الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010

تلك الامثال

محفوظ بشرى
مَثَل:
تحدث أحد (أرباب العمل) الذين عملت لديهم ذات مرة عن لا إنسانية الذين يبخسون الباعة المتجولين أشياءهم، واعتبر ذلك (استغلالاً) لحاجتهم وظروفهم السيئة. في حين أنه يدفع للعاملين (لديه) أقل بـ 50% من الحد الأدنى المتعارف عليه للأجور بين أرباب العمل!
ما هو الاستعباد حقاً؟
إذا قمنا بعملية (تقشير) مباشرة بغرض النفاذ إلى معنى الاستعباد (بعيداً عن القاموسية)؛ فسنجد على الأرجح أنه – الاستعباد – الاستيلاء على قوة عمل بشر آخرين قسراً دون تعويضهم. ذلك التعويض الذي ربما اعتبره (رب العمل) منقصاً للفائدة القصوى التي يبغيها من استخدامه لأولئك البشر من أجل مصلحته الخاصة، وكي يبدو الأمر (مستقيماً) ومتسقاً مع نظام الأخلاق السائد في المكان والزمان اللذين يشكلان محوري الوعي لدى (رب العمل) ذاك؛ تتشكل عدة (حيل) لتصبغ على الأمر أخلاقية ما. ما أقوله هو: إن الاستعباد هو الحصول على قوة عمل دون مقابل باستخدام آليات قامعة لتجبر أناساً ما على منح قوة عملهم هذه رغماً عنهم.
طيِّب، إذا سلمنا بأن ما ذكرته صحيح أو يتضمن شيئاً من الصحة؛ ألا يعني هذا أن الاستعباد قائم حتى الآن وبأشكال لا حصر لها؟
طيب، من صاحب المصلحة في أن يوجه التفكير نحو صورة (منمذجة) للاستعباد (العبودية – الرق – العنصرية... إلخ)؟ صورة يجعلنا نهاجمها بضراوة على الرغم من التأكيد على نهايتها وأنها صارت من الماضي! من صاحب المصلحة في الانشغال بالهجوم والعراك مع وجه واحد وغابر من ممارسة ما، وبذل كل الجهد في ذلك، وعدم الالتفات إلى الأشكال الأخرى من تلك الممارسة؟ أليس هو من يمارس تلك الأوجه الأخرى؟
دعونا إذن نتحدث عن (التوجيه)، وكيف يشغلك (النشَّال) بتفقد حذائك بينما هو يعبث في جيبك، دعونا نحاول أن نتساءل عن كيف يجعلنا النظام مشغولين (بالعظمة) في الوقت الذي يتسلل إلى ما ادخرناه من مؤونة، أي: فلنر كيف يستعبدنا النظام بطريقة تجعلنا نبذل كل الجهد من أجل أن يوافق على استعبادنا، دعونا إذن نتحدث عن العمل.
ما العمل؟ وماذا اكتسب خلال تلك الرحلة المضنية من ذلك الوقت الذي كان الإنسان فيه (ينتج) حاجاته بنفسه، وحتى الزمن الذي شكلت فيه المدينة حافزاً لقيام علاقة تكاملية بين بشرٍ تجمعهم أسوار واحدة فصار كل منهم ينتج جزءاً واحداً مما يحتاجه البشر ليحصل كل واحد في النهاية على احتياجاته عبر عملية تبادل وضعت اللبنات الأولى لمفهوم (القيمة)؟
بذات طريقتنا في (التقشير) القاسي للوصول إلى جوهر المسألة البسيط؛ نقول إن العمل هو عملية تبادل يحكمها مفهوم (القيمة)، العامل يستبدل قوة عمله باحتياجاته التي يحصل عليها في صورة قابلة للتحويل إلى أي شكل وفقاً لمفهوم القيمة المتبع.
وحتى لا ننغمس كثيراً داخل هذا (الغلاط) الأزلي؛ ننفذ إلى السؤال: لماذا يعمل البشر؟ أعني بالعمل ذلك الشكل الذي ينتجون فيه احتياجاتهم بطريق غير مباشر عبر بيع قوة عملهم هذه لواحد من البشر؟
مَثَل:
أرجى سفيه ما ترجى عاطل.
(مثل سوداني!)
يُبرر العمل على عدة مستويات، ويُعتبر التوقف عن العمل عصياناً (لمن؟) يستدعي التعامل معه بحسم من كل أبنية النظام بدءاً من المفاهيم الاجتماعية التي تعلي من قيمة العمل؛ وانتهاء بالنصوص الدينية التي تعتبره نوعاً من العبادة، مروراً بكافة أشكال القهر المنظم على المستويين الظاهر والمستتر ضد من يتمردون على هذه (القيمة) التي من غير الواضح حتى الآن مدى جدواها للعامل على المدى البعيد!
إن الاستعباد قائم، لم يمت، فقط تنكَّر في وجه آخر وظل جوهره هو ذاته: إجبار البشر على بيع قوة عملهم دون مقابل. قديماً كان المستعبَدون يحصلون على ما يبقيهم أحياء من أجل مواصلة العمل، الآن ذات الشيء يحدث: المستعبَدون يحصلون على ما يبقيهم أحياء لمواصلة العمل، فقط لا غير. وما (الامتيازات) المصاحبة إلا ما تحدثنا عنه في البداية، أعني ما يكفي لانشغالنا عن التفكير في لب الأمر، ومن أجل هذا الانشغال جند النظام كل آلته الدعائية لترسيخ نموذج مرسوم بعناية (للحياة)، وهو ما تحدثنا عنه بإسهاب في مقالات سابقة.
مَثَل:
(بعملنا) وبأملنا نبني جنة.
(جزء من أغنية عن الوطن)
- لماذا يعمل البشر؟
- ليعيشوا.
- كيف يعيش البشر عن طريق العمل؟
- يحصلون على مقابل يشترون به حاجاتهم.
- وكيف يحصل من يمنحهم هذا المقابل على حاجاته؟
- من المقابل الذي يحصله من بيع ما أنتجه البشر، للبشر.
لا أتحدث هنا بشكل مباشر عن (فائض القيمة)، ولكن أحاول الوصول إلى ما يمكن أن يكون إجابة معدة سلفاً لتساؤلات مثل هذه، فبقدر ما تبدو الأسئلة بسيطة وساذجة، والإجابات كذلك؛ إلا أنها ترينا أن لسبب ما؛ لم تخطر هذه الأسئلة البسيطة (السطحية) على التفكير بشكل ملح، لسبب ما لم يتوقف أحد ممن يدخلون يومياً إلى بطن هذه الآلة الطاحنة للنظام المسماة (العمل) أمام أسئلة كهذه، وإن وقف؛ سيجد أمامه واحداً من طريقين: إما أن تصبح الأجوبة متشابكة وعلى شيء من التعقيد المرهق؛ وإما أن يُمنح إجابات جاهزة تم إعداد وعيه من الصغر لتقبلها والارتياح إليها. وفي كلتا الحالتين؛ سوف يواصل البقاء داخل بطن الآلة دونما أفق لاحتمالات أخرى لإمكان العيش بطريقة مختلفة عما أريد له، أو محاولة كسر الطوق وامتلاك قوة عمله بما يمكنه من تحديد قيمتها وفقاً لمصالحه لا مصالح المستفيدين من الفرق في القيمة بينها والمقابل.
العمل استعباد، عبودية، اختيار مزيف مثل أن تختار بأي طريقة تريد أن تموت. عين ما كان يحدث قديماً يحدث الآن، كان العبيد يطاردون ويقبض عليهم بالقوة ويربطون بالسلاسل ويجلبون إلى حيث يعملون حتى الموت، والآن يطارد العبيد بالمفاهيم ويتم القبض عليهم بإغلاق الخيارات والطرق الأخرى ويجلبون إلى حيث يعملون حتى الموت بآلة النظام القيمية الدعائية المصفحة بالوعي المصنوع لهذه الغاية، يتم ربطهم بسلاسل ذات مسميات أكثر نعومة، يجبرون بوضع الحياة مقابل العبودية، والموت مقابل العصيان.
مَثَل:
قطع لصوصٌ طريق رجل، فأوقفوه وأنشأوا يبحثون عما يحمل؛ فعثروا على صرة مال معه، ولأنها كانت واضحة جلية، لم يخفها، ولم يقاوم كثيراً عندما انتزعوها منه؛ شك كبير اللصوص أن الرجل يخفي أكثر مما وجدوا لديه؛ عندئذٍ بدأوا يقررونه عما يخفي؛ فلم يقرّ لهم بشيء، عذبوه وأسمعوه ما يكره؛ فلم يستجب، عندها خلعوا عنه ما يلبس؛ فوجدوا أنه خاط المال في بطانة ثوبه ليبقيه آمناً من أيدي أشباههم، فعرفوا أن هذا هو ما يعتقد من مال، فأخذوه وأطلقوا الرجل وهم على يقين من تجريدهم إياه من كل ما يملك.
لكن الرجل بعد أن أمِنَ واسترجع أنفاسه، وردت روحه إليه؛ مد يده داخل حذائه يطمئن على ما اعتقده من مال، ثم مضى.
(........)
لا يسمح النظام بالولوج إلى المستوى العميق الذي يجيب عن أسئلة تشكل إجاباتها خطراً عليه؛ فعند ورود أي من هذه الأسئلة إلى الذهن؛ تبدأ آليات النظام الدفاعية في العمل، مفرزة عدداً من الحيل التي تجنبه خطر الولوج إلى ما يخفيه بعيداً عن وعي (العامة)، فدائماً هنالك الأجوبة الجاهزة والمتاحة لأي سؤال، الأجوبة التي تبرر على الفور، تقنع، وتقضي على الخطر في مهده، وهي كافية لإقناع البعض. اما من يحاولون التعمق أكثر؛ فيلعب معهم النظام لعبة نتيجتها اعتقادهم أنهم حصلوا على الإجابة الصحيحة نسبة لما أنفقوه من جهد وما عانوه من مصاعب للحصول عليها، ولا يخطر بالبال البتة أن هذا ليس سوى المستوى الثاني فقط الذي تستخدمه آليات الدفاع عن النظام، فيذهبون ضحية للخدعة دون أن يفكروا أن النظر داخل الحذاء فات عليهم.
مَثَل:
(أنا بكره ثقافة الفقر، يعني زي إنو واحد يربي الجداد، ويقوم يوديه السوق يبيعو عشان يشتري ويكة ودقيق عشان ياكل كسرة بويكة! يعني هو ما ياكل جداد بس يبيعو للناس البياكلو جداد وبسعرو يجيب البياكلو هو! دي ثقافة فقر، حاجة عجيبة!)
(من حوار مع صديق في العام 2008م)
إذن يستعبدك رب العمل (استعباداً مباشراً) لعدد من الساعات في اليوم، لعدد من الأيام في الشهر، لعدد من الأشهر في السنة، لعدد من السنين في عمرك؛ بمقابل هو الكفاف من العملة التي تستبدلها بالطعام الذي يبقيك حياً بالكاد ودائماً بحاجة لاستعباد رب العمل لك. العمل قيمة مصنوعة، محمية بالقانون الظاهر والمستتر، بالعرف والدين، فلنتساءل: ما الذي سيحدث لو توقفنا جميعاً عن العمل؟ سينهار النظام بالتأكيد، ولئلا ينهار النظام؛ فهو يحافظ على أن تعمل، أن تلتزم بالقيم (التي صنعها)، أن تكون تطلعاتك في اتجاه واحد لن تصل به إلا إذا أدركت الخدعة، نحو (الرفاهية)، أن يشغلك بحرب طويلة ومصنوعة ضد الفقر، أو الظروف... إلخ، (ولهذا يصنع الفقر)، ولهذا يصنع المسارات التي تجعل الفقر قيمة مثلها مثل القيم الأخرى أولاً، ثم من بعد ذلك يدخلك إلى تلك المسارات التي تؤدي إلى ما يريده بك.
مَثَل:
لقد أصبحت تجد من يعتني بك، ويرعاك، ويخبرك كيف تعيش على نحو أفضل، وكيف ترتدي أحدث الأزياء، وكيف تزخرف منزلك، باختصار، كيف توجد.
(هنري لوفيفر – في معرض نقده الدعاية والإعلان- والتلفزيون)
العمل استعباد له ما يتعلق به، سلسلة كاملة متشابكة من المهام التي يجب القيام بها آلياً والمرتبطة بالعمل، سلسلة من الأفعال الاجتماعية المتصلة في دوال شرطية يستحيل الفكاك منها ما لم تتم معرفة اتجاه عملها أو مدى ارتباطها بنقاط تقع خارج الوعي المرئي مثلاً. لذلك ثمة ارتباط بين البعد القيمي للعمل وبين التقدم في السلم الاجتماعي، أي بين مدى الخضوع للعبودية وبين مدى الامتيازات المتحصلة بناء على درجة ذلك الخضوع. مثلما أن النظام يرتعب من حدوث (التفكك الأسري) (وهو موضوع سنلمسه في ما بعد)؛ فهو يرتعب كذلك من حدوث بطالة غير مسيطر عليها، أي خارج نطاق ما يحتاجه ويصنعه من بطالة من أجل إشباع شروط وجوده من جهة، ومن أجل تغييراته الدائمة في الترتيب والتراتبية (المكافآت) بين عناصر عمل الآلة (مقابل كل من يصعدهم النظام مكافأة لهم في السلم الاجتماعي؛ يوجد من تم إخلاء خاناتهم لأجل الوافدين الجدد، وإخلاء الخانات هذا لا يلتزم بداهة أن الجديد يوضع تماماً مكان المُزاح، بل يتم تحويل الإزاحة نحو من لا حاجة للنظام بهم، أو من يراد تخزينهم على مقربة حتى أوان الحاجة .. إلخ). ولأجل السيطرة على الوعي، تنتج الآلة خطاً متصلاً من الدوال الموجِّهة في فضاء الوعي العام والقابلة للالتقاط من قبل المستهدفين حالما يتوافر المستهدف على شيفرة مناسبة طبعت في وعيه منذ التنشئة. إنها شبكة معقدة حقاً، تصعب الإحاطة بكل خيوطها المتشابكة داخل أبعاد لا حصر لها في فضاء الوعي، تسندها آلة مادية جبارة لا ترحم ومصممة من أجل هدف واحد لا تحيد عنه: حماية النظام.

إنسان طي الكتمان (2)


محفوظ بشرى
قلنا في المقال السابق إن الذي يتحكم في اللغة يتحكم في الوعي العام، وفي معرض تأكيدنا على لا حياد اللغة استخدمنا مثالاً عبارة (رجل الشارع العادي). إن هذه العبارة تستر خلفها الكثير من المضمرات التي تسهم في توجيه وعي المُخاطب باتجاهٍ موضوع سلفاً تمهيداً لإحكام السيطرة على وعيه وترسيخ المسلمات المطلوبة ليظل – المخاطب- داخل المسار المطلوب.
وللتدقيق أكثر؛ فلنلاحظ أن هذه العبارة تفتح احتمالات عدة، فهي تعني:
1- هنالك رجل شارع غير عادي
2- هنالك رجل عادي ليس رجل شارع
3- هنالك رجل غير عادي ليس رجل شارع (من هو رجل الشارع بأي حال؟؟)
هذه بعض الاحتمالات التي أفرزها التحديد، هذا بالإضافة إلى كون أن يخاطب شخص شخصاً آخر ويتحدث معه عن ( رجل الشارع العادي)؛ فهذا يحمل دلالة غالبة يوحي بها السياق أن رجل الشارع العادي مرتبة أدنى من المخاطب والمتحدث، وهذا يدفع المخاطب للقبول اللاواعي لافتراض دونية رجل الشارع العادي أو حتى اختلافه عنه طالما تم استثناؤه، وهو ما يهيئه لقبول ما سيقول المتحدث سلفاً حتى قبل أن يقوله.
مثل أن يبدأ احدهم حديثه معك بـ شخص متعلم مثلك إلخ.. مما يضعك على الرغم من تعدد الاحتمالات داخل مسار محدد دون حتى أن تنتبه لهذا.
إن السيطرة على اللغة والتي يجيدها النظام وينافح أي محاولة من الأفراد أن يمتلكوا مثلها؛ هي الضمان الأقوى للحفاظ على سيطرته على البشر وتقويتها بما يخدم ويسير آلته كما يشتهي.
إن التحكم في الرغبات الجماعية والفردية وتوجيهها؛ يمثل إحدى الطرق التي ظلت تثبت فعاليتها على الدوام؛ ذلك أن هذا التحكم والتوجيه يستند على أرضية قوية من الغرائز التي تم كبتها وتحقيرها لتظل كالجمر الدفين قابلة للتوهج متى ما نُُفخ فيها. إن الآلة الدعائية الهائلة التي تروج لمنتجات (كمالية) تعتمد في مستوى عملها العميق على مداعبة المكبوت والمغطى ليتحول بكثرة الطرق عليه إلى محرك صغير يدير اللاوعي الذي وضع عليه النظام أقفالاً يمتلك هو مفاتيحها. فالجنس يصلح مثالاً جيداً لما نذهب إليه، كذلك نموذج الحياة المرفهة والذي غالباً ما يتم استخدامه من أجل الترويج لمنتجات غاية في الثانوية مثل بعض الأطعمة بما يوحي للمستهدف بأنه لو استخدم المنتج فقد ساوى بشكل ما بين طريقة عيشه وبين ما يراه عبر الوسيط الدعائي الذي غالباً ما يكون الصورة.
ينفق النظام الكثير من الوقت والجهد في صناعة النموذج الذي يريد أن يكون عليه البشر، النظام ممثلاً في أدواته الظاهرة كالحكومات والمؤسسات الدينية ونظم الأخلاق وغيرها. وعلى رغم الاختلاف الظاهري بين هذه الأدوات (المؤسسات) باختلاف الجغرافيا؛ إلا أن ما تطلبه هو ذات الشيء؛ ألا يخرج البشر من نطاق السيطرة، وكبح كل محاولة للرؤية من مكان مختلف. لذا نجد أن تعريف (المواطن الصالح) هو هو، في أي مكان، وكذلك تعريف المؤمن، والطيب، والمسالم. أيضاً بالضرورة أن تعريفات نقائض هذه المفردات هو ذاته في كل مكان، وهو ما يدفع للتساؤل: من أين تكتسب هذه التعريفات قيمتها وشرعيتها؟ ومن/ما أطلقها؟ ومن/ما حماها ويحميها بمؤسسة قانونية هي ذاتها يصح فيها التساؤل السابق؟
إن الدهشة لتعتري الفرد إن نظر بتفحص لكل ما يحيط به ويثقل حركته ويحجم رغباته و(يهذِّب) نزواته! وربما كان الانتباه لثقل القيود التي تثقل الفرد دافعاً لأسهل أشكال الخروج: (الجنون).

* صناعة الخطر.. صنعة السيطرة:
كما أسلفنا؛ يقتات النظام على الخوف، على الحاجة للأمن التي يصنعها عبر كل الآليات المتاحة، حتى الترفيه؛ أضاف النظام إلى دوره المطلوب؛ وهو محاصرة عملية التفكير التي سنتناولها، أقول أضاف النظام دوراً آخر للترفيه، وهو تعميق الإيمان بوجود الخطر، وتضخيمه، والإبقاء على الإحساس بفقدان الأمن حياً ويتم التذكير به عبر الوسائط الإعلامية.
إن الخطر يسمح بأن تُحكم السيطرة على من يراد تسييرهم وفقاً لمصالح لا تمت بصلة لمصالحهم الذاتية، ومن أجل أن يظل الخطر موجوداً ومهدداً لا يمكن إغفاله داخل حيز الوجود؛ ينتجه النظام على الدوام، بما يشكل صناعة تسهم فيها جميع أدواته على جميع مستويات الوعي الذاتي لدى الأفراد.
المسلسلات الدرامية، الرياضة، أفلام الكارتون، إلخ، كلها تحتوي على مركبات أولية للخطر يستخدم النظام هذه المركبات مع بعضها ليصنع وعياً موازياً يتم غرسه في عميق تربة الوعي البشري المستهدف بهذه العملية ضمن عملية كلية تقود إلى الهدف النهائي: الانقياد. ويتم كل ذلك عن طريق تحفيز ما غُرس قديماً عبر عملية التعليم وعبر سيطرة فقهاء السلطان على كل محاولات التمرد البشرية ومحاولات كسر النمط والتفكير (خارج السرب) والتي تُعد الخطر الأول على النظام وآلته الجهنمية.
إن العلاقة وثيقة بين الرضا، ونظرية الرزق المقسوم، وإعدام محمود محمد طه، واغتيال جيفارا، وغيرها من ردود أفعال النظام على الأنماط التي يجد فيها خطراً غير قابل للمعالجة. فمن أجل أن يجعلك النظام راضياً أو تسعى للرضا، فهو على استعداد لاستخدام كل الأدوات المتاحة لديه سواء أكان الدين أم قوانين الاجتماع أم التصفية الجسدية أم التصفية المعنوية وغيرها من الأدوات التي أثبتت على مدى التاريخ فعاليتها للحفاظ على المسار كما يراد له.
إلا أن أخطر ما يمسك به النظام كسوط يردع به من يفكر بالاختلاف، هو أمر متجذر بالغريزة لدى الكائن البشري: المعيشة. فسيطرة النظام على سبل كسب العيش وبالتالي تحكمه في حياة أو موت الأفراد؛ يعد أكثر الأدوات فعالية، إذ ليس من المسموح لك أن تكسب عيشك بعيداً عن سيطرة النظام، سواء أكان ذلك عبر ترسيخ المسلمة القوية باستحالة الانفصال عن بقية البشر، أم كان بالقوانين التي تطالك أينما حللت. ففي النهاية تم الإقرار بملكية (الدولة) للموارد الأساسية في الرقعة الجغرافية التي تتحرك فيها، أعني بالموارد الأساسية: الأرض، والماء، بل والشمس كذلك إن فكرت أن تخرج على سيطرة (الهيئة القومية) بصناعة كهربائك الخاصة!!
إن ما يحتاجه الإنسان في لاجدواه المريعة هذه المسماة بالحياة؛ هو أن يأكل ويشرب ويتناسل. هذا هو جوهر الوجود البشري إذا جردناه من كل ما أثقله به النظام من ثانويات حلت تدريجياً محل هذه الأساسيات، بل وصنعت – الثانويات- نظامها الخاص للحماية والذي يبين بشراسة الفرق بين (الحضارة) و(التخلف أو البدائية)، مدعوماً بنظريات تأخذ كينونتها من الميثولوجيا الدينية والاجتماعية القديمة والحديثة التي تجعل (الإنسان) مركزاً أول، منه تبدأ الأشياء وبه تنتهي.
لست أفهم لماذا وُجد الإنسان! وكل ما قيل لي من مبررات لم تشف غليل هذا السؤال، بل حتى الحرب المضادة على كل من يتساءل عن كنه هذا الوجود؛ لم تكن كافية لإماتة السؤال هذا؛ لأننا إذا استثنينا ما يفرق بين البشر فسنجد أن أولى المشتركات هي أن جميع البشر يأكلون، يشربون، يتناسلون، ويموتون! فأي شيء أكثر بديهية من أن هذا أساس الإنسان وكل ما يفعله في حياته غير هذه الأشياء هو فقط محاولة لفعل هذه الأشياء بطريقة أفضل!
لكن حتى هذه الأساسيات؛ وضع النظام عليها يده، فسيطر على الأكل والشرب، وسيطر على التناسل، وصنع من هذه السيطرة أداة للتحكم بالناس، فعليك ألا تعادي النظام لتأكل وتشرب وتتناسل، مع ملاحظة أن هذه الأمور لفعلها تحتاج إلى الأمن، الأمن الذي أقنعنا النظام أنه هو فقط من يوفره لنا.
* النظام يدجن الشعراء
كانت خطورة اللاعبين باللغة على النظام؛ تكمن في أنهم يشاطرونه السيطرة على مقاليد اللغة في الوقت الذي لم يكن النظام قادراً على إحكام السيطرة عليهم مما جعله يلجأ لمحاولة صرف انتباه الناس إلى أشياء بديلة، وهو الأمر الذي بلغ أوج نجاحه الآن، فالقنوات الفضائية وأساليب وأدوات تحصيل المعرفة البديلة للقراءة (من الكتب)؛ تشكل البديل الذي حيَّد نهائياً لاعبي اللغة (شعراء، أدباء، خطباء،... إلخ) بل وتم حصرهم داخل جدران ضيقة يتعاطون فيها ألاعيبهم اللغوية التي انصرفت إلى ما لا يهم النظام حقاً.
إن الشعراء ظلوا ولظروف تحيط بمفهوم الشعر؛ الأكثر خطراً على الأنظمة، مما حدا بآلة النظام أن تشن عليهم حرباً طويلة وهادئة أنضجت في آخر الأمر المفاهيم التي سادت عن الشعر وماهيته ولغته. أتحدث هنا عن شعراء في سياق يختلف عن محجوب شريف أو أحمد فؤاد نجم وغيرهما ممن احتوتهم أنظمة منافسة (على المستوى الثانوي) للنظام القائم، لكن في النهاية كل الأنظمة مبنية على ذات الهدف: السيطرة على الإنسان وتوجيهه بما يخدم آلة ضخمة تخدم بدورها قلة من البشر.
إن أعظم خدعة نفذها النظام كانت هي إقناع الشعراء أنهم فوق الآخرين، أنهم الأعلى، أنهم المنتجون والبقية متلقين فقط، مما أدى آخر الأمر إلى نجاح النظام في تحييد من يشاطرونه السيطرة على مقاليد اللغة وذلك بأن صرفهم لينزووا داخل شريحة ضيقة نزع عنها آليات التأثير على المحيط.
* لا تفكر.. لا تفكر
إن محاصرة عملية التفكير؛ كانت مهمة أنيطت بنظام التعليم والذي هو على علاقة معقدة بنظم أخرى ومقولات في غاية القوة مثل: التربية، الأسرة، المجتمع،...إلخ. ونظام التعليم تم توجيهه بما يخدم هذه الغاية: محاصرة التفكير، فهو مصمم تماماً لإنتاج وعي محايد في أحسن الظروف، ناهيك عن مهمته الأولى في تعطيل ملكة التفكير الحر مقابل تنمية قدرات التلقي والتفكير المضبوط وفقاً لعملية إعادة الإنتاج الممتدة التي بُنيت حول جوهر فاعل هو التلقين. في النهاية يتم ترسيخ مفاهيم الطاعة، والقبول، والرضا ضمن الوعي الفاعل لمن صنعهم نظام التعليم هذا.
إن نظام التعليم؛ وهو من الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام، مثله مثل المؤسسة القانونية والمؤسسة الدينية والتراتبية الاجتماعية، هذا النظام لا يكتفي فقط بمسخ البشر وتحويلهم إلى كائنات ذات قابلية للاستعباد؛ بل إنه يحول الفرد إلى رقيب على ذاته وعلى غيره بما يحمي النظام من أي محاولات لاختراقه، وهو دور لا ينتبه إليه أحد، طالما أن داخل كل منا (عميل) بشكل ما يمنعنا من الولوج إلى حيث لم نلج من قبل داخل حقل التفكير في ماهيات الأشياء وجدواها.
دائماً هنالك نخبة، هي التي تقرر عن الجميع ما هو صالح وما لا يجب التعرض له، هذه النخبة تراعي مصالح غامضة تؤدي إلى نتائج غامضة بالنسبة إلى السواد الأعظم، عندما تضع أو (تؤطر) أو (تقنن) ما يشكل مسارات الحركة داخل النسيج الاجتماعي المصنوع والمصمم ضد الاحتجاج، ضد الخروج، ضد الاختلاف، إذ أن الهدف الظاهري الأول الذي تحاوله أنماط السيطرة هو: التماثل! هذا في الوقت الذي تعمل آليات مضادة من أجل اللاتماثل. هذا التناقض بين الرغبة في ان يصبح البشر كلهم نسخاً من نموذج واحد كامل، والرغبة التي تشكل محركاً لتسلل (فيروسات) السيطرة إلى الوعي، وهي التميز؛ هذا التناقض يقود إلى نتائج وخلاصات تصنع الإطار الذي يعيه المسيطر عليهم، منها أن التميز مرضيٌّ عنه طالما أنه داخل حدود وسيطرة النظام، بينما التماثل غاية أسمى حينما (تتطهر) النفس من (الهوى) إلخ غبار الميثولوجيا!!
وبين هذين التناقضين، توجد القوة المثبطة التي تحفظ اتزان النظام بالنسبة إلى البشر بما يكاد أن يكون معادلة رياضية تشكل قانوناً يمكن الاعتداد به.
إن خطورة التفكير على النظام تدفعه دفعاً للتحايل على ممارسته، فإذا نظرنا إلى ما حولنا نجد ان كل غرض، كل خطاب، كل أدوات (التهذيب) والتشذيب؛ موجهة نحو إلهاء الناس عن التفكير، بل إن الأدوات الأشد عنفاً توجه لسحق ذلك النوع من التفكير الذي ينحو لاكتشاف طرق أخرى ومسارات مختلفة للعيش مما يهدد مسلمة النظام الأثيرة: نحن نعيش لأن النظام يستفيد من طريقة عيشنا. فإذا ظهر احتمال بأن تظهر طريقة مختلفة للعيش فإن النظام إما أن يحتويها ويدمجها داخل أقرب السياقات إليها، أو أن يحاربها بكل شراسته وعنفه، ولنتذكر هنا أن النظام هو من صنع العنف، وهو صانع الرعب الأول والأوحد.
* لا تتخيل.. لا تحلم
بقوة الخيال فقط؛ استطاع التفكير أن ينفلت مرات من ربقة السيطرة المطلقة للنظام، لكن حتى الذين حلموا أحلاماً (وردية) كما يقال؛ لم ينجوا من محاولات تحييدهم، جون لينون مثلاً حُيِّد بطريقة تكشف تماماً كيف يصنع النظام العنف، وكيف يوجهه بأصابع خفية. إنني لا أجد فرقاً بين قتل جون لينون، وإجبار البائعات في سوق الناقة على شراء مقاعد وأدوات من شخص بعينه، وذلك بقوة القانون مثلاً، ولا أجد فرقاً كذلك بين الخدعة الكبرى المسماة إصدار العملة، ومطاردة باعة الأرصفة الذين يبيعون بأسعار أقل من المحلات التي تغذي النظام وتسهم في تثبيته (مالياً على الأقل). إن كل أدوات النظام وأذرعه تحمي امتيازات ومصالح بعضهم، لكن.. من هم هؤلاء الـ(بعضهم)؟
دائماً أنا مجبر، مجبر على العمل، مجبر على التفكير في ما لا معنى له بالنسبة لي، مجبر على الحذر، مجبر على التذمر، مجبر على كل شيء! ولماذا كل ذلك؟ لأن هنالك من يستفيد من كل الأشياء التي أنا مجبر على القيام بها. وإن رفضت؟ حينها تتوجه الآلة الهائلة نحوي. قد يتهمون الخارجين على النظام بالتمرد، أو بالجنون، أو بالزندقة، إلخ، وذلك تمهيداً لعزل العناصر التي يخشى أن تؤثر على عناصر أخرى بما يصنع خطراً على النظام.
* لا تستيقظ.. وإلا..
منذ الأسئلة الطفولية الأولى التي تعرض من يسألها للضرب؛ وحتى الأسئلة الناضجة بكآبتها الخانقة والتي تعرض من يسألها للحذف؛ مشوار طويل يقضيه المرء محاولاً مقاومة النوم الذي يدعو إليه كل ما حوله. مطلوب منك ألا تستيقظ، عندها تصبح مواطناً صالحاً، وشخصاً ناجحاً، وصاحب (سيرة عطرة)، بل ربما تمت ترقيتك لتصبح من تروس آلة النظام الأكبر، وربما سُمح لك أن تشكل نظامك الخاص الصغير الذي يرضي رغبتك الذاتية ويسهم في ذات الوقت في ضخ دماء جديدة على آلة النظام ككل، بل ربما سمح لك ان تشكل مؤسسة داعمة للنظام، أو أن تصبح جزءاً من مؤسسة قائمة بسلطة كبيرة. كل هذه إغراءات لتظل نائماً، أما إذا استيقظت؛ عندها سيحاربك النظام، سيحاربك عملاء النظام الذين يحتلون أجساد نسيجك الاجتماعي الصغير، العملاء الذين يسكنون جسد أبيك، وجسد أمك، وأختك، وأخيك، وصديقك، كلهم يرسل إليك الرسائل لتعود إلى (الطريق القويم)، مستخدمين الأسلحة الناعمة في البدء: الحنان، الخوف عليك، توظيف القيم المعنوية كالأبوة والصداقة والأمومة، بعدها ينتقلون إلى أسلحة أقوى: المقاطعة، العزل، تغيير المعاملة، وكل هذا قبل أن يسلموك إلى المجتمع، الذي سيسلمك إلى المؤسسة القانونية، وعندها ستكتشف كم كان النوم مريحاً وأنت تقترب من الحذف أو العزل سواء بالقتل أو السجن.
ما حاولنا تحسسه؛ لا يزيد عن كونه وصف سطحي عابر لآلة تطحن بلا توقف. قد تكون هذه رؤيتي لوحدي، وربما أحس بها غيري، وربما أكرر ما قيل سلفاً بطريقة أخرى، كل هذه احتمالات لا تلغي في ظني محاولة الولوج إلى تعقيد الآلة، إلى النظام وأدواته، والنظر إلى كل ذلك بعين الريبة.
فلنتذكر هابيل وقابيل، داود، الحروب، الحرية، ولنلمس إلى أي مدى كان النظام دائماً هو صانع العنف، هو مانح الامان واللاأمان في ذات الوقت. ولنفكر أكثر من مرة: أين تذهب قوة عملي؟ وعلى ماذا أحصل مقابلها؟ إن الحياة هي الحق الوحيد، فلماذا أُسلب هذا الحق إلا بمقابل؟ ولماذا تُحدد حياتي سلفاً كأنها نسخة من حياة أخرى؟ لماذا لا أستطيع فعل كل ما أريد؟ لماذا أواجه بالتعقيدات في كل شؤوني التي تتقاطع مع أذرع النظام؟
هذه أسئلة عفوية، بسيطة، ساذجة لفرط بداهتها، ولكن..
* أخيراً..
أي قوة للكلمة!
قد ينظر ناظرون إلى كلمة (تخدش) وكأن بها نتوءات شريرة لم يلحقها التهذيب أو تجاوزها أبو اللسان الأول، ذلك الذي وضع نطفة اللغة في رحم الوعي لتخرج شجرةً يستظلها طير المعنى مفرخاً كل ساعة أشكالاً من المجاز والكناية والبلاغات بأبوابها تاركاً لمن ادعى بذر البذرة الأصل نبشه عن الجذور التي إن وصلها قتل الشجرة.
من يخاف اللغة؛ يخاف عقله.
من يهذبون اللغة؛ يختنونها، لا يقتلون ما يوصف.
من يظنون؛ ينسون أن الظن كيمياء بحاجة إلى الكلمة ليدركوا ماذا يعتريهم عندها.
كل ما يقال، ما يكتب، ما يفكر فيه، كله تكرار الإشارات ذاتها بصعوبة زائدة في انتظار ميلادها لتعفر وجهها بصوت الوطن.
الكلمات وطن اللغة، تولد فيه بعد أن كانت تجول في تيه بلا أبعاد، وبلا كينونة.
المعنى الظل؛ وما لا ظل له لا بقاء له.
* أخيراً جداً..
Imagine there's no countries
It isn't hard to do
Nothing to kill or die for
And no religion too
Imagine all the people
Living life in peace...
(John Lennon- imagine)



إنسان طي الكتمان


محفوظ بشرى
لم أستطع حتى اللحظة؛ هضم الأسباب والمبررات لوجود السلطة، أنا أتحدث عن السلطة بإطلاقها، سلطة النظام، وليس عن (الحيكومة) مثلاً وأذرعها وأدواتها التي تمارس بها السلطة. أقول إنني لم أستطع فهم ضرورة السلطة، ولم أجد تفسيراً مريحاً لوضع أن بعض البشر يتحكمون في بشر آخرين، بدعاوى مختلفة تدور حول حاجة البشر لمن ينظم أمور حياتهم ويمنع تعديهم على بعضهم.
الشيء الوحيد الذي خطر على عقلي القاصر عن بلوغ المرامي البعيدة للأمر؛ أن السلطة هي سيطرة قلة على الغالبية من أجل مصالح هؤلاء القلة. هذا بتبسيط شديد.
هنالك دائماً من هم أرفع منزلة، من يسنون القوانين التي يفصلونها بحسب احتياجاتهم، من يصنعون الذوق العام، الموضة، الاتجاه العام للتفكير الجمعي. هؤلاء هم الذين بيدهم السلطة، هم من يحددون من هو (الحرامي) ومن هو (الشريف)، هم من يحددون ما هو (الخادش) وما (المتسق)، وكل ذلك بناء على تعريفهم  لهذه المفاهيم، والذي تحميه أدوات وأذرع مادية ومعنوية تشكل كلها آلة هائلة، موضع المسيطر عليهم فيها موضع التروس الصغيرة التي تعمل دون أن تعرف ما الذي تنتجه الآلة ولا إلى أين تتجه.
دعونا ننظر إلى بعض أنواع السلطة، ودعونا نكتشف إلى أي مدى صرنا مدجنين لحماية مصالح وامتيازات فئة مسيطرة نخضع لها دون وعي، ونخدمها دون أن نحس بذلك.

يظل العرف الاجتماعي سلطة نموذجية يمكن النظر فيها لمعرفة كيف هو بنيان السلطة المطلقة للنظام، التي يشكل العرف جزءاً من آلتها، فالعرف الاجتماعي سلطة مركبة؛ إذ أنها تحمي وجودها بمقولاتٍ إما أنها غير قابلة للاختبار؛ أو لا يُسمح باختبارها. بمعنى أن هذه المقولات تشكل في مستوى من مستوياتها منطقة مسيجة بالمحاذير التي تجعل الاقتراب منها ودراستها أمراً شائكاً وعلى شيء من الصعوبة، بينما على مستوى آخر تشكل ذات المقولات تابوهات دينية أو عرفية ذات بنية أسطورية عدائية وصارمة في التعامل مع من يحاول الاقتراب منها.
وكمثال: المقدس غير القابل للنقاش؛ غالباً ما يكون هو المقدس الذي له تأثير مباشر على استقرار نمط العيش، أو يلمس بشكل ما سلطة النظام وذلك بالكشف عن احتمالات جديدة تجعل من الذين يقع عليهم القهر أكثر من أدوات تُستخدم لحماية فئات مسيطرة. إذ أن هنالك مقدسات لا تمس تلك الآلة الهائلة التي أشرنا إليها؛ وبالتالي من المسموح للبعض بالنبش فيها.
إن المجتمع هو خط الدفاع الأول القاعدي عن سلطة البعض، فإذا تجاوزه أحدهم؛ فسيجد في وجهه الخط الثاني، القانون، وإذا تجاوز القانون – وهذا لا يكاد لا يحدث – فسيجد الخط الثالث، القوة، والتي ليس من المرجح أن يفلت من تصفيتها له، وإذا أفلت؛ فسيجد أمامه خطوط دفاع أخرى أقواها الخط الأخير، وهو أن يتم استيعاب الوافد الجديد داخل الآلة بصورة أخرى يظن أنها أفضل له، وهو أمر مدعوم منذ البداية بمفاهيم كونت لديه بالتعليم والإعلام الموجهين ضده، فيصبح هو ذاته ضمن الفئة التي تحرك الأمور.
لو نظرنا إلى السلطة الواقعة علينا، أو بعضها، فسنفاجأ بهذا القهر الثقيل الذي نحمله على أكتافنا، وكمثال: سلطة الدولة، وقانونها،والتي تحدد لك من تكون، وبيدها سحب شرعية وجودك ذاته إن شاءت، وتحدد لك ماذا تأكل وماذا تشرب وماذا تلبس ومتى تنام وماذا تتعلم وكيف تنجب ...إلخ. ثم سلطة المجتمع التي تفرض عليك كيف تتحدث وفيم تفكر، وكيف تسير، ومن تتزوج وكيف، ...إلخ، ثم سلطة الأب، والأخ الأكبر، والأم، والأسرة، وهذه سلطة عاطفية بشكل كبير.
وهذه السلطات كلها متداخلة ببعضها إذ أنها في مجموعها تشكل الآلة التي نتحدث عنها،النظام، وهي مكملة لبعضها، وكل منها تمتلك أدواتها التي تفرض بها رؤيتها لما يجب أن يكونه الفرد الواحد، مدعومة بسياق كامل وقوي من المقولات والمفاهيم والأعراف والبنى الأسطورية التي تسيج كل ذلك وتمنحه اسماً وتمنح الفرد في الوقت ذاته إحساساً بالرضا لانتمائه لهذا النسيج، بل يحس الفرد بالرضا عندما يؤدي واجبه في خدمة هذه الآلة التي يستفيد منها قلة من البشر.

منذ أن يولد الإنسان؛ يضع (النظام) يده عليه؛ يحقنه بالمفاهيم الأولية عن ضرورة السلطة لحمايته، ولأن النظام مصمم أصلاً ليحتاج الفرد دائماً لآخر يحميه؛ لذا فإن التجارب الأولى للطفل مع التنمر والتحرش ممن هو أقوى منه؛ ترسخ لديه صدق المقولات التي تكرس لضرورة وجود السلطة والنظام، فلنتذكر أن النظام هو صاحب السهم الأعلى في صنع النزعة العدائية، ولنفكر في احتمالات أن العداء ذاته حتى لو كان طبيعة بشرية تماماً فهذا لا يعني أن النظام هو الحل الوحيد للحماية منه.
يدخل الطفل إلى المدرسة، والتي تشكل (مصنعاً) أولياً لصنع التروس التي تحتاجها الآلة، كما تشكل كذلك مصنعاً للفوضى اللازمة لخلق شرط بقاء ذات الآلة. فالمدرسة هي التي تصنع من سيصيرون يوماً ضمن الفئة المسيطرة، ومن سيصيرون تروساً لآلة هذه الفئة، ومن سيصبحون خارج النظام لتأكيد الحاجة للنظام في حماية نسق الحياة منهم. إن المجرمين، والخارجين على القانون،والمجانين، والمرضى النفسيين، وأشباههم من الفئات خارج الاتساق العام؛ كلهم يصنعون بقصدية صارمة كجزء لا بد منه لوجود النظام، كوقود لآلة السيطرة الضخمة، ولهدف آخر على قدر من الأهمية، وهو أنهم يشكلون السبب الظاهر  لمشروعية النظام، وهو السبب الذي يتم توجيه النظر إليه إعلامياً ليغطي على الأسباب الحقيقية لوجود النظام.
ليس للنظام مركز محدد يشكل بؤرة التحكم، بل هو مثل الجسد متعدد الأرؤس، لكن كل أجزائه تعي أن من واجبها حماية الأجزاء الأخرى.
ثمة علاقة لا تنفصم بين (الدولة)، و(المعتقدات)، و(العرف الاجتماعي)، و(الأعيان). إن مُس أحد هذه المكونات؛ تحركت أذرع السلطة على الفور للدفاع عنه، إذ أن سلامة أي جزء هي سلامة للأجزاء الأخرى.

في المدرسة؛ يبدأ تلقين التلاميذ منذ البداية أهمية التراتبية، وأهمية العمل، واحترام التقاليد. ويستمر المنهج التربوي في تشكيل وتكوين تلك العجينة المرنة لتصبح في نهاية الأمر مشكلة بما يخدم من يقبعون في قمة الهرم. عندما ينتهي الفرد من مراحله التعليمية يكون طموحه ألا يصبح خارجاً على الاجتماع، وفي ذات الوقت يوارب له باب الحلم بأن يحصل على المميزات التي يتمتع بها من هم في القمة الاجتماعية. وهذا يخلق تناقضاً غير خلاق، يجعل من الفرد أداة سهلة القياد باتجاه ما يريده الذي يتحكم بها. فالناظر إلى أحلام من أكملوا (تعليمهم)؛ يجدها لا تخرج عما تم غرسه في أذهانهم منذ وقت مبكر عن ما هو (النموذج) الذي يجب أن يتطلعوا لأن يكونوه! هنا يبدأ الفرد بمحاولة (الترقي) في السلم الاجتماعي، من غير أن ينظر إلى ما يوجد أسفله، فقط ينظر إلى الأعلى، دون أن يملك أدنى فرصة ليرى أنه ترس في آلة وجدت لخدمة البعض على حساب البعض الآخر.

إن أخطر ما في السلطة؛ هو مقدرتها على التخفي، فأنت لا تكاد تنتبه إلى أن كل ما تظنه خيارك تم اختياره لك منذ وقت مبكر، ولا تكاد تنتبه كذلك إلى أن الطريق الذي تسير فيه تم وضعك عليه و(تسييرك) دون أن يكون لك رأي في هذا,
فدائماً ما نجد عدة أوجه للسلطة، لا نرى (أو لا يُسمح لنا أن نرى) إلا وجهاً واحداً، وهو على الأغلب الوجه الذي يحمل شبهة أننا نستفيد منه بصورة ما، فأنت ترى الشرطة، ولكن لا ترى من خلف الشرطة، ترى الجيش، ولا ترى من خلف الجيش، أي بعبارة أخرى أنك ترى الأذرع، ولكن من غير المسموح لك أن ترى الوجه أو الجسد الذي يملك تلك الأذرع.

يقتات النظام على الخوف، دائماً الخوف، خوف مباشر من العنف مثلاً، أو خوف كامن، من المستقبل مثلاً. إن النظام يدرك جيداً أن الخوف يمثل شرط وجوده؛ لذلك ليس من مصلحته أن يقضي على الخوف، ولا أن يعالج مسبباته؛ يجب أن تظل الحاجة لوجود النظام وآلته القاهرة حية، وعلى الناس استشعار حاجتهم للنظام دائماً، وهو الأمر الذي يجعل من النظام أكبر مفرِّخ للخوف وعدم الأمن.
وإن كان الخوف هو الوقود الذي يجعل النظام حياً؛ فإن النظام بسيطرته على حياة البشر مباشرة يكسب شيئين: أولهما أنه يصنع أسباب ودوافع العنف بتحكمه في (المال) وتوزيعه، بحيث يضمن دائماً وجود من يملكون مقابل من لا يملكون. الشيء الثاني الذي يكسبه النظام؛ هو حفاظه على استقرار العلاقة بينه وبقية المستغلين (بالفتح)، إذ أنه من يعطي الأشياء الضرورية لحياة البشر قيمتها مقابل أوراق يسميها النقود! إذن فعلى كل من يرغب بضمان عيشه أن يلتزم بالنظام، أو لن يكون أمامه إلا الخيار الآخر، أن يكون خارجاً عليه، وهو أمر كما أسلفنا يستفيد منه النظام كذلك.

هنالك مكافآت يقدمها النظام لمن يؤمن به، ويدافع عنه. وهذه المكافآت لا تقتصر على الجانب المادي والرفاهية فقط، بل أهم من ذلك؛ إذ أن النظام يمنح البعض صك الدخول إليه والذي يترتب عليه  مقدار من السلطة الممنوحة لأولئك الذين تقدموا باعترافاتهم الرمزية بالنظام وتم قبولها. وكمثال على ذلك؛ إن الذي يتقدم لنيل درجة الدكتوراه؛ يقدم فروض طاعته للنظام، وتتمثل في التزامه المنهج (المتعارف) عليه للحصول على هذه (الدرجة)، والتي يعني منحها له؛ مقداراً من السلطة (المعرفية) أو (العلمية). إذن هي علاقة تبادل بين النظام ومن يتقدمون بطلبات عضوية رمزية للدخول إليه، هم يدافعون عنه، وهو يمنحهم سلطة أنهم (يعرفون) أكثر من غيرهم عن حقل ما، ما يجعلهم (مرجعية) في هذا الحقل.
والأمثلة مثل هذا كثيرة لو أمعنا النظر فيها، لكن تبقى العلاقة بين النظام وسلطته؛ وبين الأفراد الرافضين أو الراغبين هي ذاتها.
من بين السلطات المتخفية كذلك؛ سلطة البداهة! فأن تقول (رجل الشارع العادي) مثلاً؛ تحيل إلى بداهة لا يتوقف عندها المرء كثيراً ليرى كيف تتجلى السلطة القاهرة في هذه العبارة البسيطة. ومثلها كثير، بل إن أول ما أحكم النظام سيطرته عليه هو اللغة، خالقاً منها أداة أخرى لتعزيز سيطرته وفرض سلطته على تلك التروس التي تحر ك آلته الهائلة بما يحقق مصالحه وبما يحمي امتيازاته، ممن؟ من هذه التروس ذاتها!!

قيل قديماً إن من لا يجيد اللعبة الاجتماعية سيصبح إما شاعراً أو ثائراً أو مريضاً نفسياً. وهذه العبارة إلى حد ما صحيحة، فلو نظرنا إلى هؤلاء الثلاثة؛ فسنجد أنهم يمثلون شكلاً من أشكال الخروج على النظام، وللنظام أسلوبه في نعت كل منهم بصفة توضح مدى خطورته، فغالباً ما يُنعت الشاعر (بالتهويم) بمعنى أنه منفصل عن الواقع أو (مثالي)، أما الثائر؛ فينعت بوضوح بالتمرد أو العمالة أو الكفر أو الزندقة، وهي كلها إشارات توضح وجوب القضاء عليه، أما المريض النفسي؛ فيتم عزله ببساطة عندما يُطلق عليه اسم (مجنون)!
كل  هذه الوسائل؛ هي ببساطة سياجات لحماية وجود النظام مثلما أوضحنا في البداية، لكن أهم سياج يحمي النظام؛ هو ما اصطلح عليه بـ(عنف الدولة)، إذ أن النظام يمنح نفسه الحق في أخذ حياة من يشكلون خطراً على وجوده؛ هذا من جانب؛ كذلك الحق في أخذ حياة صانعي الخوف من أجله، وذلك كي يُري أنه يقوم بواجبه في الحماية، وأن الحماية لا تزال مطلوبة، أي أن الفكاك من ربقة سلطة النظام أمر غير وارد ضمن آلياته.

اللغة غير محايدة؛ وهذا يجعلها تصلح أن تكون أداة بيد من يحسن السيطرة عليها، وتحضرني هنا قصة الخطاب الذي أرسله عبد الحميد كاتب مروان الحمار؛ إلى قائد الثوار أبي مسلم الخراساني؛ والذي كان هو ذاته كاتباً يعرف جيداً مدى قوة تأثير الكلمة مما حدا به أن يحرق الخطاب قبل قراءته. لكنني أتحدث هنا عن مستوى آخر للغة، ذلك المستوى الذي تصير فيه أداة تعريفية، أو إقصائية، أو ذات أبعاد خادعة تعمل على تغييب الوعي عن طريق خطاب مرسِّخ للمسلمات المراد ترسيخها. بعبارة أخرى؛ إن من يتحكم في وظيفة اللغة؛ يتحكم في الوعي العام. من هنا ركز النظام من نشأته الأولى البدائية؛ قبل سموه فوق مفهوم (الدولة) القديم؛ على إحكام قبضته على اللغة، ثم المعرفة، مما أتاح له التمكن من مخادعة الوعي الجمعي لينصرف عن حاجاته الأساسية وحقه في الحصول عليها؛ إلى حاجات بديلة لا تشكل تهديداً حقيقياً للحياة حال عدم الحصول عليها.

إن الإعلام هو الذراع الناعمة للنظام، هو من يصنع الصورة البديلة التي ننظر إليها وننشغل بها عن الصورة الحقيقية، وفي سبيل هذا؛ دُجنت الفنون، ووسائل الترفيه، والإعلانات، كل ذلك بمصاحبة (رشة ملح) خفيفة للتعمية، وإظهار أن هنالك وجهات نظر أخرى.
ولا اختلاف بين (المسلسل) وما يبثه من مفاهيم ورسائل؛ وبين (كتابي الأول) الذي كان يدرس في وقت ما هنا، والذي يشبه دعاية (لوكس)، في الترسيخ للمفهوم الكامن في العقل عن الجمال والرفاهية ونموذج الحياة الكاملة.
إن كثيراً ممن يتحلقون كل مساء أمام شاشات التلفاز؛ أو يقرأون الصحيفة الرياضية بلذة؛ لا يعون أنهم يدخلون قسراً إلى عالم افتراضي بديل، مصمم بعناية لإشباع الحاجات النفسية بما يطفئ فتيل أي ثورة يمكن أن تشتعل في النفس حال الانتباه إلى جفاف العالم الحقيقي، عالم من أهم وظائفه منح الرضا للجميع، فالرضا يظل هو الهدف الأسمى الذي يحاول النظام أن يغرسه في النفوس، سواء أكان ذلك بالنصوص، أم بالترفيه، أو أي وسيلة أخرى تحقق التنفيس لتلك الآلة البشرية.
إن مفاهيم الخير والشر؛ تم التلاعب بها بحذق بحيث صار الشر مرتبطاً بالعصيان والخروج، فكل من يقوم بممارسات من شأنها بدء تمرد وسط (التروس)؛ يوصم بأنه شرير. وكل من يحافظ على ثبات قوانين النظام؛ هو بالضرورة خيِّر. وهذا الإبدال أقصى جوهر النظرة للخير والشر؛ الذي كان يقوم على النظر لمدى الإضرار بالآخرين، وفقاً لمعادلة تعتمد حركة التغير والتطور الحتمي الذي تصنعه حركة التاريخ.
بقي أن نقول إن الرغبات الدفينة التي تنفجر من حين إلى آخر، والتي تتخذ عدة أشكال (تنفيسية) مثل أن تشجع فريقاً ما بجنون، وبما يشبه حالة من الإيمان؛ وغير ذلك من أشكال الإدمان (العاداتي) المنتشرة بكثرة وسط الاجتماع البشري- كلها تعبر عن حاجة مفقودة لدى الفرد، وفوق فقدانها فهي تقع داخل بعد تم اجتثاثه من نظام التفكير المدجن الذي خضع إليه الجميع (تقريباً)، الأمر الذي يجعلها غائبة و(غير معرَّفة) –إذا استعرنا اللغة الحاسوبية- مما يشوش على الوعي الذي يحاول معالجتها بتوجيه هذه الطاقة (غير المعرفة) باتجاه اعتقاد ما، أو رغبة تحقق لذة تكفي للتغطية على إشارات التشويش تلك. وعلى كل حال، إن أعظم ما نجح فيه النظام، هو خلق رقيب ذاتي ينوب عنه في التحكم باتجاهات التفكير لدى الأفراد دون أن ينتبهوا حتى إلى الآلية (المدهشة) التي يقفزون بها فجأة إلى نهايات محسومة لكل التساؤلات التي تفلت أحياناً من القبضة الفولاذية للنظام.
خلاصة ما أراه؛ أن هنالك من يستغلونني لتتوفر لهم حياة رخية بلا جهد، وهم فوق استغلالهم لي؛ يخدعونني بأن استغلالي هو واجب مقدس عليّ تأديته. ثم بعد كل ذلك يقفون بالمرصاد لأي محاولة مني للفكاك من هذا الاستعباد. غير مسموح لي أن أختار، فقد تم الاختيار سلفاً نيابة عني. غير مسموح لي بالتساؤل؛ فقد صيغت كل الإجابات من قبل مولدي. ليس مسموحاً لي أن أحيا كما أريد، فقد حُددت مهام حياتي مسبقاً!
هذا هو الحال، وربما أسوأ، فما أكتبه ليس أكثر من تحسس لقفل باب يؤدي إلى بلاد العجائب.
فلنقف قليلاً لنفكر في المبررات التي تم تلقيننا إياها عن لماذا نفعل ما نفعله بهذه الطريقة، ولنفكر قليلاً في النقود، السلطة، التقاليد، الشرف، النزاهة، السرقة، القتل، العنف،... إلخ المفاهيم والمقولات التي تحدد مسارات حيواتنا، ولنفكر: هل النهايات التي تؤدي إليها طريقة عيشنا؛ هي النهايات التي نرغبها بالفعل؛ أم إنها التي يراد لنا أن نرغب فيها؟

والذي يعرف أحمد..

محفوظ بشرى

(والعشب النحيل ذو الملمس الخشن/ يجلس في الصفوف الأخيرة/ لا يصفق لأحد/ ولا يذكره أحد في خطبة الوداع)
- عاطف خيري -
كم بعيد كل ذلك! عبر خصاص الذاكرة؛ يغويني الانسلال إلى نهارات الجنوبي ذات الأزيز الناضج، ذلك الذي يدبغ الأذنين باحتمالات سماع مفتوحة على كل أفق. قد يقولون عنه إنه جنوبي الثورات الأسطورية الميتة، وجنوبي العشاق المنكسرين، وجنوبي الشعر المرتاح وملاحم الانتخابات، جنوبي: شبشة، هيثم عمر، البلولة، مجدي بحر، سارة محيي الدين، الطيب الشريف، النيجيري، دكوك. مصنع السياسيين الذين افترسهم الإحباط قبل نضجهم، والشعراء قبل أن تسحقهم ممكنات الوجود. قد يقولون كل ذلك، وأكثر؛ لكنه يظل عندي جنوبي أحمد.
أحمد محمد حمدنا الله محمد أحمد، الاسم المقروء من الجانبين، الرمز الذي يخبئ خلفه أفضل ما أنتجت الجزيرة: الولد الهادئ، بصوته ذي الارتعاشات الخفيضة، والبطء المريح لمخارج الكلمات. العينان النفاذتان، كما السيف؛ تخترقان، توحيان بفطنة مرعبة وتزلزل.
لم أدر أوان تساؤلاتي المكبوتة التي أرسلها بالنظرات إلى الطيب الشريف؛ عن هذا الولد النحيل الصامت الذي يطرأ على طقس الغرفة 1×2 بداخلية البركل؛ فجأة، وبانسلال يفوق المباغتة، أنه سيصير أقرب من دمي إليّ. يلتقيه الطيب، يتبادلان حديثاً لا يعدو كلمات متناثرة، يغرق بعدها الولد النحيل في الصمت وعيناه اليقظتان تتابعان تفاصيل ما يجري مهما بلغت تفاهته؛ كان يقرأ الوجوه، يتابع حركات الأيدي التي تصاحب الكلام، لا يبتسم للدعابات الخشنة التي ينثرها ساكنو الغرفة في ما بينهم، ثم فجأة ينسل.
كان الجنوبي على اتساعه ضيقاً، لا مجال لدخول وافد جديد إلى مجتمعاته المغلقة دون أن يتم تمحيصه؛ لدواعٍ تتعلق بالتهجس الأمني في المقام الأول، وبالريبة التي هي الطابع العام للمكان، لذا ظل هذا الولد – الذي سيصير فيما بعد أهم من أثروا في كيف أرى- ظل لغزاً، لا سيما والطيب لم يشف غليلي بما يكفي عنه.
- اقعد معاه.. زول كويس.
لم أدر لمَ عليّ ذلك، بل لم أبد فضولاً لذلك بعدما عرفت أنه (زول كويس)، إذ كان هذا يكفي لتبديد تشككي غير المبرر تجاهه.
وفي نهار من نهارات الجنوبي النموذجية؛ صادفني، بادرني بالحديث، كان صوته خافتاً للغاية ولا يوحي البتة بما سيكون عليه بعد ذلك وهو يهدر بالـ(كولنج) داعياً إلى أركان النقاش والمخاطبات، مستخدماً قوة عارضة ذاكرته لاستدعاء مطولات حميد والقدّال وشعراء آخرين.
لا أذكر عن أي أمر تحدثنا، لكن أذكر ارتياحي إليه، أذكر دهشتي حين قرأ عليّ بعض ما كتب، أذكر ذاكرته النارية وهي تستدعي ما قيل في الكتب بنصه، ثم أذكر تلك البراعة المتناهية في التحليل والتعليق على الأفكار، أذكر قدرته في الوصول إلى المرامي البعيدة، وأذكر عينيه اللتين كان بإمكانهما اختراق فولاذ العقل؛ فتحس به يتجول داخل وعيك وبين طبقات نفسك.
الذي يعرف أحمد؛ أحد اثنين: إما ممتن لما فعله هذا الولد النحيل الذكي به وبطريقة تفكيره في الأشياء؛ وإما متجاهل لحقيقة أن هنالك من كان يسمى أحمد؛ مرّ على حياته بما أثر عليها ربما إلى الأبد.
الذي يعرف أحمد لا بد أن يتذكره وهو يشرح ما استعصى مما تحمله الكتب، أو يهدئ النفوس ويطفئ ما اشتعل من نيران بين الأصدقاء، أو بين الأحباء.
سريعاً انتقلنا للسكن سوية، ثم عبر سنوات من ذلك النهار الضاج؛ صرنا لا نفترق، يحمي كل منا ظهر الآخر، ننام معاً، نأكل معاً، بل ونفكر معاً. صرنا أقرب حتى إنه ليمر علينا اليوم بطوله دون أن نتبادل كلمة واحدة، لكن إن غاب أحدنا؛ أحس الآخر بنقصانٍ مؤلم. تحاورنا في كل شيء، في الدنيا والكون والدين والماركسية والأدب، وصلنا إلى نهايات مغلقة عدة مرات، لكننا كنا نعيد الكرة مرة أخرى. كان متديناً، يصلي خلفه من كان (يمسح بهم الأرض) قبل سويعات في ركن نقاش هو المتحدث فيه. كان واضحاً، يخافه من يقدسون المجاملات. كان واثقاً، إذ يبتسم أو يضحك؛ يحس الآخرون بأنهم أمام من يفوقهم عمراً وتجربة.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف كيف كان يشحذ تفكير الآخرين تجاه أي أمر ببساطة، بسهولة تدهش.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف ماذا يعني الإنسان، ماذا يعني الالتزام الأخلاقي، ماذا يعني العمق،ماذا يعني قبول الآخر، ماذا يعني تسخير ما تمتلك لخدمة الغير.
كأكثر مجتمعات الطلاب التي تعشعش فيها السياسة؛ لم يكن الجنوبي ذا مناخ يساعد على التعمق في المعاني الإنسانية الأكثر بعداً من مجرد روابط القربى البديلة، بين الزملاء، الأشقاء، الرفاق، الإخوان، أولاد وبنات الدفعة، إلخ. كان أحمد نشازاً وسط نفي كل جماعة لأخواتها، كانت له علاقات (بينية) تخترق الأسوار التي تضعها كل مجموعة حول ذاتها، حول كيانها-أعضائها.
كان الجنوبي هو الشعر في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، عدد يتناسل يومياً من الشعراء، أجيال مرت بالجنوبي وسمعنا الحكايات عن أفرادها، لكن في تلك الأيام، كان هناك الكثيرون،بعضهم من الجنوبي بحكم مكان الدراسة، وبعضهم وكأنهم يدرسون في الجنوبي كثرة ما يوجدون فيه: أحمد عبد الغفار، مصطفى عبد الله، هاشم يوسف، محمد إبراهيم، أيمن خليفة، مأمون التلب، أحمد الكباشي، أحمد محمد حمدنا الله، محمد حسن الدابي، عبد الرحيم حسن حمد النيل (أبو ذكرى)، وليد عوض، وغيرهم.
كنا نتلمس الطرق العمياء التي ستخرجنا من مشابهة غيرنا، وتخرجنا من أسر الحبيبات وهتافية الشكوى، إلا هو؛ كان يكتب وكأنما يصف تفاصيل لا ننتبه إليها،يغرق في الاختلاف، يحلل – كعادته – ما بين الجملة والجملة من تضاد، يلعب على تناقضات اللغة، على مفاجآت تتوقعها؛ لكنها في النهاية تخيب ظنك. لفترة ليست بالقليلة، ظللت أجد رائحته في ما نكتب ويكتبون، جنباً إلى جنب مع رائحتي درويش ودنقل الفاقعتين، أجد رائحة قصصه القصيرة في أشعارنا، أجد رائحة شعره في قصصي القصيرة، أجد رائحة دعاباته النقدية في كيف أفكر.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف (أكتينيا)، و(مليودراما رحلة ذكر النحل الأخيرة)، و(مقطع للبحر والغموض)، وغيرها من نصوصه الباكرة التي كانت بعيدة بمراحل عدة عن ما نحاول كتابته.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف (تفكيك آليات الخطاب المضاد)، وتنظيراته حول الطوطم والتابو لفرويد، ونقده اللاذع لنزعات حسين مروة المادية،يعرف كيف أن أحمد وهو يقرأ بسرعة تقليب الصفحات؛ يستطيع أن يسافر في تناقضات الكاتب غير البينة من أجل أن يعيد قراءة ما يختفي بين السطور.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف قدرته الماورائية على قراءة ما تخفيه النفوس، يعرف قدرته على إيجاد حلول باردة لسخونة المشاكل.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف كيف كان، يعرف ما الذي يحدث في الفضاء الكهربائي بينه وبين من يحاوره من شرارات إيجابية تمتص العنف والتعنت في الرأي، وتحويل النقاش إلى تبادل هادئ للآراء بدلاً من تحوله إلى منافسة بين أطراف على أحدها الربح.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف:
(جيفارا من يا صديقي/ وأبي في الستين/ لا زال يشعل النار في الموقد/ وينتظرني في العام القادم/ لأحضر الثقاب).
الذي يعرف أحمد؛ يعرف البنت التي (... كانت كقطةٍ مشوَّشة/ وكنتُ اللبن المسكوب على خط الأفق)، يعرف أن الليل كان سجادة زرقاء؛ وأحمد؛ كان المصلي الوحيد.
في شتاءات الجنوبي الغائمة؛ رفقة بدر الدين يس؛ الثوري الحالم، بجيفاريته الطفولية، وإحساسه الرقيق حد أن تُبكيه أغنية، مثلما يُبكيه مرأى الأطفال الذين يمسحون الأحذية، في تلك الشتاءات الطويلة التي تفرق بين المرء وصديقه؛ كنا نلتمس الدفء من بعضنا، نتماسك في وجه الضلالات السياسية غير الناضجة، نتآمر لصالح مناخ أكثر نقاء. يقرأ علينا أحمد ما تيسر من شعر، يدندن بدر الدين بما يجرح من غناء يحيل إلى الإضاءات الشحيحة في عتمة إنسانية غائبة، نقتلع احتمالاتنا من بين أضراس الفناء، نسخر من الحكمة العدمية للـ(سناير) الذين ينحنون كلما هددتهم عاصفة، يؤنسنا فهم عميق لخيباتنا، لقحل ما وراء النهايات، لضآلتنا فينا.
كان أحمد متكأ من ناءت به أوزار وجوده، من يبحث عن اتزان يبقيه على مقربة من الأشياء. صخرة أصدقائه، المستمع الأفضل، الناصح بلين، المؤاسي بلطف، الهميم كما ينبغي، الحسَّاس، القريب حين الحاجة، والمنجد في الملمات.
(... السلال، كيف تعول نفسها من الخواء)
إذ يقارع الحجة بالحجة؛ يكون فناناً يلعب باللغة، يصقل المنطق بالإيضاح، يستدعي مخزوناً لا ينضب من التفاصيل الصغيرة، يُعمل إبرة الديالكتيك رفواً في القطع المتناثرة، يعيد خياطة ما تقطّع بفعل مقص المسلمات، يقترح زوايا مغايرة للنظر. إذ يفعل كل ذلك؛ يتعلم الآخرون معنى أن تدقق في التفاصيل، أن تراها، تضعها في أماكن هي ذاتها ليست ثابتة، أن تواكب التحركات وتتوقعها.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف كيف (قلبوا) له ظهر المجن، تناسوه وكأن لم يكن، دفنوه، ودفنوا معه كل عوراتهم وما اطلع عليه من أوجههم التي كشفوها لديه حين ضعفٍ مثلما يكشف المضطر عورته أمام طبيب.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف كم كثر هم من يدينون له بما هم عليه من اتزان.
الذي يعرف أحمد؛ يعرف معنى الصبر.
أخيراً: الذي يعرف أحمد؛ يعرف من يكون.
(كنتُ موجوداً أوان البدء/ لم يفتني غير شدو العاصفة/ وأناشيد البراكين البريئة/ و.. قبلات الرياح
حينها_ إن لم تخني الذاكرة _/ كنتُ أولم للأعزاء/ فضيحتي وقريحتي/ والحب../ والآن/ لا شيء هنا/ لا شيء هناك..)
- شبشة -