الاثنين، 23 يناير، 2012

باب واحد للخروج

في البشر ثمة نزوع مدهش إلى التماثل؛ حين يحاول كل بشري جعل الآخرين يشبهونه، بينما يحاول هو في الوقت ذاته أن يشبه مثالاً ما. السلطة تنزع إلى جعل الناس يتماثلون، وتنفق في هذا الأمر مكراً و(تحانيس) وتوسلات، جنباً إلى جنب مع الفرض والأخذ بالشدة عبر القوانين ومنفذيها. كل ذلك تخيطه ببعضه عقيدة راسخة تبرر له بأن "الصواب هو ما تتضمنه القوانين والخطأ ما يخالفها".
هو صراع له وجه خفي غير جميل - لا أقول إنه قبيح - بين دعاة الحرية الفردانيين، ودعاة الحرية المضبوطة، هذا إن صح الوصف.
بعضهم يدعو إلى الحرية، والعدل، والمساواة. في المقابل يدعو خصومهم كذلك إلى ذات (المبادئ)، فقط يكون الاختلاف في التفسير، في الوسائل، والأهم في معنى كل مفردة. كلاهما ينشد المساواة = التماثل، ولا فرق عندي بين (المساواة أمام القانون)، و(اليونيفورم) الذي قد يفرض على فئة بغرض تنمية حس الانضباط. فلدى فئة الباحثين عن المبادئ الثلاثة وفق أفق مثالي لا يستبطن السيطرة على الناس الذين يجب أن يتمتعوا بها - المبادئ - تنبع معضلة صغيرة - ربما - تتمثل في عدم اتساق (الحرية) مع (المساواة)، فبملاحظة بسيطة تجد أن السعي إلى المساواة - ولو رياضياً - يصطدم بالحرية، حرية ألا أتساوى، ألا أشبه غيري؛ مثلاً. أما الفئة التي تضع الأسوار والحدود التي تضبط الحرية بالعدالة فستعترضها كذلك معضلات مشابهة.
حين كنت مهجساً بآليات صناعة النموذج، وما تنتجه من بنى متحركة تدفع بالوعي جماعياً نحو التمثل به؛ كنت - أحياناً - أسقط في وحل الإحباط حين ملاحظة أن السيطرة على الوعي بمجموعه صارت ذات قوة تكاد تستحيل مقاومتها. غيبوبة عميقة وعامة من القوة بمكان حتى إنها قادرة على اختراق محاولات الانفكاك منها ولو على المستوى الفردي. لقد صُنع العالم كما أراده المتحكمون، وانتهى الأمر. إما أن تقبل العالم كما هو وفق قوانينه وحينها قد تجد فرصة العيش بسلام؛ وإما أن تصير خليعاً باختلاف مسميات الخلعاء، وتُنفى إلى هامش الوجود محاصراً في انتظار نهاية هذه القصة القاتمة.
أنت مسيطر عليك تماماً بتوجيه وعيك صوب نماذج تجد نفسك مدفوعاً لمحاولة التمثل بها، في كل شيء، في الأخلاق، في الرؤية، التفكير، الملبس، المشرب، التذوق، الحب،... إلى آخر نأمة يمكن أن تنم عنك. هذه النماذج تقودك بحيث تصبح - أنت - مفيداً لغيرك، أن تعيش الحياة بما يحقق مصلحة آخرين وليس كما تريد عيشها.
أذكر طرفة كانت تقال أيام الدراسة بالجامعة لكل وافد جديد (برلوم)، وهي أن البرلوم في السنة الأولى يكون حلمه أن يصبح رئيس الجمهورية، وفي السنة الثانية أن يصبح وزيراً، في الثالثة أن يصبح مالك شركة، وفي الرابعة أن يجد عملاً، وفي السنة الأخيرة - الخامسة - يصبح حلمه أن يتخرج.
حسن، من منا يعيش الآن حياته مثلما أراد أن تكون قبل سنة أو سنتين.. إلى عشر سنوات؟ لماذا؟
لا يتعلق الأمر بخيارات خاطئة كما يروج له، إذ إن خياراتك ذاتها لم تكن خياراتك، مثل المتاهة، في النهاية ثمة باب واحد للخروج.


الأحد، 15 يناير، 2012

مصطفى سيد أحمد



1
مغنٍّ كثيف الشعر، ينحني على عوده ويغني:
(مهما هم تأخروا فإنهم يأتون
من درب رام الله أو من جبل الزيتون...).
مغن كثيف المسافة بينه والآخرين، ينصب شباكه لمن يهفو إلى بساطة الرؤية (لسه بيناتنا المسافة والعيون واللهفة والخوف والسكون..) لتكتشف الفريسة بعد وقتٍ أن ثمة تعقيداً لم تطأ رائحته أولاً يوجد في ذات (المسافة).
يمد شباكه إلى من يعتريه قلق المنزلة بين المنزلتين بـ (عينيك مدن..)، (الدنيا ليل غربة ومطر..)، (مكتوبة في الممشى العريض..) حتى التخوم الرمادية بين الذات والذات الكلية حين تساوي أنت أكثر من هتاف (عرق الجباه الشم..) وأخواتها، وأكثر من ذوبانـ(ها) في (آه لو تأتين آه من عميق الموج من حضن المياه..)، وبلا شك أكثر من مأساة (عبد الرحيم) والكوميديا المظلمة لـ (الحاج ود عجبنا) عم الجميع.
مغنٍّ كثيف اللغة، حد استحالة أن يحاط بها - لغته - بكل كبريائها حين أنها غيرت طعم الكلام كثيراً وغيرت عدسات الذي كان ينظر صوب الأغاني بوصف الحبيبة شعراً يسيل كما الذهب أو هدفاً يجمد ما عداه من الشعور ليصبح (تختة) يصوب نحوها ما ضاقت به غدد الشعور فكاد ينفجر.
مغنٍّ كثيف الحياة.
مغنٍّ كما ينبغي.

2
مثلما طلى التسعينيات بلغة طردت لغات الغياب إلى الثقوب البعيدة؛ ظل يطلي - مصطفى- يوميَّ الكلام بما يجعل الونسة ضرباً من لغة الطير الجميلة. تنبت مفردات مستعارة منه عبر شقوق الخيال، تنمو فينبت شاعر مفاجئ خلع (بامبرز) (الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان) إلى فساحة أن يفكر: (وما حريق البحر؟ ما عجاجه؟ وما الذي يمنح اللوحة ازدواجية القراية؟ وكيف يمكن أن يكون الحزن كائنا يمشي على ساقين أو دائرة تطوف في فراغ الكون وتمحو عن شعاع الصمت ذاكرة السكون المطمئنة؟ وكيف تنجبني مريم الأخرى قطارا وحقيبة؟ من مريم الأخرى؟ وكيف هو عزاء باقات النجوم في المطر؟...).
مثلما ضرب - كما زلزال - هذا المصطفى، قوانين الواقع، قوانين السؤال، قوانين الترنّم، قوانين المعرفة بوطن كان عميقاً بقدر ما كان باهتاً؛ يعرج - هو - على (ال) القمرية في كل الكلمات ليخترع صيغة توكيد جديدة، أطلقت جيل (فولترون) و(كابتن ماجد)، و(بابار) إلى قلقٍ مضاد للرضا، وإلى أمنيات أكثر نضجاً من (تبقى لي دكتور، وتبقى لي مهندس)؛ إلى أمنيات غائمة في لذتها كما (مشرع الحلم الفسيح) الذي تقف دونه جزر تترامى وموج لديح.
مثلما كوى - كما بركان - الرؤية المعتادة، هذا المصطفى، يكوي احتمالات التشابه؛ فيتوارى كل لحظة مكان من الذاكرة، لتحل مكانه أمكنة صغيرة مليئة بالأطفال والحدود الميتة والأشواق التي بهاراتها من وحدة الوجود في تعدد الأمزجة. حين صارت (نفسي أفهمك) هي: (نفسي أقراك مرة صاح عكس احتشادك في الحضور..)، وعندما أصبح التساؤل: (ليه غبتي يا القمرا)، تغيرت طرق القول، طرق الحب، طرق اللهفة؛ حتى صارت أقرب إلى (بعد ما عز المزار..) عبوراً بـ(يا سر مكتوم في جوف أصداف..) بديلاً لوضع كل شيء على المائدة.

3
ربما ما كان لي ولغيري النفاذ إلى أفق للمتعة التي كانت - قبل مصطفى - دونها الريبة وخوف التعقيد وشدة الجديد على من تعوَّد - بالكاد - على أنماط من الشعر القياسي؛ النفاذ إلى زمن العيون الإلفة والحضن الملاذ، ثم القفز حتى (كأنك من وراء صفحة زجاج مبلول وراك الريح وقدامك مدى السكة ونداء المجهول) وصولاً إلى شهيق عاطف خيري وعزلة الصادق الرضي ورحيل أبوذكرى في الليل.
ربما ما كان لي ولا لغيري استطعام (حاجة فيك) و(البت الحديقة) التي لا أعرف حتى اليوم إن كانت حديقة أي ذات حدقات أو أنها حديقة بأزهارها وأطيارها ونخيلها؛ ثم الركون إلى غرائب الصور قبل أن تصير معتادة فتخلع غرابتها إلى حين مثل (بنية من خبز الفنادق) و(صوتك وكت قطع البحر قبال مراكب العمدة ضهر النيل عرق). هو هذيان خلاق أصابت عدواه كل من جاء به حظه ليعبر تسعينيات القرن الماضي حافياً من كل جميل، أوان لا زال المغنون يبكون على الزمن الدوار وبسمة النوار أو يحاول المغنون الجدد تعديل الذائقة لتطرب لإعداد الشباب ليوم اللقاء وإعادة سلطان الشرق ودك حصون العدا، إلى غيره من الهواء النتن الذي استوى - ليس فجأة - بما كان هواء طيباً.

4
هو مصطفى. المغني الذي حطم المقاعد فظللنا وقوفاً لم نفهم أن الحكمة من تحطيم المقاعد هي عدم البقاء في ذات المكان.. هي التحرك نحو أفق جديد رائحته كما الجنة.
هو مصطفى. صياد الزيف المحلق في سماء تحتها من اهتم لأمرهم. قاتل ما يحجب الشمس الأخرى.. الجديدة.
هو مصطفى... ولن يكفي الكلام.


السبت، 7 يناير، 2012

يقين



"قبل 1500 سنة كل شخص عرف الأرض بأنها كانت مركز الكون. من 500 سنة كل شخص عرف أن الأرض مسطحة. ومن 15 دقيقة ظننتَ أننا لوحدنا على هذا الكوكب. تخيل ما ستعرفه غداً".
- العميل كاي (تومي لي جونز) مخاطباً العميل جاي (ويل سميث) - فيلم Men In Black-

"هكذا لا أراني في لباسِ اليقين
إلاِّ أُعَرِّي كلِّ شَيْءٍ من احتمالِهِ".
(الصادق الرضي- بئر الأحاجي)

1
لا شيء واحد، كلها متعددة - كما أرى - إلا أن النزوع إلى دفء اليقين يجعل من يهفو إلى يقينه يعري كل الأشياء من احتمالاتها، كسراً لتعقيد النظر المركب. بذا يُصنع الاعتقاد. بذا تُصنع الأيديولوجيا، وباحتمال كبير تصنع الراحة، ويصل الناظر إلى التماسك الذي يبغي.
لأنني بلا يقين، أرى التعدد في كل ما أراه، لذا حين التساؤل؛ أصوّب نحو الجذر الذي يجمع كل الأوجه، ولا أهتم كثيراً بيقين يجعلني أطأ الاحتمالات.
مم يتيقن من يرتدي يقينه في الطريق ذي البداية والنهاية هذا؟ بم يوقن من يوقن جاعلاً من ذاته مهبطاً ينزل عليه اليقين بارداً مغلقاً لأبواب الأسئلة وداعساً تلك التي تنمو حين كل خطوة صوب الفناء؟
أن أوقن يعني قتل ما خلف الخيال، قتل الأبعد، قتل البديهة التي يلزمها حرق اليقين لتشتعل.

2
ذات توق إلى طفولة جديدة؛ أنا وصديقي نحاول لعبة صينية هي خشبات علينا صنع أشكال منها. حاولنا الشكل الأخير أياماً ولكن كل الأوضاع التي أنتجتها المخيلتان لرص الخشبات بما يرسم الشكل المطلوب ضربها الفشل. وبمحاولتين فقط، استطاع أحد الخواجات رصّها، ليبدو أمامنا الشكل في كامل كماله. حينها قال صديقي إننا مقيدان بقيد المنطق.
ظلت ملاحظته تتخمر في ذاكرتي زمناً، قبل أن تصير ثيمة أستعيدها حين المعضلات، فيتداعى إلى مخيلتي كذلك شيرلوك هولمز ومنهجه الذي يجعل اللامنطق منطقاً حين خفوت الاحتمالات كلها إلّاه.
ثمة طرق كثيرة للفعل، طرق أكثر للنظر، فقط حين إدراك أن لا شيء واحد، بل كل شيء مجموع احتمالاته، فلا إهمال لاحتمال يرفضه قيد المنطق، إذ المنطق ذاته متعدد الاحتمالات.

3
"ماذا لو؟"
تساؤل ينظف أنابيب الخيال التي صدئت كثرة ما استعملنا الخيال كما وجدنا غيرنا يستعمله. أن تقبل الاحتمالات؛ هي الخطوة الأولى - في ظني - لتفوح رائحة مختلفة للوجود لديك. تتخلق عندها غدد الذكاء فتفتح مجالات للحركة خارج هذا الاختناق؛ ما يسمى الحياة، فترى؛ فتعرف؛ فتسير؛ فتفعل؛ فتكون.
ثمة فرصة تومض للعقل مرة، إما أن يغتنمها فيقلب مفهومه للنظر؛ وإما أن يغلب عليه ما كان.
ثمة مشهد ساحر - مثل الكاريكاتير - يلخص انفعالاً متفجراً لا لغة تملك أدوات إخراجه إلى كينونة تُلمس، ولا يملك من يراه غير أن ينتشي بفهم المغزى؛ ذلك هو مشهد (نيو) - في ماتريكس- حين أفاق في حياته الثانية وهو يرى. حين رأى الكود، الشيفرة الخضراء التي كان يراها - كغيره - أشياء وموجودات وأناس... وحياة. هذا هو الهدف - لدي - أن أرى شيفرة الأشياء لا أن أرى الأشياء. أن أعرف كيف تبدو تماما خلف قشرتها، وإلا.. فلأذهب في الطريق إلى فنائي وأنا  راضٍ ومؤمن.. وعلى يقين.