الاثنين، 3 ديسمبر، 2012

ثلاثية


  (1)

اكْتُبْ بقدمك على الطريق اسم عبورك الخارق على جليد الزمن. قل لما لم يتَّحد بالأرض: من هنا عَبَرَت أسئلتك، هشَّ وجودك ريح التوقع جافةً، خذلتك الرؤيا التي لم تصدقها، عذبتك بتناقضات ما انتظرتَ، قبل أن ترى كيف تنسدل مثل ملاءة في غيب الفجائيين؛ غطت ما يمور وما يمكن أن يمور.
اكتب على ورق اعتيادك صورة مستقرٍّ لتنام، مسألة الفيزياء الأولى: وماذا بعد؟ غضون تقليب الأمر، متعتك حين الفراغ فراغ.
قل لصورة الوقت إنك لم تنحدر خلف انفثاءات التجاويف التي فيك، روَّضتك المصاعب قبل أن تحدث؛ قل روَّضك الكسل.
أيُّ ضجر يداجيك في شماعة الخلاء الأولى، حين تَعْرى في عاصفة الشك نحيلاً، يلتهمك اليقين رفَّةً رفَّة، يعشوشب الممر الجديد إلى بداية الدائرة! أنت منك، فاقتنص ما تسقطه مخلاة الأيام، زد به نطاق الرهان، زد به مجال الخسارة.
اكتب بِرِيقِ استيحاشك في كوة الخلق، عن قسوة تكبَّدها الحاكي، عن ضحكة أفلتت خلف صفيح الحشرجة.
إن موتك نفيٌ، فاعتوره بحديث الصاحب للصاحب، قسِّمه حوانيت لا تزوِّد غيرها، باعِدْهُ عن مسلك الكائن لئلا يضجر؛ فإنْ ضَجِرَ الموت فاكتب بريشة المبالاة، بشعراتها المسغوبة؛ أنَّ لوناً لن يراه الورق، قطع رسن خموله عقب أن خمَّره السكون. اكتب أن لوناً آبقاً تسلَّق السماء ثم انسكب، وتسلل في جميع الثقوب.
إن يكن للوقت حاسبٌ، فاكتب أن الوقت محسوبٌ عليك.
موجة الغيب الأولى إن ترتقيك؛ جعلت محذوفك الأول شيئاً لا كالذي في المرآة إذ تنظر، ولكن كمن يظمأ قبل الرحلة.
اكتب: أنا ماعزٌ في الغيب ترعاني التي لن تجيء، فأسقط في نعرة التفاصيل حين أحسب كم تغيب الغائبة.
يا لشرِّكَ. اكتب؛ حصدتك التجارب الفجة فجاً، طاردك الذي قال فيك عنك، واحتفرتَ معادن الرفقة لكن لم تنتصر.
اكتب بآلة الأثر ممجداً ما يزول: سيرة اندثارك مربوطاً بحبل الذاهبين. قاتلْ حاسة القلب إذ ينبُت تسقيه رائحة في خيال.
إن ليلك مُغتالٌ فلا تَنَمْ؛ قد يجيء الليل وأنت غافٍ في الإفاقة، في سلَّم العماء باختيارك. اهرب. ترهَّل. تكالب على ما يفيض؛ ما الحاجة إلا عواؤك خلف القاعدين.
اكتب بعاديتك القصوى، أنَّ طريقاً لا تساوره استدارة؛ طريقٌ قافلٌ عما يقيك.

(2)

الذي أحببتَ: من أثرٍ عليك يفرُّ، يثقل الخطو في درب الإياب.
الذي داريتَ من مطرٍ غريبٍ:  دغدغَ المغزى وغاب.
الذي غنيتهُ ما كان في الماضي جلياً: استحال إلى تراب.
الذي مازحت ظِلَّ وجوده الغجري: مات مسجوناً طليقَ الاقتراب.
الذي غافلته لتدسَّ طعم الليل في سرواله: دسَّ في الكلمات قطنَ الارتياب.
الذي قد طار من كفِّ رفقتك الخفيف مداعباً: حطَّ مبعثراً فوق الغياب.
الذي يحرث النسيانَ في القلب صباحاً: يزرع الليل بالذكرى فتُغنِّي.
الذي هيجت مصران شهوته ليصحو: غطَّ في جسد المسافة.
أنت ما يشبه بعضك، حين بعض البعض بعضك، فتمنّى ما تكون.
ثمة – منك - ما يبقى، وثمة ما يكون.

(3)

يا ضدي، يا ضد صوتي المختلق.
يا حمأة الطين الأولى؛ يا طينيَ المهتوك بالمنطق واللوثة العمياء والقلق.
يا لعبتيَ التي لم أكملها، التي لم أجعل لها ظلها ولا مرآتها العوراء مني، يا التي تركتُها على الدرب ذاته لا على المفترق.
يا قملة الوقت، حتّامَ ترضعين ما أدسه للغائبين؟ وأي مسلك يفيقك قرب كهفك القديم؛ يبقيك في الملل الطاهر لمبةً تتكسّر، كلما أتاها ذعر الكمال تحيض ثوانيَ في قماش البعيدين، تحمل أثر الذي كان غيباً أو يكون.
يا الأصدقاء فجاجةً، من تعبرون إلى سحاب العقل هوناً، من ترجُّون ضجري بضجري، تربتون على فم هذا المفترس..  إنني وحيد كما السنبلة في حقل السنابل.

الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

اختراق السر المعلن


إيقون شيلي:
(أحس بالكثير من الإحراج الخفي، خلف ألوانك، الانفعالات الغريبة تتولد عندي بالنظر إلى تركيبة اللون والشكل والخطوط، لا شيء واضح، لكن دائماً هنالك ما يخبرني أن هذا الرسم ينطوي على فضيحة ما، أتساءل: ما الذي تفعله بكل ذلك، وأي شيء لا تريد قوله فرسمته كسر، كغواية لا تنتهي؟)
أرسم العورات، هذا ما أفعله بيني وبين نفسي. لم تكن لدي تلك القدرة الساحرة التي تجعل مني شخصاً قادراً على خلق جو إيجابي في المحيط. حيث أكون، أكون إما مراقباً، أو متحدثاً في أمور سطحية، مسلية أحياناً. لكنني لم أوحي لأي كان، في أي وقت، بأنني متفهم لما يقول، أو أنني متأثر به. فقط أجلس هنالك ناظراً إلى عورات الجميع، وهي تتكشف لي بوضوح كلما ازدادت محاولاتهم لإخفائها. هذا أنا. ما لم أستطع فهمه، نفسي التي أشعر بالفضول حيالها على الدوام، أنقِّب فيها كلما لم يكن لدي ما أفعله، ما أكتشفه، يصير بعد لحظة أمراً لا وجود له، يتبخر، يختفي، يرحل.
البعض منهم لم يعرفوا بأنهم مكشوفون لي، والبعض عرف ذلك، لكن بتعميم لا يخل، كلهم لا ينتبهون. وحدي أفعل. لم أدرب نفسي على ذلك، وجدت نفسي هكذا، أتسلل دائماً إلى تلك المنطقة التي يحميها الناس عن بعضهم، أفك خيوطها بصبر، إشارة تلو واحدة، وضحكة تلو أخرى. أقرأ العيون في هربها المستمر من شيء لا تراه، أقرأ الحركات العصبية الخفية، ثني الأصابع، التململ، لمس أماكن من الجسد بصورة مكررة، طريقة الإلتفات، درجة علو نبرة الصوت عند الحديث، كل شيء، كل الأشياء التافهة التي تحيط بإنسان ما، ما هي إلا تململات لتلك الأشياء المخنوقة، العورات.
كنت أجمع حصيلتي كل يوم، أنقيها، أفرزها، ثم أرسم ما يتبقى. هذا ما وجدت من أجل فعله، هذا ما يجعلني أتحرك، ما يدفعني لفضول جديد كلما نضب ما لدي. أوصف كثيراً بأنني بارد، أكثر الذين أقابلهم لأول مرة، يكون هذا انطباعهم عني، أستطيع قراءة ذلك خلال الجليد الذي يبدأ بتغليف الحوار الشحيح مزيحاً دفء التحية الأولى. لكنهم يقتربون مني بعد وقت، بالتعود، دون أن يدركوا أن انطباعهم الأول ربما كان أكثر صحة مما يظنون الآن.
(أنت لا تحس بشيء، وترسم لوحات غنية هكذا بالإحساس؟).
(ليس إحساسي، لقد سرقته)
(لا يمكنك سرقة ما لا تعرفه، إذا حدث هذا، تكون غبياً)
(حسنٌ، أنا غبي).

دييقو ريفيرا:
(هذه اللوحة، أنا أفهم في الرسم قليلاً، ولكن بعيداً عن معرفتي هذه، فلنقل أنني كمشاهد عادي، أرى أن هذه اللوحة مسطحة، لا تحمل أي عمق، حتى العينان واضحتان بشكل مؤسف، لماذا؟ استثناءاً من كل اللوحات الأخرى؟)
حسن، أنا نقصاني الكلي، ذلك الذي يمنحني حالتي الشريرة حين التساؤل: هل أرسم ما أراه أو أظن أني أراه؟ أم أرسم ما أريد أن أرى؟.
كان مساءاً غبارياً كما أظن، كنت على يقين أنني سأقابل شيئاً يحطم الرتابة التي تئز حولي، كنت مسموماً حينها بالنشاط، أتحرك وأسأل، بل حتى أنني أثرثر. لم يكن يضايقني كل ذلك القحط الذي يشكل الشوارع والبنايات وأوجه الناس، عودت نفسي أن أراه هكذا، قدراً، أو ما يعادل القدر لدى أمثالي من الذين لم يكونوا يؤمنون بشيء.
أدخل إلى أحد المحلات التي تبيع أشياء لا رابط بينها سوى أنها تباع، على مرايا تمثل جوهر ديكور المكان، أخذت أنظر إلى كل ذلك الغبار الذي يغطيني. نسيت أن أخبرك بأنني في الشتاء أصبح مسعوراً تجاه كل شيء، على كل حال، لم أكن أعرف ما أريده، كنت على ثقة بأنني سوف أجد شيئاً مميزاً لا يهتم به أحد. في انتظار أن يفرغ البائع لي، تسليت بالنظر خارج المحل، لا أعير الذكور أدنى ملاحظة ولكنني أنتبه للإناث، الكل كان يمشي كمن يركض، من كل عشر إناث يعبرن أمام المحل، أستطيع أن أعجب باثنتين، لم أكن أرى الوجوه، فقط العبور السريع لظل الجسد. هي لم تكن تسير مسرعة، تمعنت في المدخل مما أتاح لي رؤية وجهها، عرفت بعد لحظات فقط أنها هي الشيء المميز الذي أرغب به. جسد دقيق لم تغتصبه السمنة، بل كان مملكة للنحول اللطيف، عظام محددة وبارزة في الوجه، عينان.. فقط. كان من النادر رؤية عينين تقولان كل شيء في كل لحظة، لا تخفيان، لا تنتابهما رغبة في المكر. وقفت أراقبها، اشترت أربعة حيوانات منحوتة بحجم صغير، لم يكن صوتها هو الذي توقعته، لم يحتوي على أي اهتزازات يمكن فك طلاسمها لقراءة ما خلفها، كان صوتاً فقط.
تبعتها، ترحلت إلى أماكن غريبة، مكتبة، محل لبيع التسجيلات، اشترت هارمونيكا، وشال من الصوف ذي ألوان صاعقة. أوقفتني فجأة في الطريق وسألتني: لماذا تتبعني. بحثت عن أي انفعال في نبرة السؤال، لكن كان سؤالاًفقط، ليس به ضيق، لا فضول، لا ترقب. قلت بتلقائية: لا أتبعك. ضحكت، شعرت بأنني مفضوح، قالت: لماذا تتبعني؟، قلت: هل يضايقك أن يتبعك أحد؟، قالت: لا أعرف.
في الأيام التي تلت ذلك التقينا، سارت الأمور كما تسير مع جميع الناس، لم يكن يها أمر خارق، علمتني أشياء كثيرة، دون أن تقصد ذلك. كنت أجلس الأوقات الطويلة وأنا أتمعن في الإنسان الذي بداخلها، انسان خام. من طبقة واحدة يمكنك رؤيته مباشرة عند النظر في عينيها، حين تنتابها الإنفعالات والمشاعر تظهر على الفور فيهما حتى قبل أن تقول هي. كانت نقيضي الكامل.
رحلتي للبحث عن عمقها لم تتوقف، ولكنني  كنت كل مرة أعود خائباً، لم أستطع أن أحصل أي نتيجة غير أنها ذات ما تنظر إليه.
هذه هي التي رسمتها هنا، وكما وصفت أنت، إنها سطح كامل منتهى الكمال.
(ماذا حدث لها بعد ذلك؟)
(لا أعرف!)

كريستوفر أشانتي:
(اللوحة البيضاء، إنها قاسية!)
نعم، هنالك توظيف للأبيض، الأبيض قاس، القسوة بيضاء في نهاية الامر، يمكنني أن اجد المبررات لهذا وهي مبررات تعنيني أنا في المقام الأول وليس عليها ان تعنيك، فأول البديهيات في هذا الوجود أنني غير أنت، الإنسان الذي يوجد فيّ، ليس هو الذي يوجد فيك. كان أول انتباهي للأبيض ذات طفولة، لم يكن الخروج إلى الطريق إلا مغامرة متجددة كل يوم، كان الطريق مليئاً بالمشاهد الجديدة والتي لا تنفد. ذات مرة، رأيت إنساناً أبيضاً كله، يرتدي جلباباً أبيضاً، شعره أبيض بالكامل حتى الشعيرات الدقيقة التي تغطي ذراعيه، حاجباه أبيضان، جلده وردي يميل إلى البياض، أنا أعني هنا اللون الوردي ذاته وليس لوناً مجازياً. خاف إبن خالتي الذي كان يرافقني، أما أنا فقد اختلط عليّ شعوران، الرعب والقسوة. عندما عدنا في الظهيرة إلى المنزل، أخبرتنا جدتي بأنه كان حورياً، وهو ما اصطلح عليه في الكتب التي قرأتها فيما بعد بعدو الشمس. ما أريد قوله هنا هو أن اللون الأبيض منذ ذلك اليوم، شكّل لديّ دلالته التي يسورها الرعب والقسوة، لذا عندما أرسم، تأتي ثيماتي بتلقائية، الأزرق للعمق وللضياع كذلك، الأحمر للحزن، الأخضر للفوضى، الأسود للجمال، وبالتأكيد الأبيض للقسوة.
سأخبرك عنها، هذه القسوة، أنا أحس بها لكنني لا أملك رد فعل عليها، وكأنني لا أكترث، أنا بالفعل لا أكترث، ليس لدي ردود أفعال للكثير مما أحس به، لكنني لست قلقاً، أحس بأن هذا أفضل لي وللغير.

فلاديمير كوش:
(التجثيث؟)
أسميه هكذا، لكنه أقرب ما يكون في الواقع لكشط القشرة الزائفة لما يسمى بالحياة لنرى مقدار الموت الذي يوجد في الأشياء الحية، الروح ذاتها في اعتقادي  ما هي إلا قنبلة موت تنتظر لحظة الصفر لتنفجر، الموت هو انفجار الروح، أنا احاول أن أبين هذا، أن الروح ليست حياة، الكثير مما نعتقد بأنه ميت هو حي، هذا أيضاً أحاول أن أوضحه.
التجثيث أن أشير إلى الجثة، أن أعري كونها جثة، بدلاً من الزيف الذي يحملنا على الإعتقاد بأنها حياة. الجثة بالتأكيد هي ما ينجو من انفجار الروح: الموت، الجثة هي الشظايا، لذا تراني ألملم شظايا الأشياء جنباً إلى جنب مع رموز الحياة والموت. أنا لا أحب الزهور، ولا أدري لماذا، لا أحب الصباحات المشرقة، لا أحب الليل، ولا القمر ولا كل تلك الأشياء التي صارت مقدسة ضمن حدود الطقوس الواجبة لكي تكون إنساناً. لا أحب كوني إنساناً، أحب الزوايا الخافتة، أحب الجثث، لكن لا أحب الميتين.
كل ما تستخدمه فهو جثة، وكل ما استغنيت عن استخدامه فهو حي.
أشاهد التلفزيون، أعرف ان التلفزيون هو جثة الخيارات، المنزل جثة الطمانينة، التفكير جثة الموت، اللوحة جثة الرسم، الرسم جثة الحرية. أرأيت، لقد عددت لك فقط طرفاً من جثثي المفضلة.
(كيف تحيا إذاً مع كل هذا التركيز على الأشياء؟)
هل أحيا؟ لم يخبرني أحد بذلك، أنا جثة الإنسان الذي بداخلي، فقط لا غير.

بيكاسو:
(هل تعرف ما تفعله؟ لا أظن هذا، وإن كان ظني خاطئاً، فكيف تعرف؟)
آه، المعرفة. إنها كذبة، لا أحد يعرف ما يفعله، بل حتى أن هذه الكلمة ذاتها هي من ابتكارات الذين يريدون الغش في لعبة الكمال، أن تعرف، ذلك يعني أنك أكمل من شيء ما، من أحدٍ ما، وهو أمر لو تحقق، لكنا شيئاً آخر. إنها تتسلل إلى كل أفعالنا هذه الكلمة، عرف، يعرف، ستعرف. لكن عندما نضيف إليها الألف واللام، تصبح معنىً مطلقاً في الكمال، المعرفة. إنها الضالة. أنا لا أعرف، عن كل شيء، وكل شيء. أنا فقط أفعل، أرى بطريقتي في الرؤية، أقتل بطريقتي في القتل، أنا إنسان صالح، أعشق الخطأ والجشع وأحب الإمتلاك.
أنت:
(فلننظر معاً إلى هذه اللوحة، طفلان برأسيّ بالغين، أو بالغان بجسديّ طفلين، الرؤوس تحمل ملامح شريرة، الأيدي الصغيرة تتماسك، الأقدام ترقص، اللون الأحمر يغطي الأرض تحتهما، الكثير من الظلال الخضراء تصنع جمهوراً في الخلفية، جمهوراً غاضباً ربما أو مشجعاً، إذ يبدو وكأنه يرفع الأيدي بقبضات مضمومة. حسنٌ.. ما هذا؟)
لم أفهمك، أنت رأيت اللوحة، وأنت وصفت عناصرها، إذاً يحق لي أنا أن أسالك: ما هذا؟
(لن أقع في فخك وأسألك عن المعنى؛ أنا أسألك فقط: ما هذا؟)
سأخبرك بأمر، أذكر ذلك المشهد الطريف لرجل أصابه الغضب من بطء جهاز الكومبيوتر أمامه، فأطلق النار عليه، أو بالأحرى لاحظت أنه أطلق النار على الشاشة وليس على الكومبيوتر والذي ظل يقبع آمناً أسفلها.
كذلك أذكر الشجارات التي تنشأ بين البعض، الحروبات، الكراهية، كل ذلك دون أن ينتبه أحد إلى أن من يشاجره أو يحاربه أو يعبر عن كراهيته، ما هو إلا مجرد شاشة أخرى بينما يقبع من تسبب في الشجار آمناً في مكان لا يطال.
هنالك الكثير من الأمثلة التي يمكنني إيرادها في باب صرف الإنتباه أو توجيه الإنتباه. لكن ما يعنيني هنا هو المصروف انتباهه، كيف يمكن بسهولة فائقة أن يتم صرف الأنظار عن المسائل التي تمثل أساساً للمشكلات وذلك بنفخ مسألة صغيرة وغير جذرية في الحل بحيث تأخذ حجماً أكبر منها وتشكل واجهة يبصق عليها الغاضبون حتى يشتفوا.
نحن دائماً بحاجة إلى تفسير، لا تحتمل عقولنا وجود أمر لا نفهمه، وهذه ثغرة. كذلك نتميز بالفضول، والتقدير المبالغ فيه لذواتنا، وهذا يضيف ثغرتين أخريين.
أرى أن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه فن صرف الانتباه هو مداعبة هذه الثغرات الثلاث، وتختلف مقادير الخلطة المكونة منها باختلاف النوع المطلوب من الخداع.
ما رايته في هذه اللوحة، لا يعدو كونه شيئاً من هذا النوع. لكن عليك أن تتمعن أكثر لتعرف ما أقوله فيها، أنا أحاول التعرية، بدءاً بذاتي، والتي شكلت لي ما يمكنني أن أقارن به الذوات الأخرى. هذا هو الأمر.
(من أنت؟)
(...........)

سلفادور دالي:
(ماذا لو قلت لك أنه لا يوجد معنى لكل هذا؟)
أنا لا أبحث عن معنى، أنا لا أرسم معنى، أنا لا أخلق معنى. أنا أصف بطريقتي ما هو حادث فيَّ في اللحظة، أناقض نفسي، أسخر منها، لكن هذا جاء من وصولي إلى يأس الضجر، حيث لا مكان لانتظار الجديد. فقط شيء يشبه الرحلة، لكنني لا أبذل جهداً لتنتهي، ولا جهداً لإستعجال الوصول.
(وأين الحب؟)
الحب؟ ما هو الحب؟ الحب محض اختلاق، لكننا نريد أن نقع فيه، هذا مؤكد، فالحب هو ما يمكن أن يجعل منا أساطير، وأنا أحب أن أصبح أسطورة، أم أنني كذلك؟ هل تعرف أحلامي؟ لا تصدق الذين يقولون لك أنني أرسمها، أنا فقط أرسم ما أحتمل أن أراه. هل جربت الخروج يوماً؟ الخروج الذي يسمونه بالجنون أو بالغرابة، أنا الجنون، أنا الغرابة، فلا تسألني عن الحب، سلني عن الأسطورة، عن الإعتقاد، عن الكذبات الرائعات اللائي يجعلن من أي شيء، شيئاً عظيماً. هل أفلت منك؟ هل تحس بأنني أكثر ابتذالاً من لوحاتي؟ إذا كان هذا ما تحسه، فأنت تعرفني الآن.

جويل بيتر:
(ما قصدت منه الصدمة، جزء كبير منه ما عاد الآن يمنح الإحساس بالصدمة أو المفاجأة، صار عادياً، إنه حكم الزمن.)
من قال أنني قصدت الصدمة؟ أين هذه الصدمة في أن يقبل الرأس المتعفن لرجل، رأساً متعفناً لرجل آخر؟ أين الصدمة في أن أضع أمامك طبقاً من الفاكهة الرمادية و أعضاء مبتورة من إنسان؟ أين هي الصدمة في اللالون، في التسلخات التي تجعل الأنف يتقلص حتى قبل أن تصله رائحة الفناء؟ لو كنت مكانك، إذاً لكنت حذراً في عباراتي التي أؤسس بها للمفاهيم. أنت إنسان حضاري أليس كذلك؟ إذاً دعني أخبرك عن الحضارة التي جعلتني أشعر بالنشوة: ذات نوبة من نوبات عدمي، جال بخاطري ذلك الحديث الصريح الذي قال به العميل (سميث) وهو يوجهه إلى (مورفيوس)، أنا أتحدث عن فيلم (ماتركس)، قال له بأن سلوك البشر يشبه سلوك الفيروسات. حسن، ما علاقة هذا بكونك حضارياً؟ هل العلاقة هي أنك كلما أمعنت في الحضارية كان ذلك على حساب الإنسان الذي فيك؟ أم أن الإنسان الذي فيك ما هو إلا فيروس يحتل شكلك المورفولوجي المؤله؟ حتى لا أتعب عقلك الحضاري أكثر، أقول لك: أنت متعفن، ووظيفتي أن أبين هذا لي، وربما لك. إذا كانت أعمالي تشعرك بالصدمة أو توحي إليك بأن الغرض منها ان تشعرك بالصدمة، فيجب عليك مراجعة إنسانيتك، فربما كانت مصابة بمرض يجعلها تظن في نفسها غير ما هي عليه.

الاختلاج العقيم:
جون جود بالينكر:
(كل هذا مصنوع، حتى روح الأسطورة، الهوبيت، الفرسان، الغيلان، أدواتك، هذه الدقة غير المنطقية في التكنيك، هذا الفرز الحديدي للألوان، هذه الموازنات التي لا ترحم عقل العين. هنا، معك، تضيع الطفولة وتسيل الهنات إلى الوراء. ما هذا الرسم التكنولوجي الذي يستخدم أيدي البشر؟)
كيف يمكن أن تخرج من دهليزك لترى أي شسوع كان غائباً عنك؟. الخوف والأبطال والنزوع المؤلم إلى الكمال، هذه عناصري، الخوف من المقارنة، الخوف من الإندثار، الخوف من الضياع وسط لجة الآخرين، الخوف كاملاً كمطلقٍ يملأ لا نهائية الثقوب في كينونتي. الأبطال يحملون رائحتين، إحداهما تعوض ما ينقص حدودك الضيقة من انطلاق، وما يتبع هذا من كسر للقوانين، الرائحة الأخرى ترضي التواتر الذي يجعل من سيرتهم اتصالاً كاملاً بالخلود. وهل أنا إلا باحث عن هذا الكنز، الخلود؟. أنشد الكمال، الكمال صنو الدقة، الدقة تعني ألا يفوتك شيء، أن لا تؤخذ عليك هنة، جد لي رجلاً لم تخنه الحاسة، رجلاً لم يخطئ في التقدير. حتى الكمال ذاته يقولون بأنه نقص، أنت ترى
النقص عندي، هذا يدلني على انني بلغت منتهى الكمال.

الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

فولاذ.. مثلاً


في بَعضِ الأزقَّةِ
قد تُصادِف كارلوس فوينتس في عنفه الأبدي
كونديرا في كينونتِه الراقِصة
أو ربما مرَّاتٍ قد تختلقُكَ غُربةٌ في المصَبِّ.

وَصْمَتانِ لا غير:
كِذْبَتُكَ الهِيبيَّةُ بِقولكَ "كُنتُ"
وصَيْحَتُكَ الأعلَى؛ موشاةً بأحْرُفِ مَا يُقالُ عنها.
عدا هاتين
أنتَ ملاكٌ يا كتابي
أنتَ الملاك.

غَبْرةٌ على حِين سَعْيٍ إلى الأبديَّة
غيَّرت مَذاقَ جَاني العَسل.
وَعَثْرَةٌ في كاملِ التَّوقُّعِ لم تَصْلُح مَشهداً لقيامةِ البعيد.
الحنينُ إلى السكون – يا قلبي –
حنينٌ إلى الموات.
الحنينُ إلى اندثار كهربائكَ – يا قلبي –
حنينٌ إلى التَّماسِ مع العالميْن.
ضِعْ بِلَوْثَةِ المتَاهَةِ تِلْك
فرُبَّما حينَ تخلعُ لعنتكَ في بعض الأزقة
تصادفُ – يا قلبي- مرثيةَ جون لينون

في انحناءة الإنسان:
يحتاج الحب إلى المثابرة
المنطق إلى العاطفة
والضوء إلى عتمة تنيره.
فيا قلبي/كتابي
غيَّرتكَ التجربة.

حتى الشيء الذي يُفْسِدُ الأشياءَ
يَفْسَد.
فيا سحرَ أن تكونَ الوحيدَ في زحام العربة.


الخرطوم- أكتوبر 2012

الثلاثاء، 24 يوليو، 2012

لون في الحياد


(عن الذين أحبهم.. أو من يخيفون ذاتي.. هكذا)

بلاسيبو الوحشة؛ حين يركضُ خلفَ ظِلِّه معدنُ الأيديولوجيا، وتقذف آلة الزمن الجهنمية –الساعة- طوفان ما بعد السكون برفقةٍ ترعى حشيش الضجر الموسمي في ذات المكان النائم بين تكّتين لعقرب الثواني المثابر نحو جدوى الدائرة.
بلاسيبو الخمود: ورقتان تعتريان أسطرهما الخالية من اسم أيٍّ من أنبياء التخفيف عن محطَّمي المعنى؛ المرضى بوجودهم وبوعي وجودهم على سطح الذي هو أسفل كل رائحة. كل رائحة تدندن قرب ستارٍ لا ينفيه غير هبّة نكران قوية النفاذ؛ هي الرائحة الأمُّ لأسنان منشارِ ما تحمله ذاكرة الحديد، حين تقتل البرتقالي المعلَّق على رماد الجدران آلهةُ المدن الحجرية، بُعداً عن الشمس، عن النهر خلف النهر.
للذين أحبهم، هكذا، بتفاصيل الولوج إلى انفجارات جُمجُمةِ درب الآلام إذ يركض بأقدامٍ –فقط- أنبياءٌ قادمون بكل احتقانات أنواتهم، فحيح الابتسامات، الكاتمة، القريبة حد التلف؛ لهم ذات ما قلته قبل قطع منتصف حنجرة الورقة -هذي- إن كان حقاً لوناً في الحياد.
بلاسيبو ما تحمله موجة صوتٍ من منقار طائر تعتقل رئتيه كما عقله صورةٌ: كيف تركض السماء هكذا.. وأين الريش؟
نقشاً بإزميل الاقتحام تهندسُ فرشاة الاستهبال اللغة. كسراً لسباق البهاءات الطويل تنمو على جيوب الحقيقة أقفالٌ هينة كزينة لمهمة واحدة، قارسة، كأن ترى من لم تره أو أن تسمع من أتاك قبل صوته شيء يسمى الحدس. هو التفسير الذي يأتي إذ تتحول الإضاءة إلى تاريخ من الظلام المتكلف. تفجؤك برودة أن عقل الشجرة محض اختزان لعثرات الماء – مثلاً – أو رقعة تاريخ تنتظر.
للذين أحبهم أثرٌ حين أبقى وتقتلع ظلالهم وحشية النشوء في مَغْبَرِهِ إذ يلوحون مبتلّين بذهابهم قبل الذهاب.
للذين أحبهم حيز، وقت مضى، شعاب من الفوضى، عرقٌ يُنضج اللغة عند الناصية.
للذين أحبهم لونهم، ما تشتمّ أرضي من اقترابهم، حساسية تخص المسميات إذ يترك واحدهم فراغاً في العين أولاً من ثم يتسع الهواء.
هو بلاسيبو الرضا حين كل ما يقال لا يقترب حتى من المعنى من دافع البدء أو من... خوف على ملاءة المكان يضطرب.