الاثنين، 10 نوفمبر، 2014

زوايا مختلفة لنظرةٍ واحدة.. عن أسئلة التعليم القديمة الحديثة




قبل خمسة وعشرين عاماً، وقفتُ أمام معلِّم الرياضيات، أتلقى توبيخاً مشوباً بالازدراء والتهكُّم. كان السبب أنني استفسرت عن ماهية النسبة الرياضية (باي π)، ومن أين أتت. كنت أنظر إلى وجه المعلِّم الذي كان يحسّ بالإهانة، وقد اعترته مسحة غضب يحاول مداراتها، وهو يحاول جعلي أحس بالغباء وبالذنب لأن لا أحد من زملائي الذين يتطلعون إليّ بنظرات مشفقة؛ قد سأل مثل هذا السؤال، ما يجعل سؤالي "غير مفيد" على حد تعبيره، فالمطلوب مني فقط "حفظ" أن قيمة باي تساوي (3.14). كان واضحاً أمامي ببساطة أن المعلم لم يكن يعرف من أين أتت هذه الـ (3.14) التي يطالبنا باستخدامها عند حساب مساحة الدائرة.
أعرف الآن أن في ذلك اليوم تآكلت ثقتي في المعلمين والمعلومات التي تصدر منهم، وهو تأثير بلغ ذروته بعد سنتين من تلك الحادثة، عندما تركتُ المدرسة لأنها فقط أصبحت لا تروق لي. بالطبع أُجبرت على العودة إلى الدراسة بعدها، لكن لم أعد آخذ العملية التعليمية مأخذ الجد مثلما كنت أفعل. ولأن أبي، والمعلمين، وزملائي، كانوا يراقبون بكثير من خيبة الأمل انحدار مستواي الدراسي عاماً بعد عام، من المراكز الأولى التي كنت أحتلها، حتى صرت ضمن زمرة الوسط، لذا عندما امتلكت أخيراً القدرة على الإفلات من نظام التعليم هذا، لأترك الدراسة في الجامعة قبل أشهر معدودات على نهاية السنة الأخيرة؛ لم تبد عليهم الدهشة أو يحيطوني بالإشفاق مثلما كان ردّ فعلهم على محاولتي ترك المدرسة في المرة السابقة، بل بدا الأمر طبيعياً، فما عاد أيٌّ منهم ينتظر مني شيئاً على ما يبدو.
 حسناً، كان هذا منذ سنوات بعيدة، ومن الواضح أنني لا زلت حياً حتى الآن، على عكس سيئ الحظ (هانز جيبنرات) بطل رواية (تحت العجلة) لـ(هرمان هسه). لكنني ظللت أرى بوضوح العثرات التي تضعها في طريقي تلك السلطات التي – كما يقول هسه- هزمت بطله (هانز جيبنرات) وكادت تهزمه هو شخصياً، أعني تلك العراقيل التي تبدو كعقابٍ على محاولة رفض تلك السلطات والإفلات من سيطرتها، وربما هذا العقاب أحد الأشياء التي تخيف الكثير ممن يرغبون في الهرب –مثلي- من السير في  ذلك الطريق الرتيب الذي ترسمه يد تلك السلطات، التي يحددها (هرمان هسه) بأنها: "المدرسة، الدين، التقاليد والسلطة"، في مقابل المكافآت التي ينالها المثابرون على السير في الطريق المرسوم لهم سلفاً.
ويقدم لنا (هرمان هسه)، عبر تتبّع سيرة الحياة القصيرة والمأساوية للفتى (هانز جيبنرات)، في بلدته، وأثناء رحلته إلى عاصمة المقاطعة للجلوس للامتحان المؤهل للدراسة في دير (ماولبرون) الذي يمثّل ليس أمل (هانز) وحسب، بل أمل كل النسيج الاجتماعي للبلدة، ثم بالغوص في ما خلَّفته التأثيرات العميقة لوجوده في الدير، ودراسته، ومقابلته للفتى (هرمان هايلنر)؛ نقيضه الملول الناقد الحرّ، الذي أثَّر عليه حدّ أن جعله يفكر في مقاومة سلطة الدير بعدة طرق، إلى أن تركه بلا عودة، ووصولاً إلى الميتة الفاجعة لـ(هانز)؛ يقدم (هسه) عبر كل ذلك سرداً نموذجياً يكشف ويعرِّي الكثير من نقاط ضعف العملية التعليمية وتأثيراتها الكارثية على نفوس الكثير من الطلاب. وبرغم أن أكثر من قرن مرّ على الأحداث التي يرويها (هسه)، لكن من الواضح أن التحديات ذاتها لا تزال مثار نقاش ونظر، كما سنرى.

*مقاومة دائمة
لا تخلو مدرسة من بعض الخارجين المتمردين على نظام التعليم، الرافضين لتنميطهم، والمحاربين من أجل ما يحبّونه أو ما يؤمنون بأنه يمثّل جوهر الإنسان فيهم. لذا تتعدد التجارب التي تشبه تجربتي، أو حتى تجربتَيْ (هانز جيبنرات) و(هرمان هايلنر) اللتين اطَّلعنا عليهما في متن رواية (تحت العجلة). فهذا النوع من التجارب لا يُحدّ بجغرافيا دون بقية بقاع العالم، أو بزمن دون بقية الأزمان. فمثلما هناك مشتركات بين أبناء البلدات الصغيرة لا تتأثر بالمكان ولا بالزمن، يلاحظها من يقرأ منهم رواية (هسه) (تحت العجلة)، وهو يتتبع فيها ربما تفاصيل طفولته بحذافيرها؛ هناك أيضاً مشتركات تتعلق بنظم التعليم، التي مهما تطورت تظل في جوهرها تهدف إلى جعل متلقي التعليم هذا، متّسقاً مع الخط العام للمجتمع، وهو أمر من الطريف أن الجميع يتفق عليه، حتى ناقدي نظام التعليم التقليدي، كما سنرى.
التعليم أمر خطير بالطبع، وهذا شيء نقرأه من الصراع بين من يرون أن العملية التعليمية هي "عملية تشكيل" لنظام القِيَم لدى التلميذ بما يتوافق والنظرة السائدة لما هو صائب وما هو خاطئ، ومن يرون أن تكون العملية التعليمية "عملية تنمية" لما هو إنساني مشترك من القيم، وتنمية للإدراك والوعي بالكينونة في جدلها مع المحيط، لذا يحاول كل طرف السيطرة على التعليم لغرس رؤاه في تربة المجتمع، لكننا أيضاً ننتبه إلى أن الطرفين في نهاية المطاف يجعلان من التلميذ موضوعاً للعملية التعليمية وليس مركزها.
في رواية (تحت العجلة) يرينا (هرمان هسه) بسخريته القاتمة أن نمط التعليم التقليدي، الذي يمثل الرأي الأول، غرضه هو: "أن يكبح في نفوس الفتيان الشباب الاندفاع الفظ ويقتلع الشهوات الفطرية ويزرع بدلاً منها المُثُل الهادئة المتواضعة المعترف بها اجتماعياً"، وأن من يؤمنون بهذا النمط التقليدي من التعليم يرون أنه "بدون هذه التربية والمساعي المدرسية يصبح (التلميذ) مثل البعض من المواطنين القانعين في الوقت الحاضر، أو الموظفين الطموحين: ضيقاً، مندفعاً، نكرة، أو حالماً، حسياً، عديم الفائدة، شيء ما فيه، شيء وحشي، غير منظم، متخلف، يجب أن يحطم، شعلة خطيرة يجب أن تطفأ، أن يداس عليها"، وأن وجهة النظر التقليدية تجاه الإنسان غير المندمج في نظام التعليم ذاك هي أن "الإنسان كما خلقته الطبيعة كائن غامض، خطير، لا يمكن التكهن به، إنه تيار مندفع من جبال غير معروفة، غابة قديمة غير منتظمة، لا طرق فيها ولا مسالك، ومثل هذه الغابة القديمة يجب أن يضاء وينظّف ويحدد بعنف. هكذا يجب على المدرسة أن تكسر شوكة الإنسان البدائي وتنتصر عليه وتحده بقوة، ومن مهماتها أن تصيره عضواً نافعاً في المجتمع وفق الأسس المتعارف عليها وأن توقظ فيه الصفات التي تتوج تربيتها التامة حينئذ بإكمال أخلاق الثكنة العسكرية الدقيقة".
إلا أن بول فرايري –مثلاً- رائد (التعليم الحواري)، والعدو العتيد للتعليم التقليدي (البنكي كما يسميه)؛ على النقيض من ذلك، يرى أن التعليم هو سبيل أو طريق إلى الثورة على القهر وصولاً إلى الحرية، وإلى تمكين المقهورين من مقدراتهم. وعلى الرغم من افتراض حسن النية لدى فرايري، إلا أننا لا يمكننا فصل نظريته للتعليم عن مفهوم (التحرُّر) لديه، بظلاله الأيديولوجية المعروفة، التي في النهاية تجعل التعليم –مثلما يفعل النظام التقليدي- عملية لجعل المتعلم "عضواً نافعاً في المجتمع وفق الأسس المتعارف عليها"، ولا يشفع لفرايري أن أسسه التي يدعو إليها لا تتفق مع أسس التقليديين.
إنَّ خطةً مثل هذه التي بيَّن لنا (هرمان هسه) أعلاه أنها غرض التعليم التقليدي، ستؤدي – كما أوضح هو- إلى صنع إنسان ميّت، إذ أن تفاصيل هذه الخطة كلها تذهب ضد الحياة. يقول (هسه) على لسان الناظر في رواية (تحت العجلة): "يا لروعة التغيير الذي طرأ على الصغير جيبنرات! لقد تخلى عن التسكّع، واللعب، وانقطع عن الضحك في الفصل، وتوقف عن ممارسة البستنة والركض وراء الأرانب وصيد الأسماك المزعج".

*يصعب التمرد على الرمز
مثلما هي الحال في الحياة؛ تمتلئ رواية (تحت العجلة) بالإشارات والأمثلة التي تشرح بشيء من الدقة مآلات الضغط على الموهوبين ليصيروا ما لا يرغبون فيه حقيقةً، بقدر تحقيق رغبة النظام الاجتماعي المتسلط، سواء في المنزل أو الشارع، إذ أن نظم التعليم لا تلقي بالاً لتميُّز هؤلاء الموهوبين بقدر ما تهتم بجعلهم (نموذجيين) في سلوكهم ومحشوين بالمعلومات التي ينفقون جهداً جباراً في حفظها واستظهارها دون تعمقهم فيها، وهذا ما عبّر عنه (هسه) ببصيرة نافذة على لسان المشاكس (هرمان هايلنر): "هنا نقرأ هوميروس كما لو كانت الأوديسا كتاباً لتعلُّم الطبخ، تتناول الحصة الواحدة بيتين شعريين فقط ثم يجتران ويعالجان حتى يصاب المرء بالقرف، وفي نهاية كل حصة يكرر كالعادة: ها أنتم ترون كيف عالج الشاعر هذين البيتين بحس رهيف".
إن دير (ماولبرون) في رواية (تحت العجلة) يشبه في بنيته النفسية -إن جاز لنا أن نسميها كذلك – فكرة التعليم في جوهرها، بغض النظر عن المكان والزمان، فتشابك العلاقة النفسية بين الطلاب والمعلمين والمكان الذي يجمعهم، بما يحمله من ثقل رمزي في نفوس من بداخله؛ يصنع حالة نفسية عامة وجوّاً يحتاج إلى شجاعة جبّارة للتمرد عليه كما فعل (هسه) شخصياً، و(هرمان هايلنر) في رواية (تحت العجلة)، وربما كما فعل (هانز جيبنرات) وإن بطريقة مختلفة تحتاج قدراً أقل من الشجاعة؛ يشبه فكرة التعليم في جوهرها من حيث إنّ التعليم كنظام لا يزال يحظى بثقل رمزي يجعل التمرد عليه ضرباً من المستحيل، إذ أن السلطات التي أشار إليها (هسه) من قبل، سواء توافر حسن النية أم لم يتوافر في ما تفعله؛ تستخدم التعليم بوصفه خطَّ التشكيل الأول للفرد ليكون متوافقاً مع المحيط بما يضمن سير الوتيرة الاجتماعية كما هي دون تغيّرات حادة، ففي النظام التعليمي – بغض النظر عن كونه نظاماً دينياً أو مدنياً أو أهلياً- يتم الاشتغال على محاولة إخضاع المختلفين، ولو ظاهرياً، لجعل الجميع متشابهين ويعتنقون ذات النظرة تجاه المسلمات الرئيسية.

*ليس ثمّة أخيار وأشرار
نعم، يراهن الجميع على التعليم كما أسلفنا؛ من يريدون إحداث تغيير أو ثورة في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وكذلك من يريدون إبقاء الأمور على ما هي عليه قدر الإمكان. تُتَّهم نُظم التعليم التقليدية (دينية، رسمية تحت يد الدولة، أهلية) بأنها تعمل على إنتاج أفراد خاضعين لسلطة الدين والأسرة والمجتمع، وأنها تقتل الموهبة وتقف ضد الاختلاف والإبداع، إلا أن ممثلي نظام التعليم هذا لا يخفون أن غرض التعليم –في نظرهم- إضافة إلى معرفة القراءة والكتابة، هو خلق فرد صالح في المجتمع، معرّفين (الصلاح) بأنه الالتزام بنسق القيم والأخلاق السائد في المجتمع والعمل على ضمان استمراره وديمومته.
لكن أعداء التعليم التقليدي تواجههم عدة معضلات تشكل تحدياً في عالم تتحرك فيه المفاهيم بسرعة شديدة، إذ أنهم حتى الآن لا يستطيعون أن يبينوا بوضوح مفهومهم للعملية التعليمية (الصحيحة) وما ينبغي أن تؤدي إليه، خارج نطاق الأيديولوجيا، إذ في كثير من الأحيان يظهر وكأنهم فقط يحاولون فرض نسق قيم مختلف، ووضع المتعلمين تحت سيطرة سلطات أخرى غير تلك التي يحاربونها (الدين والأسرة والمجتمع)، وهو ما يجعل الصراع مشوشاً في كثير من تجليّاته وافتراضاته، إذ يبدو –مثلاً- أن كثيراً ممن اختاروا الخروج من نمط التعليم التقليدي (المتهم بقتل الموهبة) من الموهوبين، لم يؤدّ خروجهم هذا إلى تنمية مواهبهم هذه، بل في الغالب ذابوا وسط الناس العاديين بسهولة دون أن تُبرزهم مواهبهم ليصبحوا ذوي صيت معروف، تماماً مثلما حدث لـ(هرمان هايلنر) في رواية (تحت العجلة)، هذا مع الانتباه إلى أن إحصاء أسماء مثل أينشتاين، وفراداي، ومندل، وإديسون، وستيف جوبز... الخ، باعتبار أنهم أغلبية، ونماذج تدل على أنّ العباقرة والموهوبين ممن وجدوا صعوبة في تقبل نظم التعليم التقليدية، سينجحون على الفور حال تمكنوا في الخروج منها؛ هذا الإحصاء مضلل، أو على أقل تقدير يمكن وصفه بأنه غير دقيق، إذ لا نعرف نسبة هؤلاء إلى مجموع من كانت لديهم موهبة ما، وتركوا المدرسة، أو طردوا منها، فهؤلاء فقط من نجحوا ومن ثم صارت أخبارهم وقصصهم متاحة ومعروفة.
لذا فإن التعميم الذي يمثِّل، في كثير من الأحيان، ملح وبهارات حرب وجهات النظر في مسألة التعليم، هو تعميم مخل بكل تأكيد، إذ يفتقر إلى براهين يمكن الركون إليها، ويصبح الصراع – للأسف- في كثير من أطواره تمظهراً أو عَرَضَاً من أعراض الحروب الأيديولوجية، بين اليسار واليمين قديماً، ثم بين من ينشدون السيطرة داخل إطار النظام الواحد الآن.
لا يمكننا البت قطعياً بأن نظامَ تعليمٍ، سواء أكان تقليدياً أم لا، هو نظام غير صالح، مثلما لا يمكننا البت كذلك بأن نظاماً ما صالح، إذ يبدو أن مفهوم الصلاح هذا يتحرك مع حركة المجتمع في تطورها وفي صعودها وانتكاسها، لكن – مثلما بيّن (هرمان هسه) في وقته، وتبيِّن التجارب حتى الآن- ثمة أضرار تحدث، أحياناً يكون سببها فهم المعلم لعملية التعليم ولدوره، وهو فهم تلعب فيه القوانين الاجتماعية دوراً مقدراً إضافة إلى التركيبة النفسية للمعلم نفسه، لذا نجد معلماً – مثلما حدث معي- يعتبر أن توجيه سؤال إليه وهو لا يعرف الإجابة عليه، أمر يمثل إهانة له وتقليلاً من قدره، فيصب جام غضبه على التلميذ المتسائل، بينما قد نجد معلماً آخر قد يجتهد في الإجابة أو يجعل رد فعله أقل عنفاً.

*تحديات خصبة
على أهميّته، يظل التعليم حقلاً للصراع والتنظير ومحاولات التحسين المستمرة، إلا أن ثمة قلقاً دائماً تثيره حقيقة أن التوجيه يظل جزءاً من العملية التعليمية بكل ما يعنيه ذلك من تعدٍّ غير مباشر على اختيارات المتعلمين، وتحكُّم قد لا يكون حميداً في وجهاتهم، وما يمكن أن يجرّه ذلك من دمار نفسي على الكثيرين ممن لم يستطيعوا التوفيق بين ما يريدون وما يراد منهم.
وإلى حين الوصول إلى صيغة تجعل التعليم عملية مفيدة حقاً للمتعلم؛ لا تسجنه في تصورات مسبقة، ولا تحاول توجيهه نحو نموذج بعينه للعيش، ولا تحاول تحطيم روحه النزّاعة إلى الانطلاق، وتهذيب فروعه النامية في اتجاهات متعددة؛ إلى حين الوصول إلى ذلك، ثمة الكثير ممن سيتحطمون على صخور المستحيل، والقليل ممن سينجون، فنعرف عنهم، ونتتبع سيرة إفلاتهم مندهشين، وفي قرارة كل منّا توقٌ خافت إلى ذات المصير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في العدد (101) لمجلة (فكر وفن) التي يصدرها (معهد جوته) – يوليو 2014

الجمعة، 18 أبريل، 2014

وداعاً "غابيتو".. وداعاً أيها الساحر



دائماً هناك قصة عن اللقاء الأول لكلٍّ منَّا بماركيز -يكون غالباً على صفحات "مائة عام من العزلة"، أو "الحب في زمن الكوليرا"-  ذلك اللقاء المذهل، المتسبِّب للكثيرين في دهشة قد تستمر أعواماً، وقد يلطم البعض بكوابيس لذيذة. فأن يقتحم عليك ماركيز صمت حياتك في سن الثالثة عشرة – مثلاً- مثلما حدث معي؛ لهو أمر كاف ليزلزل مسلماتك عن الحياة والموت والمنطق، يبذر فيك الريبة فلا تميِّز ما هو حقيقي وما هو ليس كذلك، بل قد يثير رياح مراكبك التي لم تبحر حتى ذلك الوقت في الأنهر الساكنة لحياة الريف المنسي في دولة تقع في قلب أفريقيا. كيف تسلَّل إلى هناك؟ أي قوة تجعل ماركيز يصل إلى هذه المجاهل، يصل إليك، فتعرف أنه أفضل ما أنتجته كولومبيا، حتى قبل أن تعرف ما كولومبيا؟
أحبُّ ماركيز، مثل أكثر أبناء جيلي المفتقر إلى الحياة والحب. أحب ماركيز الذي جاء ليشبعنا ويُغْنِي فقرَنا ذاك بحكاياته، بعالمه المكوّن من عصير الرغبات والاحتمالات والخسارات الصغيرة.
تعرف بعد سنوات أن ماركيز غيَّرك، فترى النهر كالأنهر في قصصه، وحقول قصب السكر تصير حقول موز رطبة، والغابة الصغيرة الشوكيَّة تغدو غابة استوائية مطيرة، وترى الناس الواجمين في بلدتك المُهمَلَة يتدفقون سحراً، كما لو أنَّك تجول بين دفتي رواية، وتصيخ لماركيز يرصّ التفاصيل ليبني حلماً شاسعاً ناريَّ الجمال.
وداعاً الآن، غابرييل غارسيا ماركيز، سنهشُّ النسيان عن اسمك؛ سنهشُّ الموت عن دهشتنا الأولى بك، ولن تموت.

السبت، 28 ديسمبر، 2013

سطور قديمة


في سيرة الجبهة الديمقراطية.. 
والحلاوي الذي علمني صناعة "المولوتوف"


(1)
كان الشتاء. والجنوبي* ذو غرابةٍ لطيفة لمن يراه أول مرة ببلاط الأسمنت الذي يمتد من بوابته الشمالية جنوباً حتى نهاية الـ(CR's)**، ليغدو أرضية للنشاط الذي تظلله شجيرات تحده من الشرق، ومن الغرب تظلله الـ(CR's)، قبل أن ينمحق إلى ممر نحيل يستمر إلى ما بعد السياج حتى القاعة الكبرى؛ (القاعة 1)؛ وأخواتها، تحفه على الجانبين شتلات ستنمو، ومن خلفها التراب.. الكثير من التراب. وتمتد بلاطات الأسمنت غرباً من البوابة حتى مباني الإدارة ثم المسرح الذي تقول إحدى أساطيره – أيامها- إن آخر من غنى عليه كان أبوعركي (يا دبشليم الحق صوت الله)، ذلك –كما قيل- كان قبل تجميد النشاط الثقافي.
كان الشتاء، وعدد قليل من الطلاب، ومساحة شاسعة تكاد تكون عارية من الشجر. قبلها بأسابيع، كنت أجلس في سنتر جامعة الخرطوم الظليل والزميل (ج.هـ) يحملني حملاً على استئناف النشاط ضمن الجبهة الديمقراطية، فالأمور – كما قال- تختلف هنا عن الثانويات ومشاكلها وتدافعاتها.
واقفاً في منتصف النشاط أنظر إلى كل الأماكن ولا أعرف إلى أيها أتجه، تطن في رأسي سنوات من التوقعات التي اختفت الآن فجأة، صورة نمطية عن الجامعة لا علاقة لها بما أنظر إليه، رغبات تتدافع فتضيع في بعضها. ثمة بعض الطلاب العبوسين تقبض أيديهم على الكثير من الأوراق وأحياناً الكتب، ويتحركون بسرعة، المكان خالٍ تقريباً وبارد والساعة لم تتجاوز العاشرة صباحاً. كنت أفكر: كيف سأعثر على أعضاء الجبهة الديمقراطية؟ لا يمكنني –بالطبع- أن أوقف أياً كان وأسأله عنهم، فقد كانت لا تزال أياماً مرعبة.
بعد أسبوعين عدت. مع دخولي كان ثمة من يتحلّقون حول متحدث ما، في ساحة النشاط. زاد عدد الطلاب عن آخر مرة.. يبدو أن الدراسة بدأت أو ستبدأ. كان المتحدث من جماعة أنصار السنة، لم أركز كثيراً في ما يقول، أخذت أتفرس في الوجوه؛ الواقفين والقاعدين، أمام المتحدث كرسي حوله زجاجات مياه غازية مملوءة بالماء. أثار اهتمامي أحدهم يجلس على مشطي قدميه في الصف الأول، كان مطرقاً يستمع، كثيف الشعر جدا ويفتل خصلة من ذلك الخنفس. ما إن انتهى المتحدث حتى رفع الشاب ذو الخنفس يده طالباً فرصة منحت له ليدخل ويتحدث بلهجة هادئة ولكن كلامه لم يكن هادئاً. كان يدافع عن عضوية الجبهة الديمقراطية بتحدٍ.. لم أهتم بعدها بمحتوى حديثه؛ فقد عثرت على من أبتغي.

(2)
كان (و.م) يتجه جنوباً بعد أن انتهى ركن النقاش، خطواته واسعة وثابتة. لحقت به قرب شجيرة مانجو ستنمو في ما بعد وأوقفته. استمع لي بما بدا لي شيئاً من الحيرة وأنا أخبره بكلمات مقتضبة ومتوترة بأنني طالب جديد وأبحث عن (الزملاء). سرنا في ذات الاتجاه – الجنوب الغربي- وهو يؤانسني بلطف كمن يعرفني، حتى وصلنا إلى مساحة بين مبنيين تظللها شجرة لبخ عملاقة، ويحدها السور الغربي للجامعة؛ كانت تلك (موسكو).
تلفت (و.م) في عدة جهات، لم يبد عليه أنه وجد من يبحث عنه. ثمة حجارة مرصوصة لتكون مقاعد حول (الخالات) اللائي ينصبن أمامهن مواقدهن فوقها كفتيرات الشاي تحتها الجمر. ليس هناك الكثير من الرواد.. المكان شبه خال.
تحركنا باتجاه الشرق، في الحدود البعيدة للجنوبي يبدو مبنيان عملاقان جيدا البناء، جنوبهما مبنى أقل جودة ثم يليه مبنى يشبهه لكنه مخرّب تماماً؛ بلا أبواب وبلا نوافذ (كان داخلية طلاب قبل تحويله إلى مبنى إداري في ما بعد). عندما تعبر من كافتيريا الوسط شرقاً تواجهك في المسافة بين المبنى المهدم والكافتيريا طائرتان؛ هيلكوبتر وأنتينوف، على مسافة منهما جنوباً بيوت الأساتذة، وعلى مسافة أكبر شمالاً المسجد.
توقف (و.م) عندما شاهد أحدهم يسير باتجاهنا، ناداه وهو يقترب باسم (مناضل).
بينما كان (و.م) يقص حكايتي القصيرة معه؛ تمعنت سريعاً في مناضل. كان يرتدي (كاب) على رأسه، قميصاً طويل الكمين وواسعا بعض الشيء، البنطلون كذلك واسع بوضوح، ويرتدي حذاء عسكرياً ثقيلاً (بوت)، وعلى كتفه حقيبة ظهر. لهجته مع (و.م) بدت لي على شيء من الحدة، واثق، وعجول، بعينين واسعتين جذلتين بهما احمرار. تركنا (و.م) وذهب. أخذني مناضل من يدي دون مقدمات وهو يسألني عن بلدتي، مدرستي الثانوية، أسماء من أعرفهم من الزملاء وفي أي الجامعات هم ... الخ. في النهاية ونحن نقترب من البوابة الشمالية قال لي بلهجة فيها الكثير من الود: "أنا مناضل الطيب.. نتلاقى بكرة في موسكو". سألته أين هي موسكو فأشار إلى حيث كنا أنا و(و.م) قبلاً، وذهب.

(3)
انتظرت (مناضل) في موسكو وحيداً أتناول أكواب القهوة وأتململ على الحجارة المصقولة من كثرة الجلوس عليها. كان واضحاً أنني غريب، تخبرني بذلك النظرات المتمعنة والمتسائلة التي تمر عليّ بسرعة قبل أن تشيح عني. موسكو كانت – كما لاحظت وقتها – مرتبة ومقسمة جيداً، كلٌّ يبدو وكأنه يعرف تماماً مكانه تحت ظل الشجرة البارد ذلك الصباح. بعد سنوات، سيندلع النقاش عن جدوى تجمعنا في (غيتو) خاص بنا وضرر ذلك على تأثيرنا المفترض في المحيط، وكيف أننا صرنا نعزل أنفسنا عن المجال الحيوي لنا. لكن في ذلك الصباح البارد الرمادي، لم يكن يعبر خاطري وأنا في انتظار مناضل؛ غير أنني حيث ينبغي أن أكون.
أنقذني من العزلة حضور (و.م) رفقة (ز)، جلسا وخلفهما جدار ورشة كهرباء. رآني (و.م) فابتسم وهو يشير إليّ بالانضمام إليهما. تمعنت (ز) فيّ باسمة وهو يعطيها نبذة قصيرة عني بطريقة ساخرة، لاحظت للمرة الأولى أنه يبتسم بركن فمه. خلال حديثنا حاولت فهم البيئة السياسية وتوازناتها ووضع الجبهة الديمقراطية ومدى تأثيرها ومدى قوة (الكيزان). كنت مندفعاً في الأسئلة ومتعجلاً، ولم يعجبني الوضع العام. كنا مصابين في الثانوي بما يشبه القابلية لـ (الاستعلاء بالإيمان) لدى الإسلاميين؛ فنحن على استعداد تام لقبول الإيمان بأننا – الجبهة الديمقراطية- الأعلون فقط، الأفضل، الأكثر فهماً، الأحق بالحيز كله... الخ، وهي جرثومة كان التخلص منها فور دخول الجامعة مستحيلاً تقريباً عليّ، بل استمرت معي حتى الحضور الهائل للطيب شريف في تفاصيلي. في ما بعد؛ سنشهد كيف أن هذه الجرثومة تسببت لدى الكثيرين ممن لم يستطيعوا التخلص منها؛ تسببت بأمراض طالنا طرف سوطها بعد سنوات.
عندما ظهر مناضل، كانت موسكو صارت ضاجّة بالكثيرين. كان يرتدي ذات البوت، ذات البنطلون الواسع، والكاب الكحلي الباهت، لكن لم تكن معه الحقيبة. لم يبد عليه الإرهاق وهو يتحدث ضاحكاً إلى (و.م) و(ز) قبل أن نتحرك شرقاً إلى ظلٍّ رطب بين كافتيريا الوسط ومبنى عرفت في ما بعد أنه ورشة (مجاري). كان هناك بعض (الحناكيش) كما كانوا يسمون وقتها؛ المتسربين من معقلهم (كافتيريا الوسط)، يضحكون بأصوات عالية ويتحركون بنشاط.
كان مناضل مرتباً ويعرف جيداً ما يريد وهو يطالبني بكتابة طلب الانضمام. كتبت أنني ذو مهارة في الخط الحر تحديداً والرقعة إلى حد ما. كان الخط الحر ذو قدسية لدينا في بلدتنا اكتسبها من ليالي المطاردات الطويلة لعشرات الزملاء، ومن محمولاته التي عبرت به إلى مئات الأعين طابعةً به آلاف الأبيات والشعارات في جدران الذاكرة، ومن كونه – وقتها- الجين المشترك الذي يجمعك بآلاف مثلك يؤمنون بما تؤمن ويكتبون بذات الطريقة التي بها تكتب، لذا كانت علاقتي معه غريبة بعض الشيء وذاك موضوع آخر.
في انتظار البت في طلبي، أخذت أدخل إلى كيان الجبهة بسرعة، كنت أعرف (و.م) ومناضل سلفاً، عرفت عوض الجبل بعدهما؛ ودودٌ ويبعث الراحة في النفس، تحس بأنه صديقك منذ سنوات. حين ازدحمت القاعات وفراغات الجنوبي بالطلاب بدأ النشاط السياسي ينتظم. بدأت انتظامي في الدراسة بين قاعات الجنوبي وورشة الكهرباء العتيدة في الجناح الغربي قبل ترحيلها بعد ذلك إلى الجنوبي، كنا نستقل إلى الغربي دفارات تتحرك من السوق الشعبي الخرطوم في طريقها إلى الشعبي أم درمان. كان الذهاب إلى هناك لدى الكثير من الطلاب الجدد أمراً مزعجاً يرهقهم، إذ نكون مضطرين للعودة إلى الجنوبي للحاق بمحاضرة ما. في إحدى العودات هذه، كان ثمة ركن نقاش ساخن هنا؛ في الجنوبي، لم أشهد بدايته. في حلقة محكمة الإغلاق وجدت وجوه سكّان موسكو التي صارت مألوفة، ووجوهاً أخرى ستصير مألوفة وأليفة، الكثير من الزملاء، وفي مركز الدائرة كان الكادر الخطابي يتحدث، يتصبب منه العرق، أصلع ذو نظارات خلفها عينان شديدتا الذكاء، كان ذلك بدر الدين عوض. بعدها بسنوات سيتأكد انطباعي عنه أكثر وأنا أستمع لنقاشاته وحواراته، ثم وأنا أناقشه وأحاوره بأفقي الفتي وقتها.. كان ذكياً جداً بالفعل.
لم أرَ مناضل بعدها لفترات، كان كثير الغياب عن الجنوبي، يظهر أحياناً ظهورات خاطفة وغامضة، يتحرك بسرعة متنقلاً بين عدد من الأشخاص وسرعان ما يختفي. أحسست أن الوقت طال في انتظار البت في طلبي. عندما أكثرت من الشكوى لمناضل أصبح يأخذني معه في مشاوير إلى الغربي والجامعة الأهلية، شمبات، منازل زملاء كثيرة موزعة في أحياء الخرطوم.. كان مرحباً به دائماً، ودوداً وضاحكاً، وجذلاً حين يتعلق الأمر بالجبهة الديمقراطية.
في الغربي – التلة، عرفت (ح.خ)، كنت أقدر كلية الفنون، كلية الآداب، معهد الموسيقى والمسرح، وأقدر طلابها، وكان (ح.خ) يدرس في معهد الموسيقى (كلية الموسيقى والدراما في ما بعد)، ذهبت معه بعدها إلى الأهلية ذات صيف.
كانت نهايات التسعينيات، كل شيء ذو رائحة خانقة، أن تكون معارضاً لهي مجازفة لذيذة، وأن تكون معارضاً ويسارياً لهي مجازفة وأكثر من ذلك.

(4)
1999 و2000م كانا أكثر الأعوام توتراً وضغطاً، قبل أن تبدأ الجبهة التنفس مجدداً بعد بداية ضخ الدماء الجديدة في عروقها بعد أحداث أبريل 2000 عندما بدأ تكثيف البناء (التجنيد)، وإن كان أكثر الداخلين الجدد من زملاء الجبهة الديمقراطية بالمدارس الثانوية. شهد العام 1999 أحداثا كبيرة ومؤثرة: الانتخابات، تأمين ذكرى محمد عبد السلام بجامعة الخرطوم، ثم إدخال جهاز الساوند في احتفالات الجبهة بذكرى 21 أكتوبر، وقضية فصل الزميلة نسرين.
كانت الانتخابات وأحداثها بعيدة عني نسبياً وأنا داخل مركز الاقتراع بقسم النفط، لا أتحرك تقريباً وبجانبي مندوب الكيزان ومندوب جماعة أنصار السنة، ويواجهنا مدير المركز ذو الابتسامة القميئة وحوله عشرات من رجال الشرطة ضاقت بهم الحجرة الضيقة أصلاً. في الخارج وحين كنت أتحرك لبدء مهمتي هذه خلّفت عاطف أنيس ينقر على أوتار عوده ويتنحنح استعداداً لبدء أغنية، بعد أن سكت الطيب شريف الذي ظل لساعات يقرأ أشعار حميد في ما يشبه منتدىً الغرض منه جمع الطلاب وإقناعهم بعدم التصويت. انتهى توتر الانتخابات عند الساعة الخامسة عندما أخلينا الجامعة. كان المصوتون في المركز الذي كنت موجوداً فيه –إن لم تخني الذاكرة- 13 طالباً فقط.
في صيف ذات العام، 1999، تجمعنا في الجنوبي صباحاً قبل أن نتسرّب إلى الغربي حتى اكتمل تجمعنا في تلك الظهيرة ثم تحركنا باتجاه السوق العربي. الكثيرون وأنا منهم اعتقدنا أننا بصدد مظاهرة ما، لكن بينما كانت التاتشرات تتحاوم حول ذلك الطابور الطويل جداً المتحرك مخترقاً المباني والناس باتجاه الشرق؛ بدأت المعلومات تنتشر وسط السائرين، كنا في طريقنا إلى جامعة الخرطوم، ثمة احتفال هناك علينا تأمينه، وهو الأمر الذي فسّر الاهتمام الكثيف بالتسليح الشخصي لكل منا، إذ أن كل واحد منا تعرض للسؤال ثلاث مرات على الأقل يومها عن وضع التسليح الشخصي الخاص به.
في بداية الطابور كان يسير الشفيع الطيب ومعه بعض الزملاء وبينهم وبين البقية مسافة، كانوا يتناقشون بصوت خفيض غير آبهين لعربات الأمن التي ترافقنا، بعد قليل صمتوا فساد الصمت المسيرة التي أثارت دهشة من قابلناهم من المواطنين في الطريق.
عند وصولنا، كان ثمة (دفار) يحمل كراسي للاحتفال يقف أمام بوابة النشاط بجامعة الخرطوم وبعضهم يحاول إقناع الحرس الجامعي بالسماح بدخول المقاعد. اتجه بعضنا بلا كلام نحو البوابة وانتزعوها من مكانها وألقوها على الأرض ودخلنا وسط النظرات المتسائلة والمدهوشة لأفراد الحرس الجامعي. على امتداد جدول في الحدود الشمالية للميدان الغربي حططنا الرحال أخيراً، مميزين –كما قيل لنا بعدها- بعبوسنا وتركيزنا العالي على ما نفعله وشيء من العدائية التي قيل إنها تظهر في حركاتنا وسكناتنا، وهي الصفات التي صنعت –إن حقاً أو خيالاً- الصورة النمطية للزميل من جامعة السودان – الجنوبي تخصيصا- في تلك الأيام وما بعدها.
لم تترك لنا مهام التأمين فرصة لحضور الاحتفال. لكن في نهاية اليوم، مساء، انتهى بي المطاف مع من سأرافقهم لسنوات بعد ذلك؛ حاتم، عمر. تحركنا على الأقدام من سنتر جامعة الخرطوم إلى الجنوبي حيث كانا يسكنان داخلية (البركل). كنت أسكن داخلية تحمل اسم شهيد ما، ملحقة بمسجد بالقرب من لفة جوبا بأركويت، رفقة بعض طلاب الجنوبي (جوكس، المؤذن فضل، الهندي حاتم، مصطفى البرلوم، نصر الدين ميكانيكا)، والكثير من طلاب جامعة القرآن الكريم وبعض اليساريين الأفارقة الذين يدرسون في جامعة أفريقيا العالمية. في طريقنا الذي قطعناه بالونسة والتعرف أكثر على بعضنا، توقفنا للعشاء ثم واصلنا، وبالقرب من (نمرة 2) حاولت عربة (بوكس) اعتراض طريقنا لكننا أفلتنا، كانت تجربة مواجهة الخطر المشترك ربما سبباً في تقوية الروابط بيننا. عرضوا عليَّ التحول للسكن معهم في غرفتهم فوافقت. كنت قد حاولت السكن في البركل كونها تقع داخل حدود الكلية، إلا أنها كانت مخصصة لسكن الخريجين كما قيل لي على الرغم من عدم التزام أحد بهذا التخصيص. قابلت –بناء على نصيحة محمد تاج السر – محي الدين النيجيري الذي يبدو أنه كان يرعب المشرف، إذ أخذني معه ودخلنا إلى مشرف الداخلية الذي بذل الكثير من الاعتذارات وأقسم جهد أيمانه بألا طريقة الآن لسكني، وكحل وسط وضعني في داخلية أركويت سالفة الذكر إلى حين توافر فرصة في البركل كما قال.
بعد يومين من احتفال جامعة الخرطوم كنت قد دخلت عالم الغرفة واحد في اتنين (1×2)، لأقابل بالإضافة إلى حاتم وعمر؛ معتز، بدر الدين، دولي، طارق (صديق)، الطيب ضو البيت وهشام (صديقان). وفي ما بعد زاد عددنا في الغرفة.
كانت الجبهة قد بدأت في تنسم العافية للتو بعد أن كان المجال تحت الصيانة بعد ضربة 97، التي حكى عنها كيريا باقتضاب أثناء مسيرنا معاً عابرين خور الامتداد في طريقنا إلى تناول العشاء بقوله: (كل زول لقى اسمو.. بعد داك خلاس) وصمت. كجزء من هذه العافية كان قرار إدخال جهاز ساوند إلى الجنوبي في احتفالات الجبهة بثورة 21 أكتوبر في تحدٍّ للوائح الجامعة. كنا متوترين للغاية عند نصب السماعات، ثم بعد بداية الاحتفال بقليل تم فصل الكهرباء فواصلنا الاحتفال من غير سماعات ساوند، لكن كان الأثر الذي تركه إدخالنا للساوند إلى الجنوبي أثراً مدوياً بالنسبة لنا نحن وبالنسبة إلى الطلاب وبقية التنظيمات، وبدأ منذها الإحساس بأننا ننمو ونزداد قوة، وهو الأمر الذي حفزنا أكثر على إدخال ساوند ومولد كهربائي بعد ستة أشهر في احتفال أبريل الدامي.
قبل الاحتفال بأكتوبر، ظهر مناضل أحد ظهوراته المفاجئة ذات يوم في الداخلية، لعب الورق، ضحك، وما كادت تظلم حتى اختفى بعد أن طلب مني ملاقاته في منزل (ناس زياد) في الديم بالقرب من الكلية. قبلها كنت أضطلع بمهام تأمينية بسيطة أكثرها في الغربي بوصفه بيئة لا تعرف عني الكثير، وذلك قبل أن أجد نفسي في الهيئة الثقافية مع شخصيات (مرعبة)، كان الاجتماع الأول للهيئة الثقافية بمنزل أمجد العطا، كان هناك بالإضافة إليه وإليّ؛ شبشة، صداح، مصعب، وطارق السيد.
 في الصباح وجدت مناضل في منزل زياد، تناولنا الإفطار وخرجنا إلى السوق الشعبي القريب. أمام بائع زجاجات البيرة الفارغة أخذ مناضل يعلمني كيف أختار الزجاجة المناسبة، كان واضحاً ومقتضباً في الشرح. بعد أن أخذنا الزجاجات (تأمينياً أخبرنا البائع أننا تجار جلسرين لذا نحتاج الزجاج) اتجهنا إلى بائع أغطية الفلين، اختبر مناضل كل غطاء على حدة بوضعه في فمه والنفخ فيه. كنا أخذنا ما نحتاجه من (كيماويات) سلفاً من الديم، لذا أخذنا أشياءنا وركبنا إلى الكلاكلة حيث اشترينا الكثير من (السلوتيب) و(صباع أمير) والورق الأبيض و(أشياء أخرى(.
في منزل خالٍ بدأنا التركيب، أنا وعدد من الزملاء الصموتين الذين أقابلهم لأول مرة، كانوا مهرة، وكان مناضل يشرح لي كل خطوة بدقة، ويعيد الشرح النظري وأنا أغسل الزجاجات جيداً وأضعها لتجف، ثم أخذ يشرح عملياً بعدها وهو يوضح نسب خلط المكونات بدقة ليكون عندنا (مولوتوف كيميائي)، كان يجيد ما يفعله تماماً بلا أدنى ريبة، ويستمتع به.
في نهاية اليوم أخذنا ما صنعناه وذهبنا إلى منزل زميل في (جبرة)، وكانت تلك زيارتي الأولى إلى جبرة وستتلوها زيارات في أوضاع ليست ودية كهذه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الجنوبي: الجناح الجنوبي لجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، يضم كلية الهندسة بأقسامها المختلفة وورشها، وكلية العلوم الرياضية بميادينها، وداخليات الطلاب.
** الـ (CR's) أو (السي آرات) كما نسميها، اختصار لـ (Class Rooms) وهي حجرات دراسة صغيرة يضمها مبنى من المباني القديمة في الكلية.