الاثنين، 28 مارس، 2011

المخادعون


محفوظ بشرى
ــ (لن تغيِّرنا مشيئةُ الرَّب وحدها../ أليس كذلك؟).
أحمد طه الكباشي
يدافع بعض البشر عن حقوق بشر آخرين، وبطريقة ما؛ يستفيد (المدافعون) من هذا الدفاع، أكثر بكثير مما يفعل (المدافع عنهم). يستفيدون (شهرة)، و(نفوذاً)، بل ويستفيدون (مادياً) كذلك. فهنالك من يعيشون من (الكتابة) عن (الحرية)، و(حقوق الإنسان)، وغيرها من (القيم). بينما لا يجد البشر الذين يتعرضون حقاً (لانتهاك) هذه القيم؛ ما يقتاتون عليه.
بطريقة أخرى يمكن القول إن (المدافع عنهم) يؤخذ منهم، ويؤخذ عن طريقهم، لكنهم لا يُمنحون، لا (حرية) أو (عدالة)، ولا ما يسد رمقهم مثل (الأنبياء الكذبة) الذين يدافعون عنهم (افتراضاً)، إذ ببساطة؛ عن أي شيء سيدافع هؤلاء إن حصل المدافع عنهم على حقوقهم؟
إن الذين يصدحون كل صباح عبر وسائط الإعلام (لا سيما المكتوبة)، دفاعاً ودعوة، عن الحرية وللعدالة؛ متخمون.
في البداية يظهر أحد هؤلاء، يكون فقيراً وقتها، مثله مثل من يدافع باسمهم، وسرعان ما يتم استيعابه داخل الجوقة، سرعان ما يصبح ذا سَعْرٍ في سوق الإعلام، فهو صنع من نفسه سلطة، بؤرة تأثير، على عدد ممن تقتضي مصلحة المُستَغِل أن يظلوا كما هم، آلات للمنح. هذا الــ(أحد هؤلاء)؛ نادراً ما يظل ثابتاً على (المبدأ) الذي بدأ به (نضاله)، بل الأرجح أن يصبح (نضاله) هذا، نضالاً صورياً يرضي الطرفين، يوهم (المدافع عنهم) بأنه لا يزال مستمراً في دفاعه ذاك، بينما يعرف المُستَغِل أن الدور الجديد لهذا المدافع لا يؤثر كثيراً في طريقة سير الأمور، فهو في النهاية مُسَعَّرٌ وذو قيمة يمكن لمن يدفعها أن يسيطر عليه.
ما أحاول قوله هو: هل هذا النوع من البشر جدير بالثقة؟ النوع الذي يطل كل صباح من صفحات الصحف ليشتم النظام (المسيطر على الصحف)، وليدعو إلى الحرية المفقودة (بينما لديه الحرية ليدعو هذه الدعوة عبر وسائط النظام)، ثم ينفق الجهد للقول إن اهتمامه بالآخرين يفوق اهتمامه بنفسه وبأي مكسب قد يحصِّله من طريق دعوته تلك، ثم بعد هذا كله، يقف في نهاية الشهر أمام (الصرَّاف) ليصرف آلاف الجنيهات ثمناً لهذا (النضال اليومي) بينما لم يرَ من يناضل من أجلهم هذه الآلاف في أحلامهم حتى، فهل هذا النوع من البشر جدير بالثقة؟
يعمل الاستغلال بطريقة خادعة وماكرة ــ في تقديري ــ إذ يبدأ أولاً إيهام من يستغلهم بأنهم في حاجة دائمة (لنبي) يقود نضالهم ويدافع عنهم، ومن غير هذا النبي؛ لن يتغير وضعهم؛ فيظلون في انتظاره. أي أن الاستغلال لا ينكر أنه يستغل، بل يقنع المُستَغَلين بأن خلاصهم لا يمكن إلا بطريقة واحدة (وهي التي يسيطر عليها)، لذا يظل هؤلاء المستَغَلون بانتظار هذا (النبي)، مما يهيء أذهانهم للخمول وعدم التفكير في أي مخرج بديل، وفي ذات الوقت يجد كل من ينصِّب نفسه (مدافعاً عنهم) أصادقاً كان أم كاذباً؛ القبول الفوري، والنفوذ الكافي ليحسِّن مستوى معيشته.
رأينا من قبل كيف تصاعدت وتضاعفت أسعار (كتَّاب الرأي) في الصحف، لكننا لم نتساءل عن السبب، وكذلك لا أظننا تساءلنا عن: إن كان هؤلاء الكتَّاب مؤثرين في الرأي العام، الذي مصلحته أغلبها ضد مصلحة النظام، مما يقود إلى أن هؤلاء الكتَّاب يضرون بالنظام؛ إذن لماذا يسمح النظام لهم بالكتابة؟ هل لتخدير (الرأي العام)؟ هل يعرف النظام أن تأثيرهم لا يتجاوز هذا التخدير وأنهم لا يمكن أن يدعوا (لاجتثاث النظام) حقاً، ولا يمكن أن يجعلوا هؤلاء الــ(رأي العام) يمتلكون مفاتيح حريتهم وآليات انعتاقهم من ربقة الاستغلال اليومي؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك؟ أن هؤلاء الكتَّاب يمتلكون القوة ليرعبوا النظام فلا يمسَّهم؟
إن الأمر لا يعدو كونه تبادلاً للمنفعة، بين (قادة النضال) و(المناضل من أجلهم)، لكن هذه المنفعة مستورة ومخبأة لأن طرفاً من هذين الاثنين يريد أن ينتفع دون أن يعطي المقابل المناسب، هذا الطرف يستغل المُستَغَلين أصلاً، بالدفاع عنهم ضد مستغلين آخرين، أليس كذلك؟ إذن فلتكن الأشياء واضحة، وربما إن نظرنا إلى الواقع في سياقٍ أقل (حلمية)؛ نستطيع الرؤية عبر هذا (الطشاش) الكثيف الذي نطالعه (مموهاً) مجال النظر الجلي الذي به نجد الطرق الاخرى إن وجدت.
وفي ظني أن أعظم خدعة نفذها من يستغلون البشر، هي أن البشر لا يمكنهم تغيير الأمور مالم يجدوا ذلك (النبي) الذي يتبنى نضالهم، وكأنما التغيير ضربة حظ على الناس انتظارها، متى ما جاءت غيَّرت، وإلا فالسكون.
ــ (وكأنَّ الوضوحَ أخطأ في القولِ/ حين قال لكم: هاكم شكلكم/ افعلوا ما استطعتم/ فأنتم لكم).
هاشم يوسف
هل نحن بصدد إيمانٍ ما؟ دينٍ جديد؟ يتخلَّق في أذهان البعض لأغراض تتعلق برغبات دفينة في تحقيق الذات ولو على حساب استغلال الآخرين؟ إذن ما الجدوى من هذا الإيمان بالــ(قيم) إن كان يصب في ذات سياق ما جاء (افتراضاً) ليحاربه؟
المتحدثون عن الحقوق، كالمتحدثين عن الحرية، ما لا يقولونه في (خطابهم) الموجه للــ(جماهير)؛ ذلك الخطاب المضمَّن طيات الخطاب الظاهر، يكفي لنسف فكرة سعي البشر لمصلحة بشر آخرين قبل مصلحتهم.
كل خطاب للحرية يقول في مستوى من مستوياته: للحرية حدود. أو: الحرية لا تعني الفوضى. ولا يُقال هذا؛ تفادياً للسؤال المفخخ: وما الحرية إذن؟
كذلك خطاب الحقوق يحمل ذات المضمرات، وهو ربما الأمر الذي يجعله قابلاً لاختراق ذوي الغرض (ولا أظن أن بشراً يخلو من الغرض) ليصبح ذَلولاً يركبها من لا يمتلك مقومات ليحقق أحلامه وحده دون أن يكون محمولاً على أحلام الغير.
أنا لا أحترم كثيراً من دعاة (القيم)، أراهم مفترسين في أزياء أنبياء، لا أثق بهم، لا أثق فيهم، ولا أنتظر منهم منة.
أتساءل: كيف يمكن أن يمضي المرء بحياته دون تشكك، دون أن يختبر الإغراء الموجه ضده من كل الجهات؟ فلأمر ما، غير مصلحتي؛ يبحث البعض عن مصلحتي، وهذا أمر أرى أنه لا يدخل في نطاق الفوبيا، ليس بعد، ولكن أن تكون قطعة في شطرنج الحياة؛ يتطلب أن تعي في أي مربع أنت، وأن تعي بما يحدث في نطاق اللعبة الكلية، وإلا سهل خداعك، والتضحية بك، من أجل أن تحتل قطعة أخرى مكاناً ترغب فيه داخل لاجدوى الحركة الكلية المقيِّدة.
لست من هواة الدفاع عن (مبادئ) تأخذ بريقها وقوتها من (حلميتها) وافتقاد تحققها عبر التاريخ الطويل، فقط لأن أحدهم نجح بإقناعي أن هذا الأمر جيِّد لي. ربما هو جيِّد له، ولكن ما هو جيد لي هو ما أختاره أنا، لا ما يختاره عوضاً عني آخرون.
ــ (وحدي سأوحي إليّ/ وأختار موتي).
مصطفى عبد الله
أعنيهم كلهم، الكتاب القتلة، من يقولون لي ما عليّ فعله، ما عليّ تجنبه، من يعلمونني كيف أعيش، وكيف أحصل على مبتغاي، أولئك الذين يقتاتون من غشي، من تحريكي كدمية بليدة (لا تهش ولا تنش)، كلهم، يبتسمون في صورهم، التي يتموضعون لها ليظهروا أكثر حكمة، أكثر وعياً، وأكثر تأثيراً، وكأنما ينومون مغنطيسياً قارئاً بانتظارهم.
هي ليست دعوة، للحذر أو لغيره، لكن ربما أنأمراً ما، يحدث دائماً دائماً، خلف ما نراه، فإن لم يكن الفضول كافياً؛ لم تكن الخيارات خياراتنا، فقط، هي دعوة للفضول.

نشادر


محفوظ بشرى
      
(1)

ما بعد العام 2003م، جامعة الخرطوم. الصيف يدخل بوابات الجسد، يحتل في الذهن مناطق كانت من قبل تشغلها ذكريات المدارس الإبتدائية، وحمى السحايا الشعبية، وإحساس مداري عمَّق طعمه فينا ماركيز وأمادو. الصيف، وبقية من حرارة تتآكلنا، نحن ثوريو ما قبل تلاشي المعنى والقضايا، المتمردون، بدوغمائية أغرقنا بها مشاتل التفكير باتساع كل الجامعات.

قال عبد الرحيم: (ولد عجيب، بيكتب شعر مفاجئ، لازم تسمعو). كان في نفسي شيء من آثار فلسفة مادية تأبى أن تندهش. كان في نفسي ذلك الغرور الصفوي بأننا قد ملكنا مفاتيح الحقيقة المطلقة. كان الوقت أكثر شباباً من أن يعترينا الذهول.

على حافة رصيفٍ بها شيء من الحدة، جلسنا. الوقت بعد الظهر، بتلقائية آلة، وبترددٍ لم يولد لديه، أنزل حقيبة الظهر المثلثة وقرأ:

فَرَّتْ عيونُ الأرضِ من ذاتِ الحريقِ/ وامْتَطَتْ ذاتَ الْمُغَنِّي/ فَتَّتَتْ حزنَ دِمَاه/ فأشاعَ الطُّهْرَ في الجَّوِّ ومات.

كانَ النَّشادرُ يغمُرُ الأقدامَ بالحِنَّاء/ بالحزنِ المقيم/ بالشهوةِ... الأوجاعِ/ نظراتِ الرِّجالِ الضَّاربينَ غُرُوبَهم في غَرْوِ بَادِيَةِ الشّروق.

صَلَّيْتُ بالرُّوح/ فى هَوَجِ التناسلِ والتلاقحِ/ دونَ عُذْر/ صَلَّيْتُ حتى اْرْتَابَتِ الأشياءُ/ واهْتَبَلَتْ مساماتُ السَّمَاء/ ونَشَقْتُ أشرعةَ النشادر. كان وَعْيُ الماءِ وَعْيِي/ كنتُ فى لاوَعْيِ وَعْيي/ أتَدَاعَى بالهطول/ للمجاعاتِ سمائي/ للمدامعِ ما أرى*.

للحظةٍ نظرتُ لأعلى، بدت الأشجار شاهقة، وكأن هنالك من حثا تراباً ساخناً بقلبي، الدوي، الدوي. إستعدته القصيدة من أولها، وبذات التلقائية، بدأ من جديد:

النَّشيد الأول:

الرُّوح... مساءُ النَّشَادِرْ... طِبَاعُ الأرض:

فَرَّتْ عيونُ الأرضِ من ذاتِ الحريقِ........

(إسمك منو؟)

(أحمد محمد إبراهيم).

(بتقرأ وين؟)

(في الإسلامية.. طب).

كانت الأسئلة تتقطم دون أن تفصح عما أردت، كانت الأجوبة أكثر براءة من رنينها السريع. أمعنتُ ذاكرتي بالفتى النحيل حد أن تشتكي الثياب، الوجه المبتسم، صغير السن حتى بالنسبة لي. أمعنتُ يقيني في داخله الخارجي. موسومٌ كصاحب الوقت، حركة دائمة في سكون مقلق.

قلت لعبد الرحيم ليلتها: ( الود ده جبتو من وين؟).

بعدها اغتبنا روحه مشرحين ذراته بحسدٍ لذيذ. (يالعاديته التي تصدم بتعقيدها، يا لقربه العميق جداً). كان ذلك ما قلته في نفسي وأنا أتهيأ للرحيل خارج المدينة.

(2)

لن تعرف صدق الرجل إلا مما يكتب.  فإن قال، فلن تميز الصدق من الخيال. أحمل معي وريقات بها القصيدة كاملة، قرأتها قبل أن أقرأها، استوقفتني شهوات مشاغبة تتناثر في متن النص، كنا نرى أن التعبير المباشر عن غريزة الجسد الأولى، يفسد النشيد الشعري، كنا نلمِّح بأبعد ما نستطيع، حتى جاء هو ليقول بكل بساطة: تَرْقُصُ الْحِنَّاءُ فى عينيكِ/ يَرْقُصُ الصَّدْرُ الْمَضِيقُ الكَثُّ/ دهراً/ أشتهيكْ/ أتَعَالاكِ عَلَيّ/ ثم أنسلُّ كجرحٍ نَاعِلاً حزني/ وألْعَق**.  وذات قلق، هاتفت أحدهم ليخبرني دون تعمد أن الإسم صار (أحمد النشادر). لست على يقين بمن جاء بالإسم، ربما عبد الرحيم، ربما.  ورغم لقائي القصير به، لكنني رأيت كيف أنه في بداية أن يصير النشادر داخله، هو النشادر الذي يراه الآخرون، أو هكذا إعتقدت.

(3)

الأول من يوليو 2008م، صيفٌ شاخ سريعاً، الخرطوم، شارع البلدية. قال مأمون وهو متعجلٌ كالعادة: (إنت وأحمد حتقوموا تظبطوا المسائل، تعال ألاقيك برئيس التحرير). كنت متوجساً، فيما بعد صادفتني مقولة رامبو: (في نفسي ذعر من جميع المهن)، سبب آخر للتوجس كان هو أحمد النشادر. كنت أعرف مأمون، إلتقينا كثيراً في عصر الفوضى من حياتينا، أفهمه، أستطيع التعاطي معه. لكن النشادر.. كانت لقاءاتنا دائماً سطحية، سريعة، نتفادى فيها الإحتكاك. كنا حذرين من بعضنا دون مبرر غير أننا نخاف الصداقات الجديدة ربما. وانا أعبر صالة التحرير المكتظة، نظرت إليه بخواء يخفي تحته توتراً مخجلاً، نظر إليَّ نظرة خافتة.. وابتسم.

الأيام الاولى كانت صعبة، فجأة بعد غياب عامين عما يسمى بـ(المشهد الثقافي)، يجب علي أن أعمل داخل هذا المشهد الذي صرت لا أعرف عنه شيئاً. لم يتذمر، لم يظهر التأفف، على الرغم من أنه كان ينجز ثلاثة أرباع العمل. شيئاً فشيئاً، بدأت أراه. خرجت من أسر الصورة الأولى لفتى نحيف صغير السن وبرئ يقرأ علي (كتاب النشادر)، خرجت من صورته المعقدة التي لم أرها مباشرة ولكن عبر (الجينوم.. قنصل الأبد). هنا شخص آخر، شخص تمنيت أن أكونه أكثر من مرة.

(4)

لستُ النشادر، ولا ينبغي لأحد أن يكون. أن تقول في شخص ما تراه فيه، أمر عصي، تزداد صعوبته كلما زادت محاولاتك أن لا تكذب فيما يخصك، وأن لا تسقط في فخ المديح الرخيص. لست النشادر لأنني لست فناناً، لأنني لست واضحاً، لأن لدي ما أخفيه، لأنني لا أبتسم بصدق، لأنني أبالي بالتفاهات، لأنني لا أستمتع، لأنني لا أبتكر طرقاً جميلة لأتذوق خارج حدود المنطق والمألوف. لست النشادر لأنني أنا، سجينٌ، خائرٌ، مستهلكٌ، خاسرٌ، منغلقٌ، وأسأل حين لا ينبغي السؤال.

لا أحد النشادر، لأن لا أحد يملك القدرة لتحفيز من هم قريبين منه ليخلقوا أياماً أكثر قابلية لأن تعاش.

لا أحد هو النشادر، لأن لا أحد سيقول:

إنَّنِي النَّايُ/ زفيرُ الحُبِّ مِنْ فَمِ إمْرَأة./ حاشداً فِيَّ عصافيرَ سجينة/ حُرقةً/ أَنَّات طَلْقٍ/ كان أنْ حبلَتْ مسامي واْحترقْتُ/إنني النَّايُ/ مبعوثُ الرِّئَاتِ/ وملاءاتي الفَرَاغ/ عارفاً صمتي/ ومُؤْتَزِرَاً كتابي/ نافذاً صوتي / مُحَاطاً بالأثير/ أعتلي السُّمْرَةَ لوحاً / يرشفُ النَّاجِينَ مِنِّي من مُكَابَدَةِ الزَّفير***.

(5)

28 أكتوبر 2008، صحيفة الأحداث، صفحة 14: وسادة تنوّع مفترس. الخرطوم: أحمد النشادر. (وسادة هادئة من التنوع المفترس، ما يمكن أن يسيطر عليك وأنت تضع بصرك على مدخل معرض مركز توقيذر للفنون...الخ)****.

كان هذا آخر عمل صحفي له كمسؤول عن الملف الثقافي لصحيفة الأحداث، بعدها، إنتهى عصر النشادر. كنت موزعاً بين رغبتين، أن يظل، وأن يذهب ليصبح ما يريد أو ما يراد منه. فذهب هكذا، بسيطاً كمن لم يفعل شيئاً، كمن لم يخلخل الذائقة ويشكلها كما يريد. (دبرها أحمد النشادر)، تلك الحياة الذهبية، تلك الحوارات التي تنتظر. ما فعله النشادر في صحافة الثقافة، لن يُرى الآن. يوماً ما، سيكتشفون (هم) أنهم كانوا تلاميذاً لزمن طويل في مدرسة أحمد النشادر. تلك المدرسة التي ضد الملل. المدرسة التي تجعلك تنظر بأكثر من عين وتسمع بأكثر من أذن. مدرسة الغريزة التي تصيب وتصيب. فيما أذكر، أنه كان الأكثر تفهماً للحاجات البشرية (ومنها حاجاتي حين يطلب مني أن أسافر لمدة يومين مثلاً).  كان الأكثر قدرة على توليد الأفكار الجديدة، والأكثر مجازفة بين من عرفتهم.

(6)

هو موت جنون العظمة، إنتصار المجموع، تصالح التناقضات، كاريزما التساؤلات الحصيفة، فضيحة الإنسان في وجوده، شعرٌ مشاكسٌ يخدش عباءات (مريم الشجاعة) الزائفة، وسذاجة (شرف والأسد) المخيبة للآمال. عراقة تتكون في شرط فسادها بعلاقات التأجج الموحية. هو القميص، القميص.

(7)

............................................

.............................................

.............................................

(8)

كل فصول الصيف، وخريف أخير، كل ضحكات الصباح الهستيرية، كل حوارات الشارع ونحن نجمع المواد، كل التمرينات التي دربنا بها أذهاننا على ابتكار المفاجأة طي الروتين، كل أوراق الأشجار التي استرقت السمع لكتاب النشادر، كل الليالي المفعمة بالإرهاق وعشوائية البرامج المعدة سلفاً، كل نميمة بيننا عن الفلاسفة والدوبيت والشعر (أبو ضلفتين)، كل الخبث الساذج الذي جعلنا نضرب في الأرض بحثاً عن مشروع لم نتفق عليه ولم نعرف ملامحه حتى، كل الصفحات التي مُلئت بمضادات العادية الحيوية، كل الوقت الذي انقضى بيننا عن قرب ( 1920 ساعة)، كل هذا هو النشادر.

يناير 2009م

إحالات:
* كتاب النشادر - النشيد الاول
** كتاب النشادر –  النشيد الثاني
*** كتاب النشادر  -النشيد الثالث
**** تقرير للنشادر عن ورشة تشكيل بمركز توقيذر
عبد الرحيم: الشاعر عبد الرحيم حسن حمد النيل
مأمون: الشاعر مأمون التلب

تشتُّت

محفوظ بشرى

قطف ذاكرة وردة
كانت العملية التي سميناها (في الثانية ذاتها الراقدة آناء التفكير في منطقية الثانية)، تسير وفقاً لتصورات الولادة الكائنية المغضوب فيها على نقر الأفعال بمنطوقات السيرورة التي تختبئ خلف الخجل والترقب لنبوءات ذات وجهين. كنا كلنا ضد المعنى زمنئذٍ، ونحاول الوجود بصبرٍ طفولي وعصبية مغرقة في هدوئها الكائني النحيل، لكن العملية التي سميناها، سارت نحو نهاية. لم نضع في حساب أفكارنا أن هنالك نهاية لشيء بهذه الفوضى البدائية. قالت الأيام: (حضرتُ وما شاء لي الضوء الأصفر من حدود). ما لم يقله الطريق: (اذهبوا فما فيكم طليق).
حين لا ذهول، تعرت أكفاننا عن حيوانات ومواقد لم تنضج فيها الرغبة وآلات وترية حسية ومسابح من عيون الموتى زجاجية الرائحة. أحدهم في مجهول الحركات التي تؤرقه حين يركض نحو ما يحبه الكائن الرابض على الأقمصة الضرورية التي يرتديها؛ بدا كجملة اعتراضية طويلة في المكان، تتبعته مخلوقات ظله التي يجرها خلفه وهي تهتف ضد وجوده الذي يحرق استقلالية الظلال. يسخر الروتين من هجوم الملل على تكويننا البسيط، فأشعلنا سجائر النشاط القصيرة برائحة الافتعال الخانقة.
قلنا للولادة العسيرة: (أين الدماء؟).
انبترنا فجأة، غافلتنا أنفسنا وحدث الهرج والهروب نحو جبل الكائنات اللذيذة، قال الجبل: (هل تدفعون الثمن؟)، قال ظل الجبل: (هل تدفعون؟).
الفجور الذي ظل قريباً متذللاً بكبريائه وجد السانحة ليبدأ عملية جديدة، الإحلال والإبدال والسخف الذي يرتدي الرؤوس والماء الذي هو سرٌّ متعلق بتجاهله؛ النار والكيمياء والنجوى والأفعال الخارقة، كلها وقفت ضمن طابور طويل للتدرب على كيف تصير قابلة لفهم إمكانية الدفاع عن مبدأ واحد.
ما تحمله ذاكرة وردة، اختزان كامل لأثر أقدام النحل والفراشات والرغبة في الثأر من سارقي الرحيق وحبوب اللقاح التي تقتل حرية الورد في تنظيم النسل.
ما تحمله ذاكرة وردة، ملمس الأيدي التي بيدها تقرير القطف من أجل إفراغ الحيز من وجودٍ خامل ولا ينتج سوى الرائحة.
ما تحمله ذاكرة وردة، تاريخ من العنف العاطفي.

البغاء، ولغة باغية:
العلقات البسيطة التي أضاءت على مناطق مغطاة عمداً، أشارت بأصبع مخضب بالهرمونات نحو الشرك الخفي والمتفق عليه بين الأحرف الثلاثة التي شكلت بينها حلف الدلالة الصوتية عن العيب والسترة والإيماءات.
من يدي جرني السجع مخبراً لي عن خلل الإيقاع الذي يتجاهله ذوو الأمر في معضلة التعريف، خيرني بين حالين من الغفوة والخروج الجديد.
مطلق الأمر، إن ما بينها أو بينهن في قول، مجرد افتراضات غائبة داخل دخان الممارسة، ما يجعل القراءة جنساً من الجنس، ذاته ما يجعل التغطية جنساً خارج المؤسسة.
اللغة، إذ تحتوي على حرف رئيس من أحرف الغواية التي تصنع النشاط في غدد الاتجاه نحو فعله الثقافي القديم، تأخذ ما يجب أن يكون من نصيب الباذلات من الأحرف الهزيلة في مؤخرة الترتيب الهجائي. مثلما فعل التأوه، يرتب الإحالات الخيالية نحو الجنس أولاً ثم بعد ذلك نحو الألم، كذلك تفعل اللغة بأثرها الصوتي المغوي والشبيه بالإثم.

اتصال بشيفرة الدهن:
أحببنا فعل ذلك، في الجينات المقموعة رغبة لا تطال ثوبها لتظهر خلف الشفائف الباردة للنار ذات البرتقال المخبأ، البرتقال الذي جعلها مؤنثاً دون تبرير يحال إليه من لدن خالق اللغة الأرضي ذي المنطق الحاجل في توجسات أن ينسل سحر الحرف ليعرفه الدهماء ويعرفون به.
شيفرة الدهن، الأنسجة العضلية للثنائيات التي تدغدغ المتعة، كشف جينات الحسو من البعض وفي البعض إذ تقترب الكلمة من (بضع) ومن بضاعة ومن كلمات أخرى يستعمرها الظاء لتصبح داخل الكلاسيك السردي لنوادر النحاة والمتفحشين. مداعبة خشنة قبل أن يقول لنا الهواء: (جعلتموني ثقيلاً). يقول الوطاء: (جعلتموه فوقي). يقول المكان الرمادي: (أنا البلاغة كلها والزجاج المرعب).
شيفرة الدهن: الاستدارة.
شيفرة العضل: التمفصلات اللامعة.
بينهما: عراك يكسر ساق الخيال ويفضِّض الثقوب التي تقود لاحتمالات اختراق الأبعاد الموصدة.
قل لو كان الصديق كما غادرته إنجليزياً يحتاج لنسق كيما يُترجم فيك، إذن لتعثرت الكائنات التي ترانا ولا نرى منها غير موتها إذ يختل به ميزان الفناء لصالح الولادة.
شيفرة الدهن: التأله القريب من التأوه الذي هو بنت خال اللوعة.

غنج- فطام- ديالكتيك:
الصوت، الصوت، الصوت. الصوت الشانق، الصوت الشانق، الصوت الشانق. الصوت الشانق للإثارات التي ترتدي اللحم. الفم للحم، اللحم للحم، اللحم للفم، الزمن قطة بوهيمية تشاركنا الحليب والمواء والأصل الأولي وترتبك معنا من انفجارات أسماء الأيام وعلاقاتها بالعين والسماع والتصوف المميت.
غنج: صوتان، فجُّ الأيدي للأماكن.
فطام: صوتٌ يوازي اشتعال ما كان مبتلاً ونضوج ما ظل معلقاً على الشجرة بانتظار الاشتعال.
ديالكتيك: غنج/ فطام، غنطام.
التي تتأرجح، وحدة الزمن الفالتة، العصابيات التي تمسك بالأرض، فيروسات الفيزياء الساجنة، عقلٌ ليس واحداً ليبدأ في الانقسام الثنائي البسيط. هكذا بدأنا الدوران في مربعات التطاول على الأعلى بما يعني أننا وطأنا ما يسمى بالموطوء بدلالتين وكناية ومجاز مرسلٍ وبلاغة هشة حد أن اللسان يحكمها.
قالت النصيحة: (لا تقف، لا تتوقف). قالت الفيزياء: (مستحيل). جاءت الفنتازيا بوجه الأعشى وبغوايةٍ تتعثر في مشيها من بيوتنا إلى رغبتنا في الطعام الحرام.
الحرام: ما يرغبه ذو المقام أيضاً.
الحرام: الحبل الذي (يربط ويحل).

غوغاء المنتصف، عشواء الأطراف:
بين القلب والفؤاد أودية تتسع لطبعتين من ألف ليلة وليلة. لثعالب وماسحي أحذية وجنرالات وشعراء يمضغون اللبان ومصائب قوم ومساند بلا مقاعد وممثلين للطبقة العاملة ومنشدين في سرادق للمديح وإبرة ليست عارية ورجال بلا خصى وأدباء يخافون العالم ويخافهم الظل وبنات يبعن أرواحهن للمرآة وجسور لم يمر تحتها شيء وأشياء أبديت ولم تسؤ أحداً وباحثين عن الذهب والدفء في أعناق وأرداف النساء وشرطيين يلعقون دماء من قتلوهم بجانب حائط ممنوع البول وشراذم تخرج من الروايات العالمية إلى شوارع أكثر ضيقاً وحفلات للاغتصاب والكتابة وأمراء يدقون آخر المسامير ليصنعوا حرباً ونهايات لا تعرف بداياتها وأمزجة تائهة في المزاج العام وأرحام تباع بمكبرات الصوت للعقَّر وملاءات بها أثر الشرف وأغاني حمراء مثل قنبلة ومسارح ونوادي وبشر وحواف لم تذبح أحداً بعد وسكون ورمال وحمى وسخف ونكات بالمجان وغربة شديدة الالتصاق وقرون من الفوضى ومؤامرات بين الأصدقاء وسفائن تحمل مرض السكر وسعال ديكي وإذاعة مكدسة بالموتى وأنهار تتمرد على الجنة وفضلات تذهب حيث تريد و..و..و..
نظامٌ كامل ويعمل. أيها للفؤاد وأيها للقلب، حين نقول إننا ضجرنا، فأين يكون الضجر؟

حريق البورتريه العاري:
ما أجمل البدء، ما أجمل جسد اللغة، ما أجمل كل شيء. فلنحرق مرحلة جديدة.

تلوُّث


محفوظ بشرى

١
حين يُفتح كتاب المدينة؛ وكأنما بنوابض مختزنة، تقفز مقولات بُعثرت في أصائل غامضة، على صفحاتٍ أجمل ما فيها أنها مشتتة، ضد ما يسمى الذاكرة؛ واستنفادها الموجع إذ تُستخدم ليس عرضاً فقط؛ ولكن بكامل السهولة التي بها يدخن البشر خام جدواهم، حين يدخنون المسافة التي لن يقطعوها إلى أحلامهم الغائرة في الفوضى، وفي اهتبالات اللغة على حين غياب.
«بدأت الأمور تسوء؛ لحظة اختراع ضمير الملكية»
هكذا قالها أحد ما، لسبب ما، ونحن نقطع طريقاً ما. اختزنتها، لتضاحكني كلما رأيت شحاذاً أعمى فأحسست بالضيق؛ لأنني أعلم أن لي يداً في ما هو فيه، وكأنني أحد نازعي مُزع اللحم من وجهه، وكأنني لم أجد منفذاً لأحس بالتعاطف الفج الذي يشبع ذلك الشرير المتعاطف - فقط - حيال كل كارثة تهدد صورة ذاته أمام ذاته.
وكأنها زلة، تلك المدينة.
تعلمك المدينة أن لاسمك مرادفات لا نهائية المعنى، قد تعني كل شيء؛ حين لا تعني شيئاً. في المدينة أنت ما يراد لك، وليس من أنت. في المدينة تتسلل أرواحك صوب روح المدينة: الإسمنت.
يزحف لون المدينة إلى معطفك (هل لبسنا معاطف من قبل؟ وما المعطف؟)، إلى ما خبأته المواقف من لونك، إلى وقتك، وما نسيت أن تعطنه في الشمس مرة، وإلى النار الصغيرة التي تنتظر بها امرأة ما.
ستجف، ستصبح زجاجياً وتتقلص، رمادياً أكثر من ريح باردة، منتظراً وكأنك طفولة موحشة في بساطتها.
أنت، أيها الإسمنتي الساكن، تأنف أن يدب فيك دفء، أن تغني للهزيمة، أو..
«ناوليني الريح يا حبيبتي
حطبة حطبة
سأبني للداخل المكسور يداً يقطفني بها»*.
أنت، أيها المفتون بالاتجاهات وذاتك، إنها المدينة المدينة للجميع، الطوطم الشرير للاجتماع البشري.
٢
يقعدون، بذات حنقهم على المشتهى، رغبتهم في الكمال وبهاق العظمة الآنية. إنهم أصدقائي؛ طالما اختارهم لي المكان. بداخل كل منا مدينة، مكان يشبه الماء في عاديته الخارقة، إحداثيات تتغير مع بوصلة العدم المتحول كل حينِ التفاتةٍ خضراءَ صوب خضرةٍ تمر عابئة بمن لا يمر. كلهم أصدقائي في مماكنات لا تضلُّ إلى الهدف.
يقولون ما يجيء عابراً، مثخناً بالاستخدام المتكرر، أصدقائي القتلة، ناحرو الوقت، صحبة الرعب من عريهم حين يجوز التعري، فحول اللغة الهشة، الذاكرة المسكونة بالغناء، ولولب العنصر البشري.
على المكان الذي فيك، يجلس الهدف، التساؤلات عن أصل الأصول، عما يحرك القدرة، وما يجعل شجرتك تتعفن إذ تمسها المدينة.
وكأنني من ماء، سطحه جعدته تقطيبات مدهوشة بالماء، بسريان التيار الأسود اللذيذ إذ تتقشر طبقات الرؤية، فيتضح بازلٌ مخفي بين طيات اللغة، ناعسة الجذور، ومنتبهة الحاجة للتفرع.
أتقتل اللغة ولداً يتخلق في التلافيف الميتة خلف العقل؟
اللغة، إنتاج المدينة الشيطاني. أول ما تبدأ المدينة بانتهاكك؛ ترسل لغتها، لسانها الغني بالضوء، المصنوع ليغطي على بصيرة فجة، ليغملك، ينضجك بطريقة سحرية، مصنوعة، يغويك بضجته، تلونه المميت؛ فتركض خلف أغنية المدينة، تستعبدك المدينة، تسقط الأماكن الصغيرة من جيبك، تحتل المدينة ما يتبقى من منافذ للهرب.
أيها الوجود العرضي، إنها المدينة، كنيسة جاليليو، وخرافة الجهات.
٣
ضد كل شيء، يبدأ الشيء، يُسمى، يندرج ضمن أشياء ليست ضد شيء.
ضد كل شيء، يجعل الغريب مقامه واحداً يتعدد، ضد اسمه، ضد غربته، لكن..
تعرف الغريب من رائحة ضحكة ما، تندس بين طيات لونه، ضحكة لا تسكن مكاناً بعينه، هي مسافة سيقطعها الغريب، تاركاً في كل ثنية من غربته أثراً ما.
تعرف الغريب؛ حين تعرف المدينة. بين الغريب والمدينة حلف الدم للدم، بينهما ما يُبقي المدينة كوةً للغربة، وما يجعل الغريب مكاناً لذاته.
أيها الغريب النظيف، إنها المدينة، القريب منها مُدان.
٤
مثلما يرتد طرف المكان إلى صدى المكان الذي فيه؛ كذا البشر.
مثلما يرعب الظل النهائي المسمى الليل؛ كذا الوحدة.
مثلما يسقط طفل ما، في غواية ما، لسبب ما؛ كذا نتعلم كيف تبدأ الأشياء، لكننا لا نتعلم كيف تنتهي، ولا كيف نجعلها تسير كما نريد.
نحن أطفال فارقنا الجمال واحتفظنا فقط بما يجعل الطفل مثابراً على وهمه بأن يصل، بأنَّ كل ما سيصادفه يبعث الضحك، ويصلح أن يكون خبرة ما، يراكمها في مخزن الذكريات.
أيها الطفل الخبير، إنها المدينة، مَضْحَكَةُ الصغار في المملكة، مِضْحَكَةُ المملكة للصغار.
٥
اغتلامٌ كاسرٌ يُنجي من مساءلاتٍ مودية إلى بعيد الهلاك. اغتلام المدينة بمن هو دميتها، المدينة الشريرة ذات العرش الزاجِّ فيه كل مقترب من حدودها. المدينة المغتلمة باغتلام من ينامون على صفحتها، ينظِّرون عن التوجس وعن ذاتٍ تغترب في وجعها، إذ المدينة هي الوطن، البلاد التي تقتل لونها كما تُقتل لمبات الجاز، والنار الرمادية، وحفر الطلح، يكون للناس ما ليس للمدينة، مقعدها على خيال المستنعسين لها.
أيها المغتلم الشَّبِق المُستَضرِب، إنها المدينة، خيال كل عنين.
6

«ويقال للأَمة: مَدِينة أَي مملوكة، والميم ميم مَفْعُول، وذكر الأَحولُ أَنه يقال للأَمة ابنُ مَدِينة، وأَنشد بيت الأَخطل، قال: وكذلك قال ابن الأَعرابي ابنُ مَدِينة ابنُ أَمة، قال ابن خالويه: يقال للعبد مَدِينٌ وللأَمة مَدِينة»**.
إذن، أيها المديني، إنها المدينة، مملوكة الـ لا أحد.
7
«القنصُ، هو الطَّعم المظلِم بجسد الآدمي. كلما سالت روحه بالقنص، كلما أظلم بداخله عالمٌ ما، أثير من عوالمه المُعَقَّدة. حتَّى لا تلُوحُ نفسه لنفسه. أبواب نادرة تَصفَعها أبواب. فيُعسكرُ متأسِّفاً باعتقاده. يتصاعد الجزء الوحشي، رافضاً ما تُمليهِ عليه رغباتهُ، من إكتراثات ونسيان ومحاولة، بعيداً عن موضوعه وطريدته، وإن كانت اليأس فقط»***.
أيها القانص، المقنوص، المنحدر، إنها المدينة، الروح الشاذَّة، والهدف الضنين.
8
تموت الأماكن.
تموت الجهات.
تموت العناصر كلها.
لكن..
تموت المدينة.
أيتها المدينة، إنها أنتِ، تمرة الفكي الأخيرة.

ـــــــــــ
* م.الصادق الحاج
** لسان العرب
*** ناجي البدوي

الذين لا نراهم

محفوظ بشرى

١
حافلة متجهة إلى السوق المحلي، على خط الصحافة. يجلس خلفي شابان يتحدثان عن بطولات بعض الذين سجنوا، وأسباب سجنهم، ويتحدثان عن «الرجالة» المفقودة لدى أحد الذين حينما حمي وطيس ما؛ صاح «أمي».
الكمساري، رجل مهدَّم في أربعينيات عمره، أهتم، ذو عينين خاويتين لا يمكنك أن تجد فيهما بريق أمل، صوته مبحوح وضعيف لا يكاد يُسمِع من هو بقربه، ناهيك عمن يحاول إسماعهم وهو يصيح عند المحطات «صحافة زلط.. صحافة زلط».
تحول حديث الشابين بتلقائية نحو الكمساري، وبصوت كان الغرض منه إسماعه؛ بدآ يتحدثان عن صوته الضعيف، وسنه الكبيرة، وأن من الأفضل للسائق أن يستبدل به من هو أكثر شباباً وقدرة على أداء هذا العمل. كانا يتحدثان بلهجة فيها الكثير من الاحتقار، الكثير من الحنق غير المبرر، والكثير من التشفي كذلك.
سمعهما الكمساري، أكاد أجزم بذلك، لكنه تظاهر بأنه يهتم فقط بشيء ما على الطريق. لم يشفع له أنه كان ظريفاً مع من دفعوا القيمة ناقصة، ولا اهتمامه بسلامة طفلة تكاد تمشي حين أهملت ذلك أمها عند النزول، ولا تفانيه متى ما سمع «طقطقة» أحد الذين يريدون النزول.
٢
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. متوجساً أنزل من على الحافلة، لاعناً ظروف العمل الليلي التي تجبرني على خوض وحشة تكتنفها الكلاب، والسكارى، وذوو الرغبات المكبوتة في الإيذاء الذين لا يجدون متنفساً خلا الليل البعيد.
في بداية الطريق الفرعي المؤدي إلى حيث أقيم؛ ثمة صف من الدكاكين ذات نكهة أرستقراطية، ملبّسة بالزجاج، تقوم أمام مداخلها «مصاطب» يغشيها الرخام.
المكان خال. الظلام مطبق. وأنا أحاول المرور سريعاً إلى حيث أماني، واضعاً نصب وعيي «الشقة»، وبابها، والسلم المضاء، وغير ذلك من بواعث الطمأنينة؛ سمعت بكاء.
على مصطبة دكان مظلم، كانت امرأتان، واحدة قاعدة عند رأس الأخرى التي تبكي وهي مستلقية على جنبها.
حين مروري السريع بمحاذاتهما؛ كنت أسمع النهنهة، أرى أطراف «الكرتونة» التي فرشتاها للرقاد، أرى لمعان «السكسباندا» خلفهما، وتصل إلى أنفي رائحة معاناة.
٣
الجمعة. عصر خانق. أنتظر صديقي أمام (سيدي بيه) فارغ الصبر، أرجو وصوله سريعاً لنبدأ الغداء. على مقربة يقف رجل نحيل إلى حد بعيد.
وانتظاري يطول؛ اقترب مني الرجل حذراً. كانت «السخانة» لا تطاق، الظل ساخن، الملابس ساخنة. اقترب الرجل النحيل، دار حولي. استطعت أن أرى أنه مقطوع اليدين حتى منتصف العضد. كان يرتدي جلباباً أجنبياً، مشعر الوجه، عيناه واسعتين. بهدوء وأدب؛ طلب مني أن أفك له الزرين العلويين. كدت أفعل، لكن حذراً مباغتاً جعلني أسأله: ليه؟ أجابني وهو ينظر إلى عينيّ: مسخِّن. بهدوء لم يفارقه الحذر رفضت ذلك.
صمت قليلاً ثم سألني من جديد: ممكن أعرف ليه؟ أجبته بأن لديّ أسبابي. ظل ينظر إليّ بتساؤل، فابتعدت عنه تماماً. عندما وصل صديقي ألقيت نظرة سريعة على الرجل النحيل مقطوع اليدين. كان لا يزال يحاول فكّ أزراره العلوية مستخدماً فمه، وما تبقى من يديه.
٤
بانت. أمشي غرباً باتجاه «الشقة» التي كان يقطنها أصدقائي: محمد الصادق الحاج، مأمون التلب، ياسر علي. الوقت العصر. ثمة مبان تحت التشييد، تصادفني كلما قطعت هذا الطريق. ماراً بمحلات الحلويات، الأثاثات، البقالات السوبر؛ كنت أتمهل متمعناً في كل شيء. ثم مررت بمبنى تحت التشييد.
كانت الأعمدة في الجزء الأرضي تحتوي سريراً متهالكاً، ثمة قطع من الخيش مربوطة هنا وهناك، وطفل يبكي بحرقة شديدة وهو ينظر باتجاه عربة شرطة بها بعض الجنود، وامرأة وسطهم تتكئ على «جركانات». الطفل يبكي، بينما العربة تتحرك مبتعدة، وعلى مسافة من الطفل، كان رجل شيخ يحاول النهوض فلا يستطيع، يحاول الزحف حتى الطفل فلا يستطيع كذلك.
٥
كثيرون هم، من لا نراهم، رغم أنهم أمامنا كل الوقت، لكننا نتفاداهم، ونظل مشغولين بالتفكير في «قضايانا الكونية العظمى» التي هي مثال وهدف سيجعل أنهار العسل واللبن تهطل على العقول والبطون معاً. صنعنا عالماً افتراضياً، تحكمه الافتراضات، وتسيّره الافتراضات، فلا أحد يتساءل أين يقضي الصبي الذي لمع لي حذائي ليلته؟ إذ أن العالم الافتراضي يفترض أن لهذا الصبي بيت، وأسرة، وربما حتى غرفته الخاصة، وذلك وفق ما نعرفه عن هذه الأشياء افتراضياً، ولا أحد يتساءل عن لماذا ليس هذا الصبي في المدرسة؟ أو لماذا يلمّع حذائي؟ كلها تبدو أشياء طبيعية، أن تظمأ فتجد صبياً قربك «برّد.. برّد»، أن تحتاج إلى كوب شاي فتجد «ست الشاي» قربك تسقيك إياه وتتحمل غلظتك وتحرشك أنت وغيرك، أن تنتابك رغبة في سيجارة فإذا في كل ركن «طبلية» يقف خلفها صبي، أن تحتاج إلى رصيد......
كل هذا يبدو لك طبيعياً، فلا تتساءل أسئلة تضرب في عمق حياة أولئك الناس، أمرهم لا يعنيك، لا بد أن أمورهم جيدة، يعيشون.. نعم يعيشون، وهذا يكفي.
كل شيء طبيعي، وعلى ما يرام، فقط دعونا نفكر في مشاكل أكبر، نستخدم في وصفها كلمات أكبر، وأكثر رنيناً. هذه الأمثلة التي حكيت عنها أعلاه، لا تثير في النفس إحساساً كبيراً أو كافياً بالتعاطف مثلاً، أو تدعو إلى التوقف والتأمل في وحشية الكائن البشري المقدس المتعالي الذي وُجد كل ما حوله فقط ليهبه الحياة التي يريد. إنها - الأمثلة – تحتاج، لتكون مؤثرة، إلى لغة أخرى، خدعة ما، كيما «تصنفر» ذلك الركام المتكلس من الصدأ الذي حقنتنا به عوالمنا الافتراضية التي جعلت كل شيء عادياً لنا. كل ما ذكرته عادي، يحدث مثله وأكثر، كل يوم، كل ثانية، أمام أعيننا التي لا ترى، لا تريد أن ترى، فهي في شغل عما يمكن أن يغيّر في ما تم اختطاطه مسبقاً في العالم الافتراضي الجميل الذي صُنّفت فيه الأمور في تصانيف لا تقبل انفكاكاً عن حكمها.
تحتاج تلك الأمثلة أن تروى بأسلوب مغاير، يتلمس المداخل المناسبة التي يمكن عبرها النفاذ إلى كهف النفس المشتركة لكثير من البشر، تحتاج أن تدغدغ إما المخاوف الغريزية، أو غدد التكفير، وإلا فلن تجد من يراها.
العالم قاس. هذه من البداهات. البشر يقتلون البشر. بداهة أخرى. البشر يحبون قتل البشر! هنا ينبري الكائن البشري ليدافع عن بشريته المفترضة، تلك التي خلقها عالمه الافتراضي، وتنص على أن الكائن البشري يمتلك شيئاً سرياً عجيباً يُسمى الأخلاق، هذه الأخلاق تلزمه بحزمة من السلوكيات وأنماط الرؤية لا تجعل له مجالاً ليتلذذ بقتل البشر. إنه لا يرى البشر الذين يقتلهم، يقتلهم بتنميطهم، بعدم رؤيتهم، بافتراضه عنهم دون بذل جهد لمعرفة صحة هذا الافتراض.
٦
الذين لا نراهم يروننا، عراة من أوهامنا عن أنفسنا، يستطيعون أن يفترضوا عنا افتراضات على شيء من الصحة أكثر مما نفعل، يروننا، يرون اعتبارنا إياهم «لاشيء» قد ندعسه ونحن نسير دون أن يؤنبنا ما نسميه الضمير، ودون أن نفكر أن كائناً عابراً أمام عالمنا الافتراضي، هو مثل كل واحد منا، ليس كتلة من الخدمات التي يؤديها لنا دون أن نمتنّ أو أن نحاول صنع علاقة تتجاوز حاجاتنا معه.
هم كائنات أكثر بعداً من تفاصيل أحلامنا العرجاء. أولئك الذين هم في الصمت، في الزوايا الميتة من حيواتنا، ربما ينبغي أن نضعهم في حسابنا للأشياء. يظن الواحد أنه فقير، أو يعاني، في حين يتوفر له ما يعتبره طبيعياً حد أنه لم يتساءل أيتوفر لأولئك الذين يسدون الفراغات لكي يمشي عليها؛ أم لا؟
هي قسوة أقسى ما فيها عدم الانتباه إليها، إلى وجودها فينا.
أن نكون محايدين تجاه بشر يصادفوننا عابرين، ألّا يثير عبورهم هذا أدنى تساؤل يكفي لتقصيه؛ هذه هي القسوة. ثم نجد من يحدثنا عن المهمشين وكأنه منهم. عني أنا؛ لا أثق في من يتحدث عمن هو ليس منهم، فلأمر ما ينصِّب البعض أنفسهم متحدثين باسم غيرهم.
٧
عندما يقتحمنا أولئك الذين لا نراهم؛ ينتابنا الذعر، وكأننا رأيناهم ينبعون من الفراغ، من اللاشيء. نعاملهم بالريبة والحذر، نحاول التخلص منهم سريعاً وكأننا نخشى أن يفسدوا الصورة الافتراضية التي نعتنقها عن الوجود. مثلما حدث معي كثيراً، أتعامل معهم وكأنما بغريزة تعمي احتمالات التقائي معهم، على أقل تقدير في الإنسانية.

MEDIA


محفوظ بشرى

قبل أن تخفت أصوات الاعتراض على ما تبثه الفضاءات المفتوحة عبر شاشات التلفزيون إلى العقول التي ظلت مسجونة داخل الجغرافيا المحلية هنا؛ بدا وكأن هذه الأصوات أقرب ما تكون إلى هبة ريح خفيفة في مواجهة عاصفة لا تعبأ بالتذمر الذي تواجه به من قبل من تجتاحهم. واستمر هذا الاعتراض لفترة من الوقت إبان شروق شمس “المؤامرة على المشروع الإسلامي في السودان» كما كان يردد المتضررون من انفتاح البشر الذين هم موضوع ذلك المشروع على آفاق أخرى مغايرة قد تدفع بهم إلى التساؤل عما يمكن أن تكون عليه حيواتهم إن هم خرجوا على المشروع الذي ظل القائمون عليه يغذون قدسيته بتدعيمه بنزعات البشر التلقائية وردود أفعالهم على «استهدافهم». بعد ذلك استمر التذمر والاعتراض بالخفوت حتى لا نكاد نسمع اعتراضاً على المادة التي تُبث على الفضائيات إلا في ما ندر، حين فجأة يتذكر أحدهم أن وسائل الإعلام العالمية «تستهدف» البلاد و»توجهها» فيبدأ بتوجيه نيران النقد إليها ولكن دونما حماس واضح، إذ أنه في الغالب من المتابعين لما يبث في هذه الوسائط الإعلامية، أو ربما أهل بيته، أو أنه لا يعرف أين تكمن خطورة ما يحاربه في الحقيقة.
لكن في ظني أن الحرب على ما يسمى «القيم الوافدة والدخيلة» من قبل المتضررين من هذا الوفود وهذا الدخول، ليست حرباً واعية بما يكفي لبلورة خطاب واضح وقوي يواجه هذه القيم، ذلك أن ما تفعله «الميديا» وما يمكن أن تفعله لا يزال المفهوم عنه بدائياً لدى أولئك المتضررين وهم الذين من مصلحتهم المحافظة على نسق القيم الموجود كما هو من أجل تحقيق «مشروعهم» أياً كان ذلك المشروع. ذلك أنه يتم في الغالب تلبيس الحرب على الميديا بمناسبة أو حدث ما، ولا يتم وضع أساس تبنى عليه إستراتيجية طويلة المدى لخوض هذه الحرب، أي أن الإعلام جيد طالما لم يمس «ثوابت» يعتمد عليها النظام المحلي بما يهدد وجوده الذي يعمل على جعله دائماً وغير قابل للنزول عن «مكتسبات» تم الحصول عليها باستثمار أفق الوعي المتاح لهؤلاء الذين يتم اكتساب هذه المكتسبات منهم، ويصبح هذا الإعلام عدواً حين يمس ما لا يرغب سادة نظام ما أن يمس حتى لا يهدد وجودهم.
إذن، كيف يكتسب الإعلام هذه القوة التي بإمكانها السيطرة على عقول من يقعون في دائرة تأثيرها؟ لو نظرنا إلى التلفزيون بعيداً عن الفكرة المسبقة بالنظر إليه بوصفه أداة «تسلية» وحاولنا وضع احتمال بأن يكون أداة «تحكم»؛ إذن لربما أمكننا أن نرى بعض الأوجه الغائبة من مفهومنا عنه، فبرغم كل شيء يظل التلفزيون هو الذي يعلمنا كيف نعيش، كيف نلبس، كيف نتزين ونزين منازلنا، كيف يجب أن يكون سلوكنا، كيف ينبغي أن نفكر «بإيجابية»، كيف نأكل، وغير ذلك من أدق تفاصيل المعيشة اليومية، لكن أخطر ما يعلمنا إياه التلفزيون هو أنه يرينا ما النموذج الكامل الذي علينا السعي لبلوغه، وهنا مكمن عملية السيطرة العقلية التي يعالجها التلفزيون لدينا عبر التسلية، الترفيه، المتعة، أو أي المسميات لما يبث إلى تلافيف عقل المشاهد.
إن عملية صناعة «النجوم» تحتوي قدراً من الرسائل المشفرة التي تتسلل إلى أدمغة من تم جعلهم يضعون نجومهم هؤلاء نموذجاً يحذون حذوه مسيرين باللاوعي الذي يحرك عمليات استيعاب الرسائل المشفرة التي توضع حيث يمكن ألا ينتبه إليها المستهدف، هذه الرسائل تتعلق بالترويج لقيم موجهة سلفاً من أجل حصد المزيد من كل شيء، وهناك أمثلة حدثت لدينا هنا في السودان وإن بشكل بدائي، لكنها تعتبر خطوة في طريق محاولات إحكام السيطرة.
إن الفوبيا التي تنتاب المستفيدين من بقاء الأمور على ما هي عليه؛ من الغزو الفكري أو الثقافي، ما هي إلا رد فعل تجاه تهديد بفقدان السيطرة، إذ أن المحليين لا يرغبون في تقاسم السيطرة على الجماهير المحلية مع خارجيين لديهم مصالح أكبر قد تتضارب مع مصالح هؤلاء المحليين، مما يقود إلى التصادم في المصالح الذي يبرز فيه كل منهما أسلحته الدعائية، فبينما في الغالب يحاول الخارجيون كسب الصراع عن طريق بث خيارات للحياة ترتكز على أقوى محرك لدى البشر «الغريزة»؛ يجاريهم المحليون بالتمترس خلف غرائز مثل التديُّن والخوف من المجهول/الجديد، ما يجعل الأمر في النهاية صراعاً على شيء من التعقيد. إلا أننا نجد أن المؤسسات الإعلامية الكبرى كاسبة، وذلك لضعف آليات الصراع المحلية وفقرها المعرفي بالبشر، إذ أن أهدافها لا تتجاوز حماية النظام القائم دون آفاق أخرى لمكاسب أكثر من خلال تحويل الإنسان إلى مستهلك شره لما يقال له عبر التلفزيون إن عليه استخدامه، أو تحييده من الصراعات التي تدور حول السيطرة عليه.
في الأنظمة التي تعتمد أسلوباً أكثر قوة في السيطرة على الإنسان، يلعب التلفزيون دور الأداة الأولى في هذه السيطرة، فبالنسبة إلى البشر هناك، يؤخذ كل ما ورد في نشرة الأخبار على أنه حقيقة، وكذلك حديث كل من استضيف وبجانب اسمه درجة علمية أو سبقت اسمه كلمة «الخبير»، مما يسهل عملية تمرير الكثير من الحقائق المزيفة التي يكون الغرض منها خدمة قضية اقتصادية، تجارية، أمنية، وغيرها من القضايا المتعلقة بوجود واستمرارية النظام المسيطر. لكن عندنا هنا في البلاد التي لا يزال عليها أن تقطع شوطاً طويلاً حتى الوصول إلى مرتبة الدول الأخرى «العدو»؛ تمرر الأشياء بفجاجة أشبه بالأوامر العسكرية، فيؤتى بمن له سلطة ما «دينية، اجتماعية، وغيرها» ليقدم نصائح مباشرة. لا زلنا - لحسن الحظ - بعيدين عن خبث تمرير الرسائل مغلفة بما يجعلها تبدو  وكأننا اخترنا محتواها، إذ يخفى علينا التوجيه الذكي الذي جعلها تتسرب بكل بساطة إلى عقولنا.
يقوم التلفزيون كذلك بصنع الأيقونات، النجوم الذين يشكل الانتماء إليهم رابطاً يستخدم بذكاء لتسيير حياة المسيطر عليهم وفق ما يشتهي من يمسك بالخيوط. إن الخطورة في «النموذج» أنه يعمي عن كل ما سواه أثناء سعي الآخرين نحو التشبه بهذا النموذج، إن خارجياً في المظهر، أو إن في طريقة العيش، ففي الحالين هناك من يكسب من هذا التشبه، ويكون هذا بطريقة لا تشابه ما صادفني قبل عدة أيام في إحدى الصحف، إذ نشرت إعلاناً لبيع الرسائل (sms) المتعلقة بالفقه والحديث والسيرة والسنن، وقيمة الرسالة ١٥٠ قرشاً غير شاملة الضريبة، وفي حين لم يوضح الإعلان إن كانت الرسائل اختيارية أم لا، أي أن المشترك تأتيه الرسائل حين يطلبها أم أن لا خيار له في متى تأتيه وكم عددها؛ نجد أن مقدمة الإعلان توسلت بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، بعبارات توحي بأن من لم يشترك فمحبته له غير تامة. إن هذا لا يشبه دعاية الشامبو التي يظهر فيها كريستيانو رونالدو ليقول إن اسمه كريستيانو رونالدو وهو يستخدم شامبو (....) للقشرة، فهنا كريستيانو لا يعظ أو يطلب من المشاهدين أن يستخدموا الشامبو، إن الإعلان يعتمد على عدة مستويات تستغل نجوميته، فالبعض من المهووسين سيستخدمون الشامبو على الفور لمجرد أن نجمهم المحبوب يستخدمه، والبعض الآخر سيفكرون أنه لولا أن الشامبو جيد لما قام بدعايته نجم، هدا باستبطان أن النجوم لا يخدعون محبيهم بافتراض أن النجم يبادلهم الحب، فطالما أنهم لن يخدعوه فلن يخدعهم هو كذلك، وهناك من سيفكرون بأن الشركة المنتجة طالما استعانت برونالدو فهي شركة غنية إذ أن فاتورة هذا النجم باهظة، إذن هذه الشركة الغنية ستنتج منتجاً يتناسب مع غناها هذا، وسيكون غالياً، والغالي بغلاتو يضوقك حلاتو كما قيل لنا بصيغ مختلفة.
هل لاحظتم بدائية الإعلان الأول وذكاء الإعلان الثاني؟
على مستويات أكثر تعقيداً تتم الدعاية لمنتجات، مفاهيم، أنماط حياة، قوانين سلوك، وغير ذلك من التفاصيل التي تسيِّر الحياة، وكل ذلك دون الانتباه لما يدخل مخلوطاً بالتسلية، الأفلام، الرياضة، الدراما، الأخبار، التقارير، البرامج التعليمية والتثقيفية، وغير ذلك.
إن قوة هذا المكعب السحري (التلفزيون) تكمن في أنه ينتهج الصورة وسيلة لإيصال ما يريده المتحكمون فيه. الصورة - في رأيي - تشبه الحقنة، تحقنها في الوريد فتدخل على الفور إلى دورة المحقون البيولوجية سواء أكانت مفيدة كما يفترض بها أم مضرة وتؤدي إلى آثار غير المقصودة منها، بينما تشبه القراءة أقراص الدواء، تبتلعها فتمر بمراحل كثيرة ليتم في النهاية استخلاص ما ينفع منها قبل الدفع به إلى الدورة البيولوجية للمبتلع، لذلك مثَّل التلفزيون الأداة الأمثل لتمرير المخططات من قبل المخططين للسيطرة على العقول وتوجيهها.
في ظل ضعف النظام المحلي في مجابهة آليات النظام الخارجي الذي يسعى إلى السيطرة على جميع من على البسيطة؛ تبدو المعركة محسومة، ويمكن القول دون الخوف من الوقوع في خطأ كبير إن مشاهدي التلفزيون في السودان يشاهدون قنوات غير سودانية بأكثر من نصف الوقت المتاح لهم للمشاهدة، وهذا يعني أن الرسائل والقيم التي تمرر إليهم يومياً هي تلك التي تخدم نظماً أخرى غير النظام الذي يعيشون تحت سيطرته، مما يجعل خيار هذا النظام أن يمرر ما يريد عبر الوسائل المقروءة والمسموعة، وهي لا تعطي ذات قوة التأثير التي للمرئي، المدعومة بالعاطفة الجاهزة لتلبس ما يوضع أمامها حتى دون مراجعة أو محاولة هضم، بذا يمكننا فهم تشبث السلطة هنا في السودان بأن تكون الصحف تحت سيطرتها مثلها مثل الإذاعة والتلفزيون، فهي المنفذ الوحيد الذي يمكن للسلطة أن تحكم قبضتها عليه دون الخوف من مزاحمة آخرين، وإن كانت حتى الصحف الآن تتعرض للهجمة بسبب ظهور الإنترنت، وهو على الرغم من أنه ليس مثل التلفزيون في اتساع نطاق الحصول عليه واستعصائه على الرقابة، إلا أنه بكل المقاييس أحسن حالاً من الصحف التي يحكمها قانون المكان.
أخيراً، أذكر أنني شاهدت فيلم «الرجل الراكض» إن كانت الترجمة صحيحة، وانتبهت إلى أن في الفيلم تم حذف أهم ما تقوم عليه الرواية التي أخذ الفيلم عنها، وهو أن التلفزيون كان مفروضاً على السكان من قبل الحكام ويعتبر عدم اقتناء تلفزيون جريمة يعاقب عليها القانون. إذ قامت الرواية على أن في المستقبل سيتم التحكم بالناس عن طريق التلفزيون الذي يبث التسلية طوال الوقت محشوة بتعريف من هو المواطن الصالح ومن المجرم بما يشبه غسيلاً للدماغ، لكن ولسبب ما قامت هوليوود بإعادة إنتاج المعنى ليصبح معبراً عن أن البحث عن نمط العيش الذي يتم الترويج له الآن، في المستقبل هو الغاية النهائية التي يسعى إليها البطل «النموذج» أرنولد شوازنيجر، وهذا يشبه ما فعلته هوليوود بشخصيات مثل جيفارا وكلاي وغيرهما من النماذج غير الخاضعة تماماً لسيطرة النظام.

بروباجاندا


محفوظ بشرى
(1)
(الدعاوة، بالإنكليزية: Propaganda، كلمة تعني نشر المعلومات وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص. وهي مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات. البروباجاندا في معنى مبسط، هي عرض المعلومات بهدف التأثير على المتلقي المستهدف. كثيراً ما تعتمد البروباجندا على إعطاء معلومات ناقصة، وبذلك يتم تقديم معلومات كاذبة عن طريق الامتناع عن تقديم معلومات كاملة، وهي تقوم بالتأثير على الأشخاص عاطفياً عوضاً عن الرد بعقلانية. والهدف من هذا هو تغيير السرد المعرفي للأشخاص المستهدفين؛ لأجندة سياسية.
تتشارك الدعاوة؛ التقنية ذاتها، مع الإعلان والعلاقات العامة. فالإعلان والعلاقات العامة يمكن أن يصنفا على أنهما دعاوة لمنتج أو علامة تجارية وأفراد وكذلك منظمات، واصطلح على تسمية هذا النوع من الدعاوة (دعاية)، البروباجاندا المعاصرة تستغل التقنيات الحديثة للتأثير في الرأي العام وتوجيه أفكار وقرارات الناس السياسية والاجتماعية وحتى الدينية، وذلك باستخدام تقنيات وأساليب سيكولوجية عدة من أهمها:
1- القولبة والتنميط.
2- تسمية الأشياء بغير مسمياتها.
3- إطلاق الشعارات.
4- التكرار.
5- الاعتماد على الأرقام والإحصائيات ونتائج الاستفتاء.
6- الاستفادة من الشخصيات اللامعة.
7- عدم التعرض للأفكار السائدة.
8- التظاهر بمنح فرص الحوار والتعبير عن الرأي لجميع الاتجاهات.
9- التأكيد بدلاً من المناقشة والبرهنة.
10- عدم التعرض للقضايا الحساسة.
11- إثارة الغرائز وادعاء إشباعها.
12- ادعاء الموضوعية.)
- من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة -
(2)
هل يوجد ما يسمى (قبول/احترام الرأي الآخر)؟ لا أظن – شخصياً – أن شيئاً كهذا له وجود، إذ تعتريه الكثير من التشوُّشات المقلقة، ماذا يعني قبول الرأي الآخر؟ أهو أن يُحوَّل الرأي المعتقد لدى فرد ما ليخرج من كونه موقفاً هو بالضرورة معاكس للموقف (الآخر)؟ أم ان الأمر لا يعدو التظاهر بأن من يخالفك وجهة النظر وطرائق معالجة الأشياء استناداً على وجوده؛ هو على صواب؟
يبدأ الأمر بسيطاً، إذ أن المسلمة العتيدة تقول إن (كل واحد يعرف الفيل من الجانب الذي يلمسه منه) بمعنى أن الجميع على صواب إذ لا أحد يستطيع الإحاطة (بالفيل)، لكن يتم تجاهل عنصر صغير ومهم في هذه المسلمة، وهو أن معرفة كل واحد بالفيل ناقصة، إذن، لا أحد على صواب، وكذلك لا أحد على خطأ.
تعقَّد الأمر بعد ذلك أثناء محاولة تاريخية لتطبيق ما تؤدي إليه هذه المسلمة، فصار قبول الرأي الآخر يعني عدة مستويات من المعنى، يعني أن أقبل أن (يقول) الآخر رأيه، وفي هذه الحالة ما لا يقال هو إنني لست ملزماً بالأخذ به رغم محاولتي ألا أصفه بالخاطئ. ويعني كذلك – وهذا أمر له علاقة بالسلطة – أن رأيك (الآخر) هذا؛ مقبول لديَّ رغم أنه يخالف رؤيتي لذا لن أتخذ إجراءات لقمعه رغم أن هذا بمقدوري، ويجب أن تكون شاكراً لهذا. أما أخطر خدعة في ما يخص (الرأي الآخر)؛ فهي أن أطالبك (أنا) باحترام الرأي الآخر، أي أن أصنع من نفسي (آخر) ظاهراً بعد أن كان مستتراً، وهذا بسبب أن (رأي، ورأي آخر) تحتوي على معضلة يتم تجاهلها بشدة، وهي أن وجود عنصرين يحملان دلالة التضاد أو الاختلاف، ولكن ينبني عليهما موقف ما؛ يجرّان معهما الحاجة للترتيب، أيهما الأول وأيهما الثاني، أي، أيهما في مقام (الفاعل)، وأيهما في مقام ( المفعول به). فكل رأي من الرأيين أو الآراء؛ هو (رأي آخر) بالنسبة للآخرين، إذن، من يحق له المطالبة باحترام رأيه بوصفه هو (الرأي الآخر)؟ وعلى أي شيء يستند للمطالبة بهذا الحق؟
إنها – بالنسبة لي – أوضاع مشوِّشة. فلو أن كل صاحب رأي اعتبر رأيه (رأياً آخر) وطالب باحترامه؛ فسيقود هذا إلى سؤال يحيرني: (كيف احترم الرأي الآخر؟). أيكفي أن تعلن (الحكومة) أنها تحترم الرأي الآخر؛ لإسكات من يطالبونها بذلك؟ إن كانت الإجابة لا؛ إذن، ما الذي يجب أن تفعله هذه الحكومة لتحترم الرأي الآخر وفي ذات الوقت لا تضرّ برأيها هي؛ بوصفه رأياً آخر أيضاً؟
(3)
حين ننظر في تقنيات البروباجاندا، قد يدهشنا اكتشاف أننا نسير وسط نسيج متشابك ومعقد من خيوطها. لكن ما أحاول أن أراه هنا؛ ما يختص بـ(دعاية) أولئك الذين يسوِّقون لأنفسهم بوصفهم دعاة قيَّم (إنسانية) سامية، ورؤى ترضي أكثر البشر!
مثل عبارة (قبول/احترام الرأي الآخر)، تسبح الكثير من العبارات التي تشبهها في فضاء الوعي (العام) الذي تسيطر عليه الجهات ذات المصلحة في استغلال البشر، الفضاء الذي تخترقه البروباجاندا لتسيِّر كل قطع الشطرنج تلك، التي تسير معتقدة أنها تسير باختيارها.
أن تشتري حليباً – مثلاً – مغلفاً من البقالة؛ بدلاً من شرائه من بائع الحليب (البلدي)؛ وفي ذهنك أن حليب البقالة (معقَّم) أكثر، وأنت تسترجع ما يقوله لك التلفزيون عن الحمى الفحمية وما شابهها من أمراض ينقلها البقر؛ ألا ترى أنك واقع تحت براثن البروباجاندا حتى أنك لا تستطيع منها فكاكاً؟ هذا مجرد مثل لتوضيح تغلغل البروباجاندا داخل الوعي وتوجيهه بما يخدم مصالح تجارية فجة. ناهيك عما يخدم مصالح النظام.
(4)
يسير من يفترضون في أنفسهم الوعي، والمعرفة، والواجب الرسولي تجاه الآخرين من الجهلة، والرجرجة، وذوي الوعي الناقص أو المحجوب؛ يسيرون محمَّلين بأكثر من مسلمة غذتهم بها البروباجاندا، توجه مسارهم، وتجرفهم تجاه القشور، منزوعة منهم القدرة على اكتشاف السؤال الأولي، البدائي، الابتدائي؛ الذي إن وُجد؛ ربما حينها ننظر مثلما فعل (نيو) في أواخر مشاهد (ماتركس) حين رأى شيفرة الموجودات.
ما الحرية؟ وما العدالة؟ وما الإنسانية؟ هل ثمة طريقة أخرى لفعل الفعل؟ ما هي؟ ولماذا لا نستخدمها؟ ما الذي يريده البشر حقاً؟ هل اختياري هو اختياري؟ ولماذا اخترت هذا الخيار بالذات؟ أمن خيارات أخرى تؤدي إلى ما أريد؟ ما الغرض من التغيير؟ ما جدوى الدفاع عما ليس محسوساً؟ عماذا أدافع؟ هل أنا كما أريد لي؟ أم كما أراد غيري لي؟ ما المختلف؟ لماذا أرفض وأقبل؟ لماذا أعيش بهذه الطريقة؟ هل ثمة طرق أخرى للعيش؟ كيف هي؟... الخ!!
كلها أسئلة، لكن ما لم يخرج أحدهم على المعتاد؛ فستفترسه الإجابات الجاهزة، الإجابات التي تُبثّ عبر كل المنافذ المؤدية إلى وعي الإنسان.
لست مؤمناً بالمسلمات، أثق في غريزتي الطفولية، أسأل مثل طفل، وأحاول جعل نفسي أنظر مثل طفل كذلك. تخوض البروباجاندا حرباً طويلة، متوحشة، خفية؛ ضد الطفولة. فإن سألت سؤالاً طفولياً؛ احتقرتك البروباجاندا الكامنة في وعي محدثك، ونظرت إليك باستخفاف وكأنك تسأل سؤالاً إجابته (بديهية) ومعروفة، يُنظر إليك بوصفك غبياً، أو ربما غير ناضج. من قال إن كونك طفلاً هو أمر مشين؟
ابحثوا عمن قال.
(5)
إنها البروباجاندا.. إنها الأكاذيب.
الأكاذيب التي تلمس غرائزك الأقوى، تلك التي تختص بالبقاء، والتوق إلى الخلود.
الأكاذيب التي تسجنك في سجن (البهيمة) التي تستهلك كل ما يوضع أمامها مزوَّقاً؛ لتنتج حليباً يبقي (السادة) أحياء.
السادة الذين يخنقون أي متنفس، أي تمرد على العبودية.
السادة القتلة بنعومة، ونحن ببغاءات لما يراد لنا، ما يراد منا.
إنها البروباجاندا.. إنها الشر الخفي.

إلى صديقي أحمد: (يرهقني البشر )

محفوظ بشرى
صديقي أحمد:
أكتب مخاطباً إياك، لأنني شعرت بحاجتي لأن أقول لك، تلك الحاجة التي كانت في تلك الأيام تتمخض عن حوار أشبه ما يكون بحوار (الطرشان)، فقط محض إيماءات وإشارات مبتورة لمن لم يكن أينا، لكنها في عميق حقيقتها كانت إكمالاً لفجوات تفاصيلٍ صارت أكثر من مُفَكَّرٍ فيه في الآن واللحظة، كانت أكثر من ذلك، تندرج ضمن نسيج حياة متغيِّرة نحياها، تفاصيلها تروغ وتنزلق وتتلاشى حين نكاد نلمسها، لكننا ما فترنا من ملاحقتها،  تلك الملاحقة التي أعتقد الآن أنها ما يُسمى الحياة.
كانت الأشياء واضحة، ثمة خير وشر، صواب وخطأ، كان الهدف جلياً بما لا يقاس، ساخناً، يكاد يكون حقيقة،  وكنا أكثر شباباً من أن نرى كيف أن الأشياء لا تسير وحدها فقط؛ ولكننا نسير كذلك. أما الآن، فلا أعرف أي اتجاه سيفاجئ أنفي بلطمة الصديد.
صديقي أحمد:
أرهقني البشر. هذا الأمر ليس جديداً، وأنت تعلم ذلك، كثيراً ما قلت لك إن البشر يرهقونني، فهم يسببون لي ارتباكاً حين أحاول فهمهم. أخبرتك ذلك، في تلك الأيام الصفراء حين كنا نحتسي خيباتنا الباردة، حين شعرنا لأول مرة باللدغة التي أيقظت ما كان في سبات الإيمان. أنت تذكر بلا شك تلك الأيام التي تلونت فجأة بالرمادي، أوان اكتشافنا أولى قطرات ما كان جامداً حتى بدأ يسيل بفعل حرارة المحكات التي تتالت لتفضح أي نتانة كانت تختفي خلف تلك المقولات الزاهية. أرهقني البشر، بلا شك أن ذلك كان من نبوءاتك السرية التي لم تطلعني عليها، أثق في هذا، لأنني أثق بك، أنت، آخر مسمار يجعل لهذه الكلمة معنى ما، يكفي لأن يكون ملاطاً يمسك هيكل ذاتي، ويلصق أجزاءه ببعضها. لم تكن ثقتي عمياء كما يقولون في الأدبيات القديمة، ولكنها كانت إيماناً آخر يوازي ما تورطت في فقدانه، الإيمان الذي غاب وقت أن تبدى عدم الرضا، ثم بعد أن حل محل الأجوبة التي كانت تكفي لإسكات ذلك الطفل الجائع المتسائل باستمرار عن جدوى وجوده، وعن جدوى جدوى وجوده ذاتها، الطفل الذي لم تشبعه المسلمات الجاهزة لتبرير كل شيء بالوصول به إلى نقطة ما بعدها إلا الانقلاب على ما يمكن أن يؤدي إلى عالم آخر بسيط وملون بألوان لا تستفز بذلك الخلط اللانهائي الذي يفرخ لوناً كل رمشة عقل.
 أرغب في الثرثرة معك، الحديث عن أشياء عادية للغاية، سكونك وسكينتك حين تراقب قلقي ونفاد صبري، أرغب كثيراً في بعزقة الوقت في سياق عبثي لا يفضي إلا إلى طرفة (بايخة) تضحكنا. وفي ذات الوقت أحتاج أن أتجاذب معك حياكة الأفكار ونحن نجدف نحو الأعمق في إحداثيات لم نتوقف هنيهة لنتساءل عما إذا كان أحدهم طرقها قبلنا.
(كل خطاب هو خطاب مضاد، بالنسبة لخطابات أخرى «حتمياً»؛ أو بالنسبة إلى عناصره الداخلية «افتراضياً»، مما يعني أن البحث في قراءة العناصر الداخلية للخطاب والعمل على تعرية آليات اشتغاله المخفية؛ يؤدي إلى صنع خطاب موازٍ صالح للتحطيم، بما يحطم الخطاب الأوَّلي). أترى؟ لا زلت أذكر تلك البداية التي لم ندرك - رغم بدائيتها وسذاجتها - إلا بعد وقت، كيف غيرت مسار الرؤية، وكيف بعثرت المسلمات التي سوَّرت الطريق الذي صعب تركه. لا زلت أذكر، الثورة الحارة السابعة، بالقرب من منزل (ناس أكرم)، بيت بلا سقف، المغربيات الدافئة، محاولة ابتكار (منهج) لقراءة ما يبدو غامضاً، انطلاقاً من أن الغموض ثياب تخفي ما يفضح، وأن علينا تعلم كيف نخلع من الخطاب ثيابه، فالعري مرحلة أولى لمعرفة ما تحت الجلد، مرحلة أولى قبل التشريح.
أذكر جيداً كلما غامت الرؤية كيف بدأ كل ذلك، وإلى أين وصل بنا، أذكر المحاولات الأولى لاختبار الفرضية، نماذج الخطابات بسيطها ومعقدها، أذكر الصعوبة والجهد ونحن نحاول التفكير صامتين كل على حدة، أذكر محمد سبيلا، الآيديولوجيا نحو نظرة تكاملية، آفانا سييف وأسس المعارف الفلسفية، أذكر دهشة اكتشاف كم الجمود الموجود في المذاهب التي تحارب الجمود، كل ذلك وأكثر، شكل أولى قطرات الشك، الشك المقدس، الذي أفضى إلى العدم أولاً، ثم إلى تعلم كيف تُقرأ الحقيقة غير الموجودة في إطلاقها المحكي عنه.
أتعرف أن المفهوم الطريف الذي وضعناه لعلاقة الإنتاج لا يزال يحكم بعض مواقفي تجاه العلاقات الاجتماعية؟ أمر مدهش هذا، حين أتذكر أن المتعة تصلح لأن تكون قيمة محسوبة، لها ثمن، ولها سوق، أنا أتحدث عن المتعة بإطلاقها وليس عن نوع واحد.
صديقي أحمد:
كما كنت أقول، البشر مرهقون، فهم غير واضحين، أعني أن تعقيدهم من النوع غير الواضح، وهذا يرهقني. إنهم يفعلون كثيراً من الأشياء لا لأنهم يجب أن يفعلوها، ولا لأنهم يريدون فعلها، ولكن لسبب لا أعرفه، لا تبدو لي الأمور منطقية. قد تسألني: وما المنطق؟ نعم، ما المنطق. هل أصلح أنا أو أنت أو أي واحد لأن يكون منتهى ما، نموذجاً، الثابت الذي تقاس به الأشياء؟ هل من حق أيٍّ كان أن يحدد، أو أن يحكم، أو أن يضع القيمة؟
إن كانت الإجابة لا؛ إذن ما الذي يحدث؟ لماذا نحيا سلسلة من الأحكام والتقريرات بناء على منطق ما أو بناء على هوى؟
وإن كانت الإجابة نعم؛ كيف ولماذا ومن أين جاء هذا الحق؟
إنها الفوضى بلا شك يا صديقي، الفوضى الجميلة التي يخافها البشر لسبب ما لا يفصحون عنه صراحة، الفوضى التي أحلم بها سراً، وأعرف أنك لا تحبذها مثلما لا تحبذ القوانين. هل أنت متناقض؟ هل سألتك هذا السؤال قبل الآن؟ لا بد أنك لم تجبني لو كنت سألتك.
صديقي أحمد:
أتحدث إليك، وأعلم أن حديثي هذا يشبه أحاديثنا القديمة، محض إشارات وإيماءات تكمل فجوات وأحاديث لا تكتمل، ونحن نحلم بالتليباثي ليكفينا مشقة نقل الأفكار بطريق الصوت، تلك الترجمة التي تحدثنا عنها مراراً، وكيف أن الفكرة حين تقطع الطريق بيني وبينك تكون فقدت الكثير، تصل ناقصة ربما، أو تتغير عند مرورها بأوساط مختلفة الكثافة. لكن الكثير حدث، منذ تلك اللحظة التي أدركنا فيها أن هنالك ما يسمى الخطاب، وحتى الآن، وأنا أرى كيف كانت بداية متواضعة وتفتقر إلى الضبط اللازم للتحول إلى نمط، إلى أداة مطاطية تصلح لأن تتمدد بمرونة مذهلة لتحتوى الكثير، تصلح – في ظني – لقراءة على شيء من الوضوح، صانعة ما أحب أن أسميه (التحطيم) في انحياز سري لـ لوكاش، لكنه تحطيم فوضوي (لا زلت أظن الفوضى شيئاً جميلاً) ينتفي منه الهدف بتقليديته المدرسية الكابية.
صديقي أحمد:
أتظن أن يوماً سيأتي ويطعن محاولات التحلل من القيود بإثبات ضرورة القيود؟ أقول هذا لأنني أظن أن الضرورة هي ما تبقى من وقود يحركني، لكن في اتجاه فهم أنماط الضرورة ومحاولة الانفكاك منها، والضرورة ربما كانت قيداً كما أستبطن، لكن كما قيل لي؛ طالما أنني أموت؛ فلا فكاك من القيد، لذا أكره الموت.
صديقي أحمد:
متى سيختفي النعت من اللغة؟ متى ستصبح الأرقام محض أرقام؟ متى ستتوارى التعابير التي تحط وترفع؟ متى سيصبح البشر بشراً؟ متى سيموت الموت؟