولات إعادة تعريف للممكن واللاممكن. هذا هو ما أظن أني أراه في الكتابة الآنية، أو ما يسمى بالكتابة الجديدة. أما عن كيف يكون النص جديداً في الشكل والمضمون، فأعتقد أنه يجب أن ينتج شكلاً خارجاً على المألوف، ومضموناً بإمكانه أن يحمل محمولات أكثر مفاجأة، أكثر عمقاً من المباشرات الفجة التي يسقط فيها التعبير. أرى أنه يجب أن يكون ذاتياً أكثر منه وصفاً لموضوعات جامدة خارج الذات. فلنتساءل: هل الشعر هو الكلام الموزون المقفى؟ هل يجب أن يحتوي السرد على حكاية وعلى قص؟ هل اللغة أداة؟ ماذا لو رفض الكاتب هذه التعريفات التي تقولب الإنتاج الأدبي؟ ماذا لو رفض هذا التجنيس؟ أظن أن على النص الجديد أن يقوم على الرفض لما ساد، منطلقاً من ضرورة التجاوز، ضرورة التطور، تلك الضرورة التي تجعل لكل عصر سماته التي تظهر في الكتابة مثلما أنها تظهر في نمط الحياة، وما الكتابة إلا ظهورات عميقة لهذا النمط.

لأي هدف تريد الكتابة أن تصل؟
لست على يقين من أنني أعرف على وجه الدقة ما تريد الكتابة أن تصل إليه، إضافة إلى أن هناك اختلافاً في الرؤى بين البشر على حسب الموقع الذي يقف فيه الناظر إلى الكتابة. هناك مثلاً من يعتبرون الكتابة أداة لتوصيل الأفكار من أجل هدف لا يخص الكتابة بقدر ما يخصهم، هناك أيضاً من ينظرون إلى الكتابة كفعل وجد لذاته، وبالتالي يكون هدفها تحقيق هذه الذات، وبين هذين النموذجين يوجد عدد كبير من الرؤى بعدد البشر، كلٌّ ينظر للكتابة بطريقته، مما يقوده للنظر إلى الهدف منها بطريقته كذلك. بالنسبة لي فأنا أتساءل أحياناً عن الجدوى من الكتابة، وهو سؤال على علاقة وثيقة بالسؤال الأول: (لماذا أكتب؟)، وكإضافة إلى ما سبق، أقول إن ظني يحملني على الاعتقاد بأن الكتابة فيما هي فعل غير منفصل عن الكاتب والمحيط الذي يتحرك فيه، فهي ليست بمعزل عن التأثيرات التي يرسلها هذا المحيط، كذلك فهذا المحيط ليس بمعزل عن تأثير الكتابة، مما يدفعني للظن بأن الهدف الذي تحاول الكتابة أن تصل إليه منذ فجرها الأول، هو الإمساك بلحظة العدم، السكون، الخمول الذي يدل على وصول الأشياء إلى نهاياتها، وإلى أقصى حدود يمكن للكتابة أن تحيط بها، إنها لحظة الموت النهائي للكتابة، لحظة الوصول التي لا يعود بعدها من جدوى ولا جدوى، اللحظة التي تنفد فيها التناقضات التي كانت الوقود لما هو الكتابة، إنها لحظة النهاية.

هل الكتابة تعني تحقق الكاتب أم تحقق القارئ؟
لا أظن أن العلاقة بين هذا المثلث (الكاتب/الكتابة/القارئ) تحتمل غير أن يتحقق كل عنصر من هذه العناصر في البقية وبالبقية، إنها علاقة تشبه فرسان ألكسندر دوماس الأب الثلاثة، الكل للواحد والواحد للكل. إن قولي بأن الكتابة (تعني)، هو قول يجعل من الكتابة معنى، نافياً أي احتمال لأن تكون عنصراً له وجوده المنفصل في أحد المستويات عن العنصرين الآخرين. أو على أقل تقدير فإن جعلها (معنى) ينفي عنها كينونتها مقابل كينونتين تتنازعانها، إذ هي ـ الكتابة ـ يجب أن تكون تحقق واحدة منهما. كذلك يكون من العبث أن أقول لك إن الكتابة هي تحقق الكتابة! لذا تجدني مضطراً عند التفكير في هذا السؤال أن أبعثر الكلمات: الكتابة/تعني/تحقق/الكاتب/القارئ! وقبل الدخول إلى فحوى العلاقات التي تربط بين هذه الكلمات بكل تشابكاتها، تقفز إلى ذهني تساؤلات على شاكلة: ما هو التحقق؟ هل بإمكان القارئ أن يكون فاعلاً تجاه كتابة ما؟ ما علاقة الكاتب بكتابته التي على الرغم منه امتلكت جسدها وكينونتها المنفصلة؟ وهذه أسئلة كما تعلم بها الكثير من الفخاخ، مما يجعلني حذراً حين أحاول الإجابة. كما كنت أقول، إن الكتابة والكاتب والقارئ يشكلون تحققهم في بعضهم داخل جدل شديد التعقيد ربما، هذا الجدل هو ذاته ما يسمح للكتابة أن تكتسي من خيال القارئ ما يجعلها كاملة في اللحظة، ومن رؤية الكاتب ما يجعلها باتجاه جدوى ما، وهو ذاته الجدل الذي يعمل داخل منظومتي الشعور لدى الكاتب والقارئ مفرزاً نتائج نفسية شديدة الخصوبة، وهذه النتائج ربما تجعل من الكتابة كائناً أو شيئاً يكاد يكون ملموساً بأدوات اللمس المادية مثلما هو ملموس بالأدوات الذهنية. لكن في النهاية أعترف مرة أخرى بأن سؤال التحقق هذا لم يخطر ببالي من قبل، أنا لا أتساءل عن الأسرار العميقة للكتابة، إنني أكتب فقط، ولا أنشغل بتفسير ما كتبته إلا من موقعي كقارئ. علاقتي بكتابتي تذهب في اتجاه أن تصير باهتة نوعاً ما، فكما أسلفت، تأتي الكتابة بنصف وعي، فلا أعرف إن كنت أكتبها أم أنها تكتبني، ولا أهتم، ففي نهاية الأمر سيتخلق كائن ما، يحمل نصف جيناتي، ولست مهتماً بأن أعرف من أين جاء بالنصف الآخر.

بمناسبة شطب النعيم

 
 
 النعيم...!
الخرطوم: محفوظ بشرى - عثمان الأسباط
منذ أن لعب النعيم محمد عثمان أولى مبارياته الرسمية ضمن صفوف فريق الكرة بنادي الهلال وكانت ضد فريق الاتحاد مدني بالممتاز في يونيو 2008؛ بدا للجميع أن لاعباً استثنائياً جاء ليبقى في الملاعب. ومع أول أهدافه مع فرقة الهلال – الهدف الذي احتضنته شباك أهلي شندي في بطولة كأس السودان يوليو 2009 – ترسخ أكثر للمتابعين أن الفتى يمتلك مواهب عدة؛ زاد هو من تأكيد ذلك الانطباع بأول تمريرتين حاسمتين نتج عنهما هدفان ضد فريق ثامبونايس بطل جزيرة ريونيون في ذهاب دوري أبطال أفريقيا ديسمبر 2009 لتنتهي المباراة (3-1) لصالح الهلال مما أهله إلى دور الـ16، الأمر الذي جعله يحجز مكانه بين صانعي اللعب الجيدين، بل والمميزين بشهادة الكثير من الفنيين. هكذا صعد نجم النعيم محمد عثمان الشهير برونالدينهو بسرعة نحو أن يصبح لاعباً أساسياً بفريق الهلال. كان وقتها في التاسعة عشرة من عمره، عندما تعرض لإصابة في مباراة أخرى ضد أهلي شندي في كأس السودان إذ لم يكن الأهلي قد صعد إلى الممتاز حينئذ. في ديسمبر 2009 كان من المفروض أن يذهب النعيم إلى إيطاليا للخضوع لاختبارات بأحد أنديتها لولا الإصابة التي أبعدته شهوراً عدة، وأخذت وقتا وجهدا لعلاجها بالخارج. هي ذات الإصابة التي كانت البداية للوضع المحير الذي وجد النعيم نفسه فيه بعد التعافي. ففجأة انقلب الحال به من لاعب لقبته الصحف في وقت من الأوقات بـ (سيدا الصغير) في إشارة إلى أحقيته بخلافة صانع الألعاب الأشهر في الفرقة الهلالية هيثم مصطفى (سيدا)؛ انقلب الحال ليصبح النعيم مرشحاً للشطب من الكشوفات، بل كاد هذا الأمر يتم في بداية العام حين كان النعيم في طريقه للتسجيل في صفوف فريق الأهلي الخرطوم الذي طلب مدربه البرازيلي إيلتون النعيم بالاسم. فما الذي حدث؟

موهبة لا خلاف عليها
ربما لم يتفق أهل الشأن الكروي سواء أكانوا مشجعين أم مدربين على شيء مؤخراً مثل اتفاقهم على موهبة النعيم. يقول عنه بكري عبد الجليل مساعد مدرب الهلال الأسبق دوس سانتوس الذي باعتراف النعيم كان المدرب الذي منحه الفرصة الكاملة ليظهر مقدراته؛ إنه من أفضل لاعبي الوسط الصاعدين في السودان. ويبرر بكري رأيه ذلك بأن النعيم يمتلك ميزات عدة يجب توفرها في اللاعب العصري فصّلها في التمريرات الصحيحة والمتقنة، وقراءة الملعب بطريقة جيدة، والانضباط التكتيكي العالي والذكاء الفطري ودقة التمريرات الحاسمة وإجادة المحافظة على الكرة. ويدعم بكري كل هذا بأن النعيم من نوعية اللاعبين الذين يعرفون متى يتحركون داخل الملعب ومتى يمررون. وهو الرأي الذي يلخصه والد النعيم نفسه بعبارة (شفت الكورة) التي أفاد إحدى الصحف في حوار معه بأن ابنه كان يلقب بها إبان ممارسته لعب الكرة بمسقط رأسه (الجديد الثورة). ويقف غير بعيد عن هذا الرأي محمد محيي الدين الديبة مدرب الهلال الأسبق، وإن زاد أن النعيم يجيد تنفيذ الضربات الثابتة.
إذن ما الذي حدث؟ وكيف يتدحرج لاعب اتفق عليه أكثر المدربين، من عليائه حتى يصل به الحال أن يكون مرشحاً للشطب وأن يصفه البعض بأنه بات عبئاً على الكشف الأزرق؟

 
 
ما بعد الإصابة
ابتعاد النعيم لفترة طويلة عن الملعب إبان رحلة استشفائه من كسر بالقدم مني به في مباراة الهلال ضد أهلي شندي، ثم العودة المهتزة التي كانت دكة البدلاء سبباً فيها – برأي اللاعب نفسه - ثم التوقعات الكبيرة التي تلقى على عاتقه حين يلعب لدقائق معدودات؛ كلها ربما كانت أسباباً أدت إلى هذا الانحدار للاعب يكاد يرى فيه الجميع اللاعب المكتمل القادر على ضبط إيقاع وسط الملعب لأي فريق. ويرى النعيم أن الإصابة التي مني بها وأبعدته عن الملاعب لفترة طويلة ساهمت في هبوط مستواه بعض الوقت، ولكنه يرى كذلك أنه اجتهد بعدها لكن لم يمنح الفرصة كاملة.


 
شائعات
الكثير من الشائعات كانت تتناثر هنا وهناك عن حرب خفية ضد الفتى، تغذيها ملاحظة أن المدربين رغم رأيهم الإيجابي فنياً به، لا يدفعون به إلا لفترات لا تكفيه ليكتسب حساسية اللعب التنافسي، وفي أحيان كثيرة لا يدفعون به البتة في المباراة، إضافة إلى أن هناك لاعبين جاءوا إلى الفريق بعده وصاروا أساسيين، لكن هذا يبرره النعيم بأن خانته مكتظة بمن يؤدون فيها على عكس القادمين الجدد الذين لا يواجهون الكثير من المنافسة لحجز خاناتهم.
لكن البعض يرى أن شائعات الحرب التي يقال إن القائد (هيثم مصطفى) يشنها على النعيم حسداً أو غيرة، تستمد جذوتها من خيال بعض خصوم الفريق، ويستدلون بأن النعيم لا يتم إشراكه حتى في غياب هيثم. غير أن معلومة أن اللاعبيْن يلعبان في ذات المركز في الميدان، تجعل من يعتقدون في صحة الشائعات على يقين بأن هيثم لا يحبذ رؤية من يحتل مكانه بذات الكفاءة، ويرون أن التراجع عن شطب النعيم في المرة الأولى كان فقط خوفاً من تحوله إلى الند التقليدي المريخ، إلا أن النعيم ذاته سبق أن نفى أن يكون هيثم يعمل ضده، واصفاً إياه بأنه يعامله كأخ أكبر أو والد.
والبعض يرى أن تلك الشائعات ربما تنامت مستندة على بعض الاختلافات العادية بين اللاعبين في وجهات النظر، مصحوبة بالحيرة التي تواجه الكثيرين لرؤية لاعب جيد لا يشارك إلا لماماً وفي مباريات ليست ذات أهمية.
 

تناقض.. وإنصاف
يقول مدرب الهلال السابق (ميشو) عن النعيم إنه لاعب جيد ويتمتع بإمكانات كبيرة في خط الوسط، كذلك هو ذكي وسريع ومنضبط تكتيكياً وذو تمريرات حاسمة! لكن هذا الرأي يدفع بالتساؤل عن لماذا إذن لا يشركه ميشو في المباريات؟ ليأتي رده بأنه لم يجد فرصة المشاركة المستمرة لقلة خبرته! لكن النظر إلى مبرر ميشو في عدم إشراك النعيم يظهر تناقضاً ينبع من: من أين إذن سيكتسب الخبرة وهو لا يلعب؟
وعلى العكس تماماً من الاتجاه الذي سارت فيه تقديرات الصربي ميشو نجد أن البرازيلي إيلتون بتري مدرب فريق الأهلي الخرطوم قد بادر بطلب النعيم بداية العام، وهو العرض الذي كاد يستجيب له نادي الهلال بشطب النعيم من أجل انتقاله إلى الأهلي لولا «وجهة نظر فنية وإدارية» حسب ما قيل للاعب وقتها. فبرأي إيلتون أن النعيم ذو لمسة إبداعية كبيرة في وسط الملعب، ويصفه بأنه «لاعب وسط ممتاز وينتظره مستقبل كبير إذا وجد المشاركة المستمرة لتمتعه بكل إمكانيات لاعب الوسط المتقدم»، وهو الأمر الذي ربما دفع إيلتون لمحاولة التعاقد مع اللاعب لولا فشل المسعى.
 

  تحدٍّ أمام النقر
إن كان هناك ظلم من المدربين تجاه النعيم مثلما قال الكابتن محمد محيي الدين الديبة؛ فإن مدرب الهلال الحالي الفاتح النقر ربما يجد نفسه مواجهاً بتساؤل كبير حال لم يشرك اللاعب، وفي الذهن تصريحه الذي قال فيه إن النعيم «يعتبر من لاعبي الوسط المميزين في السودان لما يمتاز به من إمكانيات عالية وامتلاكه خاصية اللاعب العصري في وسط الميدان إذ يمتاز بخفة الحركة وإجادة صناعة اللعب بكفاءة عالية وتسجيل الأهداف من مختلف المواقع وإجادة الضربات الثابتة والتحكم بالكرة والتخزين الجيد والمراوغة المجدية وهو لم تتح له الفرصة ليثبت وجوده»، فالنقر منذ إشرافه على الفريق بعد رحيل الصربي لم يشرك النعيم إلا في أجزاء قليلة من المباريات (أمام النسور ثم أمام هلال الساحل في الدوري الممتاز)، وعلل لعدم إشراكه اللاعب بأنه طلب منه إنقاص وزنه، ومتى ما نفذ ذلك فسيجد فرصته في المشاركة.
 
 

مباراة الأولمبي
ينظر الكثيرون إلى مباراة منتخبنا الأولمبي ضد نظيره المصري في الخرطوم على أنها كانت طوق نجاة النعيم من مقصلة الشطب التي كانت في طريقها لبتره من الفريق وإلحاقه بفرقة الأهلي الخرطوم. وينبع ذلك الاعتقاد من الثورة التي أحدثها النعيم بعد دخوله بديلاً في المباراة، ورغم أن المباراة انتهت بالتعادل السلبي، إلا أن شكل الفريق تغير تماما بسبب الحركة الدؤوبة التي قام بها النعيم وهو يصنع الفرص ويمنح الحيوية لوسط الملعب، بل كادت مقصيته المتقنة تلج شباك حارس الفراعنة لولا سوء الحظ. ويبدو أن التراجع عن الشطب حدث بعد أن أخذ النعيم فرصته في تلك المباراة ليثبت أنه لا يزال قادراً على إحداث الفارق إن وجد المساحة.
 

  أسئلة
والموسم يلفظ أنفاسه الأخيرة، تقترب فترة التسجيلات التي ستطيح بالكثيرين من الكشف الأزرق، فهل سيكون من بينهم النعيم؟
هو سؤال يحمل للكثيرين احتمالات أخرى وأولهم اللاعب نفسه الذي بخلاف عرض الأهلي الخرطوم كان قد تلقى عرضين من نادي المريخ - كما أفاد في حوار معه - أحدهما قبل انضمامه إلى الهلال والثاني بعد انضمامه، فهل يا ترى سيكون هناك عرض ثالث في حال تم شطبه؟
وإن بقي النعيم في الكشف الأزرق، فما هي احتمالات حصوله على فرصة المشاركة؟
كلها أسئلة ربما تشكل مستقبل اللاعب ذي الثلاثة والعشرين عاماً.

السبت، 3 ديسمبر، 2011

الميرغني والمهدي والقفز إلى السفينة الغارقة



1
في بداية التسعينيات، عندما كان الخطاب الإنقاذي في أوج سطوته، على خلفية نشيده الأثير وقتها (الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح.. وسفينة الإنقاذ سارت لا تبالي بالرياح)؛ كان السيدان الميرغني والمهدي يقفان على الشاطئ بعيداً عن السفينة الفتية، لأسباب ذات احتمالات متعددة، فربما لم تكن لديهما الرغبة في الإبحار انتظاراً للاستيلاء على السفينة كلها، وربما لم يرغب قادة السفينة الجدد باصطحاب (وزن زائد)، أو ربما احتمالات أخرى.
الآن، بعد تلاشي النشيد، وبعد أن شاخت السفينة وأصبحت تهتز لأقل ريح، ناهيك عن العواصف التي تتجمع نذرها مهددة باجتياح ربما يكسر السفينة ذاتها؛ الآن في الوقت الذي يجب على من بالسفينة التفكير في القفز منها، يقفز السيدان إليها.
2
شارك السيدان. هذه تكاد تكون حقيقة رغم كل الحبر الذي أريق تبريراً من سيد ونفياً من السيد الآخر. لكن ثمة مفارقة تعتري المشاركتين، إذ أن الميرغني أعلن موافقته على المشاركة في الحكومة رفقة المؤتمر الوطني والأحزاب الصديقة له وفي الوقت ذاته خرج نجله محمد الحسن بتصريحات يرفض فيها المشاركة. بينما أعلن المهدي رفضه المشاركة، بينما شارك ابنه عبد الرحمن.
قراءتي لهذه المفارقة تنبني على النظر إلى الصورة الكلية للمشهد في وقت بدأت فيه المعارضة التقليدية تتآكل بفعل الحركة الاجتماعية التي نحت بتسارع في اتجاه إسقاط الرؤى المعتادة والمفاهيم التي كانت تمثل اللبنة التي بني عليها النسيج الهويوي الذي يصنع صورة ما يُسمى السودان، وكذلك التغير في زوايا النظر إلى المعضلات التي ما انفكت تمسك بخناق الواقع.
في الجانب الآخر أخذ التآكل يعتري السلطة نتيجة التكلس الرؤيوي الذي لازم مشروعها، مما أنتج فساداً من الصعب إخفاؤه، يضاف إلى واقع السلطة كذلك الحصار الذي بدأ يأخذ بأنفاسها أكثر وأكثر بعد انفصال الجنوب، مما وضع السلطة في نفق ضيّق تحاول جاهدة الخروج منه، وهو الأمر الذي أشرت إليه في البداية بـ(غرق السفينة).
3
ظل السيد محمد عثمان الميرغني طوال سنوات يمثل ثقلاً رمزياً للمعارضة منذ فترة التجمع في التسعينيات وحتى وقت قريب. لكن النظر المدقق ربما يوصل إلى أن مشكلة السيد الميرغني مع السلطة ليست متعلقة بـ(السودان) كما يتم إظهارها، بل هي مشكلة تكاد تكون شخصية بتضرر مصالح السيد من السياسة المتبعة من قبل السلطة لا أكثر. وذات الأمر يكاد ينطبق في نظري على حالة السيد الصادق المهدي وإن أضيف إليها شيء من المرارة كونه من انتزعت السلطة من يديه. وهناك عامل أظن أنه ذو أثر في المشهد الحالي وهو المنافسة الخفية بين السيدين على الاستحواذ على صورة (الزعيم). وهو أمر يقودني إلى الافتراض التالي:
أعلن الميرغني موافقته على المشاركة بالحكومة متخذاً مجازفة سياسية قد تحرقه أمام من يعارضون النظام ويسعون إلى إسقاطه (وربما هذا قد حدث بالفعل)، لكنه أتبع هذه المجازفة بالتحسب لكل الاحتمالات وذلك بدفعه لابنه محمد الحسن ليدلي بتصريحاته التي قد تحفظ له مكانة لدى المعارضة إن فشلت مجازفة الميرغني وسقط النظام وهو ضمن نسيجه، أي أن الميرغني جازف بنفسه مع الحكومة وإن استمرت هذه الحكومة فهو يرعى مصالح بيت الميرغني وإن فشلت ما عليه سوى التنحي لمحمد الحسن الذي سيحافظ من بعده كذلك على مصالح بيت الميرغني لدى القادمين الجدد.
أما الصادق المهدي فقد عكس الأمور ودفع بابنه عبد الرحمن ليكون بيت المهدي ضمن الحكومة بذات السياق السابق، لكن المهدي ربما لاحظ أن الميرغني قد أخلى له ساحة التنافس على زعامة المعارضة بحرق تاريخه مما جعله يفضل أن يبقى هو في الجانب المناوئ ويذهب ابنه في الجانب المشارك.
على العموم هي افتراضات، لكن ما يجعلها قوية بالنسبة لي حتى الآن عدة ملاحظات:
أولاً: عبد الرحمن المهدي عكس ما قاله يوم أداء القسم بأنه لا يمثل حزباً ولا يمثل والده، فهو يمثل حزب الأمة ووالده الصادق، وإلا على أي أساس تم اختياره (كمستقل!!) دون بقية ضباط القوات المسلحة للمنصب الذي تبوأه؟ أي ثقل لديه بعيداً عن الأنصار وبعيداً عن اسمه؟ أي خبرة تلك التي يمتلكها دون بقية السودانيين لتقفز به إلى هذا المكان؟
ثانياً: لماذا قدم الميرغني ابناً لا يميز بين النيل الأزرق التي تدور بها الحرب والنيل الأبيض الآمنة، ولا يميز بين جنوب كردفان وشمال كردفان ليخطئ ويخلط في أول خطاب له؟ أليس الأمر والحال هذه لا يتعلق بمشاكل السودان بقدر ما يتعلق بمصالح بيت الميرغني؟
4
مثلما قلت سابقاً، إن المصالح التي تربط هولاء القادة بالنظام أكبر بكثير من المصالح التي تربطهم بنا، والضمير (نا) هذا يرجع إلى من يكدون حتى الممات من أجل هؤلاء السادة، من أجل أن يكونوا من الملاك والأثرياء والنافذين، وحين تضيق بهم السبل ينصبون أنفسهم دون استشارة متحدثين باسم الجميع من هؤلاء الذين ربما لا يُسمح لأحدهم بملامسة السيد أو رؤيته ناهيك عن التحدث إليه؟
كم عدد الاتحاديين في السودان؟ وكم منهم قابل الميرغني (راعيهم)؟
ذات السؤال عن الأنصار.
إن هناك لعبة قديمة وضع قواعدها أولئك الذين في الحكم وهؤلاء الذين في المعارضة. نحن فقط متفرجون على هذه اللعبة وعلينا التشجيع فقط، غير مسموح لنا باللعب. وخطاب الاتحاديين التبريري عن المشاركة يحمل هذه السمات، إنهم يخشون تغير قواعد اللعبة مما يجعلهم متفرجين بدلاً عنا، إنهم يخشون من سيطرة الحركات المسلحة على الخرطوم، وكأن هذه الحركات مكونة من سكان المريخ وليس من سودانيين، إنهم يخشون على السودان من التشرذم واللحاق بالجنوب؟ بل يريدون في الواقع المحافظة على البنية القديمة للكيان السوداني التي تضعهم في قمة الهرم اجتماعيا واقتصاديا. إنني أتساءل: مم يخشون حقيقة؟

الاثنين، 28 نوفمبر، 2011

بربّك.. إنهم في النظام

«وسائل الإعلام هي مؤسسات مندمجة مع بعض المؤسسات الرئيسية في البلاد. والأشخاص الذين يملكون ويديرون هذه المؤسسات ينتمون إلى نفس النخبة المحدودة من المالكين والمديرين الذين يسيطرون على الاقتصاد الخاص، الذين بالتالي يسيطرون على الدولة، لذلك فإنها رابطة أو فئة محدودة جداً من وسائل الإعلام المشتركة أو المتحدة والمديرين والمالكين. فهم يتشاركون نفس الفهم والإدراك، وهلم جرا (...) لذلك من الطبيعي أنهم يفهمون المسائل والمشاكل، القمع، السيطرة وصياغة مصالح الجماعات أو الفئات التي يمثلونها، وبشكل مطلق مصالح الملكية الخاصة للاقتصاد، وأين تتركز في الحقيقة. علاوة على ذلك فإن لوسائل الإعلام سوقاً قوامها المعلنون، وليس عامة الناس، فعلى الجمهور أن يشتري الصحف، بيد أن الصحف مصممة لتجعل الجمهور يشتريها، وبذلك يمكنها أن ترفع أجور ومعدلات أجورها، فالصحف تباع بشكل أساسي للمعلنين عن طريق الجمهور، وحيث إن المؤسسة تبيعها وإن سوقها يعتبر مجالًا للأعمال؛ فتلك ناحية أخرى يكون فيها النظام المشترك أو نظام العمل قادراً بشكل عام على ضبط وسيطرة رضاءات وسائل الإعلام. وبمعنى آخر إذا ما خرجت عن الخط بشكل لا يدعو للتخيل أو التصور؛ فإن المادة الدعائية ستسقط (...) وسلطة الدولة لها نفس التأثير، فوسائل الإعلام تريد إبقاء علاقتها الحميمة مع سلطة الدولة، فهي تريد أن تحصل على التسريبات منها، وهي تريد دعوتها إلى المؤتمرات الصحفية الرسمية، وهي تريد أن تحتك مع وزير الخارجية، وكل أنواع المهمات، ولفعل ذلك فإن عليها أن تمارس نفس اللعبة، وإن لعب اللعبة يعني قول الأكاذيب (...) بعيداً تماماً عن الواقع، ذلك أنهم يمضون ليفعلوا ذلك بأية طريقة خارجة عن مصلحتهم الخاصة وعن وضعهم الخاص في المجتمع، فهناك تلك الأنواع من الضغوطات التي تجبرهم على ذلك. إنه نظام ضيق جداً للسيطرة، بشكل مطلق».
نعوم تشومسكي (تواريخ الانشقاق)
1
أفترض دائماً أن ما يسمى (المهنية) في الوسائط إنما تعني الانحياز المستتر إلى السلطة، وليس كما يتم الترويج له بأنها تعني الحياد. وافتراضي غذته نظرتي إلى الوسائط بوصفها أدوات لـ(تغبيش) الوعي الجمعي – إن وجد – وصرف الانتباه عن ما يهم البشر الذين يقعون عرضة للاستغلال والسيطرة الموجهة إلى مصالح النخبة على حساب مصالح المجموع. وفي كتابة سابقة تناولت بعض أساليب هذا التغبيش البسيطة وضربت مثلاً بالتلاعب باللغة كأن تسمى الكوليرا (إسهالات مائية) والمجاعة (فجوة غذائية) والفقر (تعفف)... الخ الأمثلة التي تم تناولها وتناول الغرض من اختراع المصطلح ولصالح من يتم ذلك.
أحاول هنا التركيز بخفة شديدة على الإقصاء اللاواعي عن طريق اللغة الذي تمارسه الوسائط الإعلامية بغرض التغبيش الذي ذكرته.
2
برأيي أن الكاتب يختار قارئه عن طريق اللغة التي يستخدمها لقول ما يريد قوله، فإن كانت لغته (معتادة) لدى شريحة كبيرة من المتلقين إذن فهو اختار هذه الشريحة، وإن كانت (معقدة) – مع تحفظي على المصطلحين حاليا - فهو اختار شريحة ضيقة يمكنها التعاطي مع لغته تلك، ما يعني أنه – متعمداً أم غير متعمد – أقصى (السواد الأعظم) من المتلقين.
هناك تلاعب وتعقيد والتواء في اللغة المستخدمة الآن في الوسائط – في رأيي – بل حتى الرأي الذي يكتب حالياً في الصحف بدأت لغته تصبح طاردة وعدائية للقارئ غير المضطر. الناظر إلى الصياغة التي تسمى (المثلى) للأخبار يلاحظ مسحة من الرتابة المصحوبة بالمراوغة وذلك في الصحف التي تدعي أنها (مستقلة)، أما تلك التي تتبنى خطاً لا يحتاج إلى المراوغة فنجدها تتلاعب في طريقة صياغة الخبر لتوجيه القارئ نحو انفعال عاطفي يخدم مصلحة مالكيها. ذات الأمر يتكرر بهذا السياق في بقية الوسائط المسموعة والمرئية.
3
بالاستناد إلى حديث تشومسكي الوارد في البداية يمكن افتراض أن المصالح التي تربط مالكي وسائل الإعلام مع النظام بسلطاته ومعلنيه وبنوكه... الخ هي أكبر بكثير من المصالح التي تربطهم بالناس – وهو الأمر الذي ينطبق على القادة السياسيين المعارضين والمؤيدين، لكن هذا حديث آخر – ويؤدي هذا الارتباط المصلحي إلى الاشتراك بينهم والنظام في استغلال هذا الذي يتم التحدث إليه وباسمه ويسمى (المواطن) مما يلغي توفر حسن النية في كثير من الأحيان حين تتحدث الوسائط أو رموز النظام عن الاهتمام بالمواطن.
إن أنماط التلاعب الظاهرة والمستترة من الرسوخ بمكان حتى إنها خلقت بنية تبريرية تغطيها وتجعلها تعمل على استنباط نمط لكل موقف وتنتج خطابات مسيطرة سرعان ما تندغم داخل نسيج البروباغاندا التي ظلت تغيّب الكثير من التفاصيل لصالح إبراز ما يقود إلى السيطرة الذهنية المرجوة.
4
من أين تأتي الأخبار التي تغذي الصحف والوسائط الأخرى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وما الذي سيحدث إن لم تكن هناك أخبار وكانت الوسائط مختصة فقط بالتعبير عما في أذهان الناس وتفتح لهم الباب واسعا لقول ما يريدون؟
إن الطريقة التي تصنع بها الأخبار ومصادرها يشوبها الكثير من الفساد، مع ملاحظة أن أكثر الأخبار التي توضع تحت هذا التصنيف (أخبار) ليست أخباراً، إذ تعتري بنيتها الكثير من التلاعبات التي تجعلها توَجّه لتكون تبريراً أو دعاية.
حين تسند خبراً إلى وكالة، ولا تسنده هذه الوكالة إلى مصدر واضح، يصبح الخبر عائماً في فراغ الاحتمالات. بل حتى إن أسند إلى مصدر معلوم تظل نسبة صدقيته لا تتعدى 50% حتى التأكد مادياً منه، فما بالك بخبر يصعب اختباره والتأكد منه؟
إن الشعب يشبه (البطاريات) التي تغذي بالطاقة نخبة صغيرة تمسك بكل شيء، ومن مصلحة النخبة أن تظل البطاريات تنتج الطاقة. فيتم إقناع الناس بأن يظلوا كما هم، وأن المجهول مخيف حقاً، ويتم إقناعهم بأن غاية الحياة أن تخرج إلى العمل منذ الفجر وتعود آخر الليل تحمل (كيس الخضار واللحمة) وأن كل دعوة للتغير ستفقدهم هذا الكيس الثمين، طالما أن هناك كيسا تتعب من أجله لـ12 ساعة دون النظر إلى من يحصلون على كيسهم قبل الاستيقاظ من النوم ودون التفكير في أن مصاص دماء يستهلك حياتك؛ إذن لا مشكلة هناك.
أتذكر المخترق الأكبر للعبة السلطة؛ جورج أورويل، في مزرعة حيواناته، حين أقنعت الخنازير بقية الحيوانات بأنها تعمل عملاً أشق من العمل في الحقل، وهو عمل يسمى (التفكير)! وأذكر كذلك التحوير الأشهر لمبادئ الثورة عندما قام وزير إعلام الخنازير – في الرواية ذاتها – بتحويل العبارة (كل الحيوانات متساوية) إلى (كل الحيوانات متساوية ولكن بعضها أكثر تساوياً من البعض الآخر).
إنني أسأل بكل سذاجتي المواطنية: أيهما يستحق الامتيازات؛ من يجلس في مقعد وكل عمله الكلام عن ما ينبغي فعله والتصويت، أم من دفع دمه ووقته وصحته وإنسانيته ثمناً لتلك الامتيازات؟ أم أن (التفكير) أصعب بكثير من العمل منذ الفجر إلى أواخر الليل؟
5
بربك، إنهم يدفعون الضرائب، ويضعون أموالهم في البنوك، ويحصلون على الامتيازات والمناصب. بربك كيف تكون مصالحهم هي ذات مصالحي؟

انتقاء

يشكل  اللون الأسود لدى من يريحون ذواتهم على فرضية أنهم من أعراق عليا، بيضاء بالضرورة؛ شائبة تقلق اتزانهم النفسي – اللاواعي – حين الاختبارات الأولية البسيطة التي تجعل ذلك الانتماء لا يصمد كثيراً إلا بتدعيمه بالكثير من التلفيقات والتبريرات التي تتشابك في آخر الأمر لتصنع ما يشبه أيديولوجيا تتخللها العقد النفسية وردود الأفعال النافية/المثبتة في سبيل دعم فرضياتها الهشة.
كانت ملاحظة ذكية – برأيي - تلك التي أوردها د.الباقر العفيف في كتابه (وجوه خلف الحرب) حين أشار إلى عملية الاستدراك الممارسة عن طريق الزواج للتخلص من اللون الأسود وذلك بانتقاء أنثى بيضاء لرفع نسبة البياض في النسل. لكن ما يثير التساؤل هو:  ما الذي تؤدي إليه عملية الانتقاء تلك؟
طيِّب، حين ينتقي ذكور سود إناثاً بيضاوات، فإن نسبة كبيرة من الإناث السوداوات يكن خرجن من (سوق) الزواج. وإذا كان الأطفال الذين ينتجون عن تلك الزيجات أقل سواداً من آبائهم، ثم انتقوا هم كذلك من جديد إناثاً بيضاوات، وخرجت من جديد الإناث ذوات الوصمة (اللون الداكن) من المنافسة؛ فسينتج أطفال أقل بياضاً من أمهاتهم وأقل سواداً من آبائهم.... إلخ. ما تجدر ملاحظته أن عدد السود إناثاً وذكوراً يسير إلى نقصان لصالح عملية التبييض المستمرة. ويأتي لا وعي العملية في أنها تتلثم بمفاهيم أنتجت لتبريرها، فمثلاً قواعد الجمال تغيرت كثيراً وتتغير لتصبح الأنثى الجميلة المشتهاة بيضاء كصفة مركزية تسعى إليها بالكيمياء ذوات الحظ العاثر الذي جعل لونهن أسود مما يخرجهن من المنافسة في سوق الزواج.
تسير هذه العملية (التبييض) بوتيرة تزداد قوة مدعومة بإفرازات الأيديولوجيا المتسترة خلف الكثير من الدعاوى، يغذيها تاريخ طويل من العقد النفسية والقفزات التاريخية المفاجئة والتناقض الحاد والتفاوت بين مكونات عجلة التطور.
إن ما يحدث أمام الجميع يومياً هو إقصاء منظم للون الأسود، في سبيل أن نصبح بيضاً (كما نعتقد) و(كما نبدو)، وهي لعمري طريقة شاقة لخياطة الصدع الذي ينتاب من يفكر في ذاته وكأنه ليس أسود، ليس زنجياً، ليس عبداً، ولكنه في ذات الوقت يحمل صفات السود، والزنوج، ويراه الآخرون عبداً.
أكتب ملاحظاتي هذه وفي ذهني ذلك السعار نحو الأبيض بدعاوى مختلفة على قمتها أنه جميل! فمعظم الإناث داكنات اللون يدركن أن حظوظهن أقل - وتقل بمرور الوقت – في الحصول على شريك ذكر؛ من الأخريات ذوات الألوان التي تميل إلى الأبيض. ورغم كل المعالجات التي يلجأن إليها للتبييض إلا أنهن يدركن أن احتمال نجاحهن ضئيل، سواء أكان نجاحهن في الحصول على عمل مرموق اجتماعياً، أم في الحصول على شريك مناسب.
إن محاولة التخلص من السواد تغذي الكثير من التصرفات والأفعال التي أراها مضحكة أحياناً. فمثلما لاحظ د.الباقر العفيف من قبل أن التبرعات كانت تجمع لفلسطين في عز الأزمة الإنسانية في دارفور؛ نلاحظ أيضاً أن درجة الانفعال بقضايا (البيض) الذين نفترض انتماءنا إليهم أكبر من انفعالنا بقضايا من يشاركوننا ذات الجغرافيا، وذات اللون، وذات السحنة، وذات المصير المشترك (الحقيقي). إنه لأمر يثير العجب!

الأحد، 16 أكتوبر، 2011

الجدوى.. من جديد


1
كسراً للسلسة التي تجعل لكل شيء سبباً؛ تفقأ أسئلة الجدوى زجاج ما يعتم النفاذ إلى خلاصة الفيزياء في منفاها حين لا سبب يفسر/ يرفو ما يفتقه القول بالتوالي حتى مطلق المعنى.
طالما لا وصول للعدد الأخير في العد من (1،2،...) وإلى (...)؛ إذن فلا انتهاء لمنطق أن كل شيء على رباط بما قبل/بعد، أو فليكن ألّا إحاطة.
ما من جدوى توازي اكتفاء الذات من أسئلة التفاجؤ بوجودها حين منصةٍ أولى منها تسير إلى أسئلة أكثر نحولاً باتجاه مخرجٍ ولا سم الخياط؛ وقتها تصير الذات مشيحة عن مسلمة وجودها انحيازاً إلى احتمالات تلد احتمالات تسد المنفذ المحكي عن جدوى لا جدوى لها ولا منها ولا فيها ولا عليها؛ وقتها قد تظُلم الذات بما يكفي لرشق الأسطورة كلها بزيت العبث.
2
لا شيء مؤكد. عبارة غير مؤكدة في ذات ذاتها طالما أن لا أداة ترى وجهين في غفوة واحدة. هي افتراضات ما نبني عليه أرضاً تقينا الطفو في كون من التلبسات الآنية تخلق صوراً نسميها أنوات ما يحدث الآن أو تبني كهوفاً يسكنها الجدل والاستفهام والتعجب. في فضاء كهذا لن يسبح غير عارف بمكان غفوته وأوان عبوره خلف عين الوقت إلى ما يكون - حقاً - أول مادة تصلح مستقراً لقدم العابر الآتي من ضباب الأسئلة.
هي الاحتمالات القديمة ذاتها، ما تجعل الجدوى محكياً طي خرافة أن (نكون) معادلاً لحيرة الخلق التي حُقنت لتملأ الفراغ خلف زمنٍ لا يكفي لتثاؤبة تريح رأساً من تلفّته خوف التلف.
3
بكثافة ما يتخلل سياق الركون إلى العاطفة؛ حين تختفي خلف ثوب السهو مماكنات الحدود  بين جنسين في اللغو المحيل إلى رضا العادة؛ يبدأ من حيث اتفق التعلق بالبحث عن مآل حين كل ما يحكي لا يرى غير قطعة مما يمسك الوقت بين فكيه. هو النزوع إلى انتقال في فراغ ما لا مالئ له، نسميه السياق، الحياة، الوجود، الكينونة، تمثُّل الأنا، كل ما يحيل إلى ثباتٍ يهدئ رعب احتمال ألا اتجاه ولا هدى.
لا اتجاه ولا هدى، فقط قسوة أن يظل كل ما تلمس يحيل إلى الثبات. لا الثبات ولا هدى، فقط الشرَك الذي يجاذب جناح ما قيل خبئه لئلا تهلك. لا الهلاك ولا هدى، فقط انتظار الفتح كشفاً عن مداورة جديدة.
4
أين كمون ما يجعل صورتك ترسم نفسها بما يرضيها وأنت غائب في ابتسامة السابح عبر لا شيءَ الذي تعبر؟ ثمة (خلف) عند كل عين، و(أمام) كذلك. ثمة (فوق) و(تحت)، لكن.. لا يُسمى الذي خلف الأمام.
ثمة وقت في الطريق إلى نهايته عند كل سابح، ثمة نهاية لن يشهدها من يسير إليها، وثمة ما يجعل كل ذلك جدوى تطمئن الذرات إلى السكون المنتظر، إلى النزوع الجوهري والأخير.
5
لا جدوى طالما ينطفئ هذا (الإنسان).

الأحد، 2 أكتوبر، 2011

رشا.. يا كحيل

1
بنتفٍ من نوايا وحشية تتلوى لتخرج من سجن الدم شياطين تطردها نقاهة مُستنهَضَة، بغثيان كما الوحم، بحالِ الأبكم المرتبك، باعتراءات يتعرَّق منها جمود العاطفة، بويلٍ يطارد الصدأ، بكوّة عنوة تُدْرِج على مجرات من تساؤلٍ أشد قدماً من الذكرى، برغبةٍ مورقة للعودة بذات مسار الزمن، بكل ما يحتبس عند المنفذ الوحيد الذي يقذف بسموم التعقل والرزانة وادعاء الحذر؛ تدنو رشا من ليونة البشر المدفونة تحت الصَّدَفَة الأم.
الصوت رشيق، بحة خفيفة لها وشوشة تطرزها ثقة، مفاجآت مفاجئة حين تدهم المفردات التي لو قرئت من غير أن تمر عبر شفتيها؛ إذن لكانت أشد ركاكة من التوحد.
أحب هذا. المباشرة ودودٌ تجرك من أذنك - تماماً بلا مجاز - إلى دوامة آمنة تنجيك من زلل أن تمر على ينبوعٍ دون أن تشرب، أو أن تنمو فيك أعشاب الزمن دونما حشرجة آلة الثبات إذ تعوِّمها إلى الوراء.
فولاذٌ يكشط فولاذَ ما تطبَّق بأرفف التفاجؤ، غيبوبة تغيب عن معنى الغيب، نار إيحاء كامنة بين سدف صوت تهبّ عليها الموسيقى، كلها مرادفات رشا إذ تغني، تتكلم، تفعل، تهدم ما بني على باطل في حقل الشعور، وأنا بعقل ضامر أرعى حشيش التفتُّح، سماد اللذة يبكيني، وتشنجات ما احتبس تدمي؛ فيتنفس دمي لهذا الفصاد.
2
باللون في الصوت، تعبر ما أشتهي إلى ملاءمات لم تعرها الأرض غير الرائحة، ببساط ما يندغم ضمن نسيج يُدارَى خوف انطفاء؛ تسوق رشا إلى المدرك من فتنة الغناء، إلى البسيط الذي في بساطته تظلع كائنات من الحلوى ولون العصريات وهبَّات طلع الطلح ورنة الحذاء على بلاط المنزل وذاكرات الحنان القديم حين لم يكن غير صفار النهار مملكة الركض حين حفاء المعنى معادلاً لخفاء ما ينغلق على الذات فيطعمها المسافة حتى الخلود.
تذكرني بأغنيتي، بالذاهبين إلى الطيور مزاحَمةً، بالقرب من دفء سيصير ذكرى. تذكرني بي.
3
حين أغنية مواربة جهة دهشة متحفزة بانتظار سردٍ ضارب في السر. حين قهوة افتراضية مع افتراض التبحّر في العلو حتى إن الرؤية تظلم؛  تصادفني رشا فيندلق مساء كامل الصفات على غدد التذوق؛ ترتد إلى نوعها الأوَّلي، وتصير الطرقات موغلة في التاريخ.
في الصوت شيفرة الجين الأب؛ ما كان لمخترعي التريُّح في الجهات. في الصوت صوت يختفي حين يعبر إلى طيات ما خلف أذن السماء. في الصوت ما لو سُمع في فلاة اليقين؛ إذن لتعقدت أمور وأمور.
4
رشا، تلك التي أعني، حين تغني؛ تغني فقط.
حين تغني؛ لا يحدث غير انقلاب.
حين تغني؛ أحب الغناء.