الأحد، 16 أكتوبر، 2011

الجدوى.. من جديد


1
كسراً للسلسة التي تجعل لكل شيء سبباً؛ تفقأ أسئلة الجدوى زجاج ما يعتم النفاذ إلى خلاصة الفيزياء في منفاها حين لا سبب يفسر/ يرفو ما يفتقه القول بالتوالي حتى مطلق المعنى.
طالما لا وصول للعدد الأخير في العد من (1،2،...) وإلى (...)؛ إذن فلا انتهاء لمنطق أن كل شيء على رباط بما قبل/بعد، أو فليكن ألّا إحاطة.
ما من جدوى توازي اكتفاء الذات من أسئلة التفاجؤ بوجودها حين منصةٍ أولى منها تسير إلى أسئلة أكثر نحولاً باتجاه مخرجٍ ولا سم الخياط؛ وقتها تصير الذات مشيحة عن مسلمة وجودها انحيازاً إلى احتمالات تلد احتمالات تسد المنفذ المحكي عن جدوى لا جدوى لها ولا منها ولا فيها ولا عليها؛ وقتها قد تظُلم الذات بما يكفي لرشق الأسطورة كلها بزيت العبث.
2
لا شيء مؤكد. عبارة غير مؤكدة في ذات ذاتها طالما أن لا أداة ترى وجهين في غفوة واحدة. هي افتراضات ما نبني عليه أرضاً تقينا الطفو في كون من التلبسات الآنية تخلق صوراً نسميها أنوات ما يحدث الآن أو تبني كهوفاً يسكنها الجدل والاستفهام والتعجب. في فضاء كهذا لن يسبح غير عارف بمكان غفوته وأوان عبوره خلف عين الوقت إلى ما يكون - حقاً - أول مادة تصلح مستقراً لقدم العابر الآتي من ضباب الأسئلة.
هي الاحتمالات القديمة ذاتها، ما تجعل الجدوى محكياً طي خرافة أن (نكون) معادلاً لحيرة الخلق التي حُقنت لتملأ الفراغ خلف زمنٍ لا يكفي لتثاؤبة تريح رأساً من تلفّته خوف التلف.
3
بكثافة ما يتخلل سياق الركون إلى العاطفة؛ حين تختفي خلف ثوب السهو مماكنات الحدود  بين جنسين في اللغو المحيل إلى رضا العادة؛ يبدأ من حيث اتفق التعلق بالبحث عن مآل حين كل ما يحكي لا يرى غير قطعة مما يمسك الوقت بين فكيه. هو النزوع إلى انتقال في فراغ ما لا مالئ له، نسميه السياق، الحياة، الوجود، الكينونة، تمثُّل الأنا، كل ما يحيل إلى ثباتٍ يهدئ رعب احتمال ألا اتجاه ولا هدى.
لا اتجاه ولا هدى، فقط قسوة أن يظل كل ما تلمس يحيل إلى الثبات. لا الثبات ولا هدى، فقط الشرَك الذي يجاذب جناح ما قيل خبئه لئلا تهلك. لا الهلاك ولا هدى، فقط انتظار الفتح كشفاً عن مداورة جديدة.
4
أين كمون ما يجعل صورتك ترسم نفسها بما يرضيها وأنت غائب في ابتسامة السابح عبر لا شيءَ الذي تعبر؟ ثمة (خلف) عند كل عين، و(أمام) كذلك. ثمة (فوق) و(تحت)، لكن.. لا يُسمى الذي خلف الأمام.
ثمة وقت في الطريق إلى نهايته عند كل سابح، ثمة نهاية لن يشهدها من يسير إليها، وثمة ما يجعل كل ذلك جدوى تطمئن الذرات إلى السكون المنتظر، إلى النزوع الجوهري والأخير.
5
لا جدوى طالما ينطفئ هذا (الإنسان).

الأحد، 2 أكتوبر، 2011

رشا.. يا كحيل

1
بنتفٍ من نوايا وحشية تتلوى لتخرج من سجن الدم شياطين تطردها نقاهة مُستنهَضَة، بغثيان كما الوحم، بحالِ الأبكم المرتبك، باعتراءات يتعرَّق منها جمود العاطفة، بويلٍ يطارد الصدأ، بكوّة عنوة تُدْرِج على مجرات من تساؤلٍ أشد قدماً من الذكرى، برغبةٍ مورقة للعودة بذات مسار الزمن، بكل ما يحتبس عند المنفذ الوحيد الذي يقذف بسموم التعقل والرزانة وادعاء الحذر؛ تدنو رشا من ليونة البشر المدفونة تحت الصَّدَفَة الأم.
الصوت رشيق، بحة خفيفة لها وشوشة تطرزها ثقة، مفاجآت مفاجئة حين تدهم المفردات التي لو قرئت من غير أن تمر عبر شفتيها؛ إذن لكانت أشد ركاكة من التوحد.
أحب هذا. المباشرة ودودٌ تجرك من أذنك - تماماً بلا مجاز - إلى دوامة آمنة تنجيك من زلل أن تمر على ينبوعٍ دون أن تشرب، أو أن تنمو فيك أعشاب الزمن دونما حشرجة آلة الثبات إذ تعوِّمها إلى الوراء.
فولاذٌ يكشط فولاذَ ما تطبَّق بأرفف التفاجؤ، غيبوبة تغيب عن معنى الغيب، نار إيحاء كامنة بين سدف صوت تهبّ عليها الموسيقى، كلها مرادفات رشا إذ تغني، تتكلم، تفعل، تهدم ما بني على باطل في حقل الشعور، وأنا بعقل ضامر أرعى حشيش التفتُّح، سماد اللذة يبكيني، وتشنجات ما احتبس تدمي؛ فيتنفس دمي لهذا الفصاد.
2
باللون في الصوت، تعبر ما أشتهي إلى ملاءمات لم تعرها الأرض غير الرائحة، ببساط ما يندغم ضمن نسيج يُدارَى خوف انطفاء؛ تسوق رشا إلى المدرك من فتنة الغناء، إلى البسيط الذي في بساطته تظلع كائنات من الحلوى ولون العصريات وهبَّات طلع الطلح ورنة الحذاء على بلاط المنزل وذاكرات الحنان القديم حين لم يكن غير صفار النهار مملكة الركض حين حفاء المعنى معادلاً لخفاء ما ينغلق على الذات فيطعمها المسافة حتى الخلود.
تذكرني بأغنيتي، بالذاهبين إلى الطيور مزاحَمةً، بالقرب من دفء سيصير ذكرى. تذكرني بي.
3
حين أغنية مواربة جهة دهشة متحفزة بانتظار سردٍ ضارب في السر. حين قهوة افتراضية مع افتراض التبحّر في العلو حتى إن الرؤية تظلم؛  تصادفني رشا فيندلق مساء كامل الصفات على غدد التذوق؛ ترتد إلى نوعها الأوَّلي، وتصير الطرقات موغلة في التاريخ.
في الصوت شيفرة الجين الأب؛ ما كان لمخترعي التريُّح في الجهات. في الصوت صوت يختفي حين يعبر إلى طيات ما خلف أذن السماء. في الصوت ما لو سُمع في فلاة اليقين؛ إذن لتعقدت أمور وأمور.
4
رشا، تلك التي أعني، حين تغني؛ تغني فقط.
حين تغني؛ لا يحدث غير انقلاب.
حين تغني؛ أحب الغناء.

نوستالجيا خفيفة

1
ليس ما يشبه هبّة الذاكرة، ولا ما يمكن أن يكون "ديجافو" تبعثرت في فجوات وعيي بما هو خارج الثقبين اللذين بهما أمتص المناظر. ليس هذا. ربما أعني حيوات أخرى مكدسة بحقيبة السرِّ التي أكون.
أنا، حين أقول أنا، لا أعني غير تمثُّلي الآني، كومة الكربون التي أحتلّها وتسمى أنا. لكن يخزني أحساس بأن ثمة ما هو خلف كلي، بعد كوني، وقرب أن أصبح متعدداً وأعي كنه تعددي.
حيوات كثيرة تهابش ذاكرتي وكأن سدّاً على وشك انهيار، وبعض ماء ما كُنته يتسرب، ليذهلني عني الآن بأنواتي التي كانت.
الذاكرة التي تلي ذاكرتي أهي لي؟
تموت الأماكن، حين الرمادي يغطي وجودي، إنه مجد الأسود والأبيض. أراني في مكان آخر، زمان آخر، أتذوق طعماً جديداً وليس جديداً، وأتسوّر معرفتي ببيئة لطالما افتقدتها وكنت لا أدري لمَ.
في كل مرة يبدأ هذا الغياب؛ كنت أستلذ برحلة تجيء خلف المعرفة؛ معرفتي، إلى ظهورات خاطفة تشبه أن تذهب إلى مكان لم تزره إلا مرة في الطفولة الباكرة، فتجده كما هو لم يغيره الزمن، كما تركته قبل آلاف الذاكرات. أستلذ بتذكر ما لم أفعله، ما لم أره، ولكني رأيته.
أمر معقد أن يصف الشخص طعماً ليس حامضاً وليس مراً وليس حلواً وليس حاذقاً وليس أي طعم، بل وربما ليس طعما.
إنها حيوات تتزاحم عند المنفذ.. إذن ربما موتي وشيك.
2
هو الرهان على غائب؛ أن تبني بكامل الصبر، ألفةً بما سيكون - خيالاً - مآلاً حين تكتمل الرحلة. هو الرهان على صواب مُخترَع ليفي بحاجة إلى تسكين قلق النهايات. إنه الموت الذي يدفع إلى خلق أبنية مريحة تجعل الموت محض عبور إلى الجمال، إلى لا نهائية لم تختبر ولكنها تغوي، العبور السريع - إن أمكن - خارج كل هذا الضجيج.
3
ليس ثمة ما يجدّ - ذات تشاؤم - فيجعل الرحلة إلى الوراء ممكناً ضمن ممكنات لم تزل تتقاطر خلف فصول التذكر. مقولات تنتزع لسان الذي كنته؛ طائراً أو موجة في بحر أو زرقة في سماء أو أرنباً أو صوتاً تحبسه أذن غريبة. ثمة ما كانه كل ما هو كائن في الآن، ثمة النزعة إلى جهات لم تخطر على بال آني ولكنها هناك.
4
ظناً، حيوات تندلق حين ارتجاج الحياة؛ جميلة لكأنها الحياة كما صممها وعيي لي نموذجاً يفتن حتى عاشقي التقشف.
أملاً، ثمة طرق للرجوع إلى الوراء.
عناداً فقط.. ما أجمل النوستالجيا.
5
تتقطر روحي إلى الخلف.. أحاول حمل ذاكرتي معي؛ علَّ حياة أخرى تصير - ويا لطمعي - حياتين معاً.