الأحد، 18 سبتمبر، 2011

أشياء "غميسة"


1
يحيلني صديقي حسام الكتيابي إلى لغة أخرى "غميسة" يحاولها بكامل قلقه الذي أراه تجاه ما يسود باحثاً عن أراضٍ ذات طعوم غريبة، حين يقول: "والشاعر كالرسام/ يطير بريشة واحدة/ يدفن الدلالة حيةً في الكلام"، أو: "لسوء حظ الأرض/ لا شمس تجري من الجنوب للشمال".
إن تفكيراً في مثل هذا الخروج، يحفز غدداً أماتتها العادية وتكرار النماذج والقوالب التي ما إن تبدأ التحول حتى تتقولب من جديد.
"غميسٌ" هو الحفر أعمق، ما يجعل البشري يحاول إبدال الصور المعتادة بصور صادمة، لغة تعلِّب عدائيتها للقارئ بين حروفها. يقول حسام: "أنت تسيئين استعمالي"؛ عبارة تكسر القالب فقط بما يحيل إليه الضمير (أنتِ). ولكن "أغمس" ما أثارني لديه كان قوله: "أعدني إلى رئتيك/ أو فافلتيني أيتها النساء السابعة/ إلى النساء الدنيا".
2
مثل حسام، تولد في كل لحظة آلاف التركيبات والقوالب المختلفة، ينطق بها الآلاف في مئات اللغات، لكن سرعان ما تتبخر تحت وطأة شمس المعتاد، وغير الخارج على نظام اللغة.
أحب ابتكار المفردات، لذا – أذكر – عندما مرت عليّ مفردة "أَنْهَرَ" من النهر التي تقابل "أَبْحَرَ" من البحر؛ كادت تجتازني معرفة بكيف تفتل ألياف اللغة حبلاً كيف الذي أردت، لكن "قيد المنطق" سرعان ما اتكأ على إشراقة ظللت أحاولها منذها وإلى الآن.
أن تصنع مفردة جديدة، ويفهمها من يسمعها من أول مرة؛ ذلك نصر لا يفوقه إلا اكتشاف سر اللغة ذاتها. واللغة "غميسة" طالما لم تتحرر من افتراضات الصواب والخطأ وأن تعرض كل ما تسمع أو تقرأ على آلة الفحص التي تنظر في مطابقة ما عرض عليها للصواب الافتراضي أو الخطأ الذي هو كذلك.
3
ثمة لغة أخرى خلف كل لغة، أعرف ذلك، وأعرف أن ثمة سراً للغة يجعل من يعرفه يسبح خلف المعنى وخلف الدلالة وخلف الرمز حتى إنه ليقول ما يقول من دون أن يحتاج الأمر إلى معنى بعينه ثابت بل حسب موقع الكلام من الحدث أو شيء من هذا القبيل.
أحياناً يكون "الغميس" في اللغة كونها غير كافية لتقوم بمهام الناقل، إذ تُدخل المحاول أحياناً إلى كهف قد يفتح عليه ذكريات منسية من غروبات نهرية في سن الرابعة مثلاً، أي أن اللغة غير الكافية للنقل قد تنشط الذاكرة بحثاً عن ابتكار يشبه ابتكارات الطفولة وفتوحاتها اللغوية بإرسالك إلى القديم بروائحه وألوانه ودهشته التي تصيب بالارتعاش. لكن برغم ذلك ثمة ما يجعل اللغة  ضمن المسهمين في تَليُّف اللسان حين تعجز عن اقتناص نحت أو ابتكار مفردة  تغنيك عن هذا العرض الجانبي للغة: الإيصال.
4
أحياناً حين تفجؤني مودة غامضة إلى ما كنته في حيوات أخرى، أشعر بأنني أحاول انتشال روح "غميسة" تكمن بين طيات جلدي وروحي المستحدثة. يكاد قلبي يثب وأنا أفكر في أن هذا ربما كان ممكناً.
شكراً صديقي حسام الكتيابي وأنت تذكرني بذواتي الأخرى:
" ضعي العناق في النار
ضعينا على بعضنا
ساندويتش حنين".



الأحد، 11 سبتمبر، 2011

مونولوج


1
إنه الذعر مطفأً وعلى دينونةٍ كما تنشب العاطفةَ الأرضُ باخضرارٍ يتمم ما يُهرَبُ منه. إنه الليل يتفشى كالنعت في جسد اللغة. هو ما ادَّخرت في العبور السريع إلى  حتف المسائل؛ إلى مقولات الخلاص الباردة؛ إلى المتوكأ عليه في التظالع البسيط، حينما الركض، خارجياً على مِلّةٍ تعبق في التزاوجات المُعابِثةِ روحاً من نسيج الرمل في تضاد التماسك.
إنه الباقي، وأثر المجهول من تساؤلٍ مجنَّحٍ، وعبارة لا تخترق المعنى ولا تحطم مرتكزات السؤال.
إياه.. سائط كل شيء أمامه إلى أمامه، والقاهر للمدركات.
مِنه.. اللغاة الحاذقون، ربَّاطَة السرد، مضببو المعنى، وحاكلو التجلي في مدنوت العبث؛ هادمو الوصف، الحاسرون دفء اغتلامهم بفيزياء التنفس جهراً، على مقربة من ظلام المجاز.
منه.. تكرارهم، وُعُورتهم، جلافة النطق، وَلْغَاتٌ فسيحة كما بواطي التلقي، كما الانزلاق إلى ثنائية اللعبة.
عليه.. مُحَابرتهم على ميادينٍ رديئةٍ، قصد التكوُّن في قرفصاء الاختلاج المبتدأ.

2
اللسان.. اغتراف البداهة إلى نطقها، أعني اللسان الذي يخفيه اللسان؛ محرِّك الطعام والكلمات وذائق الغريب مما تبتلعه غيابة الجسد، هو اللسان المانح - لولا الأُذن - للمتخلقات جذور وجودها، وللمعاني أصول كبوتها على مسار الفهم، إذ تحاول أن تكون.
اللسان يعني ما خلفه، يعني الوعي في تجليه بشراً سوياً، لن تعتريه رهبة كونه صورة ما يختزن وعيُ آخرٍ؛ إلا أن تأتيه نزعة الإفراط في القبوع خلف معنى المعنى، يطرد أمامه بهائم الإشارات ما إن تلوح سحابةُ أنّ في تعقيد ما يعني؛ طريق إلى حيث يعيش الكلام.
مُذْعِراً رصّة اللغة؛ يتسحَّب اللسان بين بروزات ما يمسك بكينونات تتساقط مساميرها حين كل مضغةٍ لجديد. مغيِّماً على أرض ثلجية لا تُمسَك إلا ويحترق الماسك ببرودة كل ذاك الفناء المثلَّج، ذاك النشوء الافتراضي لكون البشري بشرياً.. ويموت أيضاً!
إن يموت اللسان- ليس كتلة العضل اللذيذة للاحمين؛ ذلك الذي أعني- لَتَنْهار صورة ما رَسَم في الحركة الدائبة منه ملوناً بفرشاته (النطق) ما يبدو بلونيه الأبيض والأسود وكأنه خرج للتو من حلم مجلة كوميك قديمة.. هي الحياة ما لا أعرفها، ولكن يسمي لساني كل شيء فيها، يطلق عليها النكات، ويطهرها بطعمٍ كمن يبدأ الركض لأول المرات.
3
 أي مجد هذا لمن تكلّم! طوبى لمن كان لسانه بحيرة، مشرباً، طريقاً لمن تفكَّر في كيف أن المُرتقي يفصل بينه وبين ما/من ارتقى عنهم بصوت تتحكم فيه آلته فيصنع المعنى، فتبدأ الدورات نحو خلود يُستطاب!
لشدّ ما ابتعد الذي في ذعره ضوء يخيف؛ من أفرع الأشياء نحو ذبالة ما تشهّاه الذي من فوقه ويشير عليه به.
4
لستُ إلا لساني.. وليس لساني سواي
لست غير خوفي.. صوت خوفي.. رنة صوت خوفي.. صقيع رنة صوت خوفي... لست سوى سواي.
5
لا أحب لساني.