الخميس، 14 مارس، 2013

اختبار بصيرة الأعمى



حوار مع الشاعر كمال عمر، نشر في أبريل 2010م بمناسبة صدور كتاب (سائس أعمى)؛ بصحيفتي (السوداني) و(الأخبار).

* من غير (هل)؛ يقتات الشاعر على جرحٍ، ألمٍ، قدرة مفقودة على الاتزان.. من غير (هل) مرة أخرى.. الشاعر غير المجروح؛ شاعر جائع؟
- برغم أزلية الجرح، واستحكامات الغريزة: المجروح منزلةٌ تتشيَّد بالألم. وغالباً ما يبقى المجروح دلواً للأنين حيناً؛ والصراخ حيناً آخر، والذرف أحياناً كثيرة. نعم؛ الجرح/الألم؛ مادة ثرَّة لوقود الشعر، لكن الاقتيات عليه يحبس الشعرية في منزلة المرئي منكوب اللغة، والتنصت المستديم لأدنى نتحة في الجرح؛ للإمساك بسرها، يحبسها عن منابع الخيال، المتدفقة بالحيوات. والمجروح المتألم هو متوالَد المتمرد/ المتحدي/ الغاضب/ النائح/ المعترض. أما الجائع؛ فهولٌ آخر، هذا اليبدأ بالتهام الحياة/الأشكال /المعاني/الموضوعات/وحتى الجروح؛ ثم لا يأبه للمغزى، بل لغريزة التطلب؛ فيبدأ بخلق حيواته، أقواته، بعدة الخيال الماهرة. والجائع طفلٌ أساءه الدلال، بكّاء، هو المخترِق الكبير الذي لا يضاهَى، وأعشقه. المخترق الذي لا يبحث عن مقابلِ ماذا، أو ضد ماذا. بل هو الذاهب للـ ما بعد، للـ ما وراء، السالك أرض الـ ما بين، ودروبها المجهولة؛ لورود البحيرات الشاسعة ما وراء كل تخم. هذا حبيبي، أكثر من كل آخر، حيث تفاجئك الشعرية على أيٍّ من هيئاتها.
* لغتك تلعب بخشونة، جفاف حادّ يخترق وعيي بنص (كمال)، أمن شيء يرطب تلك القوة (الغاشمة) تجاه شريك الكتابة (القارئ)؟
- من جهة، دعني أنطلق من موقعٍ يخصني بوصفي كاتبَ النصّ: "سائس أعمى"، وتحت هذا أسرِّب عدم استساغتي فكرة أن (النص يكتبني) المغرقة في سلب الإرادة تلك؛ فأتساءل إذن: أبعد "كل هذا"؛ يبحث القارئ عن مرطبات مدلوقة على قوة النصوص قبالته؟ والـ "كل هذا" هذه؛ تضم الكثير محتشداً، الذي دافع عن شكل وجوده بصورة متكررة؛ حتى أصبح دفاعه؛ والسؤال عن منطق وجوده؛ مملَّيْن.
من جهة أخرى: ربما تمظهُر ما تسميه بـ "جفاف حاد"، أو "قوة غاشمة"، كأقسى ما يكون، في نصوص "سائس أعمى"، لا أبعد، كما آمل؛ هو في ما أعتقد بسبب أن أغلب نصوصه كتبت تحت وطأة ألم كبير، ووعي مؤلم بصيرورات ومآلات كنت أحياها. أعتقد أنني كنت أحاول إحداث أكبر قدر من الإيلام؛ إيلام اللغة، والقارئ المحتمل، أنت تعرف مثل انتقامات الكتَّاب تلك، في أجواء المرارات التي يحياها كائن يقيم في هذا الوطن، مع كل الأهوال التي تعصف به: هناك غبن كبير، وصراخ حاد مكتوم، وآلام رهيبة، مما ترغب النفس في دلقه. وللمفارقة أقول: إن "سائس أعمى" تعرَّض إلى عملية تلطيف كبيرة، وعلى مدى لغوي واسع؛ من أجل لجم جفافه الحارق، وأنت ما تزال تشعر به جافاً! أنا كنت أريده مؤلماً أكثر، جافاً، وحارقاً أكثر، ولكنها الرحمة الشعرية.
وللمفارقة أيضاًَ -وربما ذات المغزى- أنني كرهت "سائس أعمى" إلى درجة أن لم أستطع قراءته وهو كتاب، حتى يومي هذا؛ ربما بسبب الكثير الذي لا يعجبني، ولا يمتعني فيه، الذي رغبت، وحاولت تجاوزه في نصوص أخر. هذه المفارقة قد تدلف بنا إلى حديثي عن الكتابة، من موقع المجروح في سؤالك السابق، وإلى مغزى الحديث عن أشياء مثل: الجفاف اللغوي، القوة الغاشمة... الخ. وربما يعود إلى أمور الرفقة العادية بين الكاتب ونصوصه.
* درافير.. أنيال.. أهوال تعتري حياة اللغة لديك، نحتٌ مفاجئ، صور مظلمة في انسرابها بين أصابع العقل.. ما الذي يحدث؟
 - الأمر في جانبٍ يتعلق بمنح نفسك الحرية المطلقة أثناء الكتابة، وإتاحة هذه الحرية لتتغذى عليها كل الكائنات التي تتحشَّد بالنص. وفي جانب آخر يتعلق بالانجرافات الهائلة التي تحدث -أيضاً أثناء التنصُّص- في حياة الرموز أثناء ذلك، ففي خضم الاستغراق الكتابي؛ يصبح من العادي أن تواجَه بأحد الحروف الجارة/العلة/الناصبة... الخ، وهو يقف أمامك محتداً، رافضاً، ومطالباً بكمال الذاتية ـ التذويت، كأي اسم متعارف، بما يمنح التنوين، والتعريف بالألف واللام، وبناء سيرة موقع كامل الخطاب؛ من موقف الذاتية المكتملة. يصبح من المعتاد كذلك أن تواجَه بلفظٍ/كلمة، ترفض تماماً أن تنصرف على درب السيبويهيين وأمثالهم، دفاعاً عن جمالها الخاص، فتختار لنفسها جسداً/تصريفاً مختلفاً وكامل الجدة، ما يكسبها مشهداً جمالياً يعْقِد لسان النشوة ذاتها. بديهي أن إلى جانب هذه الانجرافات؛ هناك اللغة النائمة، المنتظرة، أو المتحركة في الظلال المظلمة، فبقيت بعيدة عن القواميس الكتابية المتداولة. ودعنا نقول: إن اللسان السوداني مذهل في ما يرد عنه من معالجات وأفاعيل باللغة، تستحق الانتباه، إذ تجد صيغاً للجمع، وللنسب، ولمختلف التصاريف؛ هي من الإبداع بما يدهش حقاً، وبما يمنح المبدعين دروساً في الإمكانات الحركية والحرة، اشتغالاً داخل اللغة.
من جانب آخر، هناك أثر الهندسة، والرياضيات؛ في جانب معالجتي لتراكيبي اللغوية، ومسألة سكّ الكلمات، ونحتها، حتى لأعترف أنني لا أطمئن إلى كلمة منحوتة، جاهزة، قبل أن أعرِّضها لكل الاحتمالات، والتصاريف، والتصاريف المقارنة؛ قبل أن أختار ما يقع جمالياً عندي، ولكنني برغم هذا الأثر أظل متوتراً؛ خشية تجاوز حدود المخاطرة؛ بتحويل المسألة إلى معمل لغوي، وما يمكن أن يحدثه ذلك من أثر سيئ ومدمر أحياناً على النص في النهاية.
* سياسة.. موقف سيا-حياتي، وعي أيديولوجي يخالسني كقارئ، حياة بكاملها (خلاء)، مزامير هنا وهناك، صدى دوبيت غامض.. ما بك؟
 - في عام 1990 كنت عضواً في فرقة مسرحية، وأنا على عتبة المرحلة الثانوية. ما حدث بعدها أن الفرقة تم تشتيتها، وحوربت في واحد من تمظهرات أيديولوجيا النظام الجديد وقتها. هذا الحادث؛ وما توالد عنه من إحساس مرير بالظلم، وإهانة قيمة الحياة؛ كان كافياً لمدِّي بالوعي المباشر، عما يمكن للسياسي أن يفعله بالمجال الفني/الأدبي. وكان كافياً كذلك لدفعي للاهتمام بالسياسي، الموجود سلفاً في المحيط الأسري القريب.  لا سيما أن المسرح مثَّل وقتها مدخلاً مذهلاً بحق؛ لاكتشاف الذات، وإمتاعها،
لذا؛ ربما لا أزال واقعاً تحت سطوة التيارات الصراعية، وهي - في ما أعتقد - واحد من تأثيرات صيرورة الورطة السودانية المستحكمة منذ وقت طويل. فأنا من جيل نشأ وعاش عنفوان شبابه تحت سطوة نظام سياسي لا تفلت منه الحريات إلا تسرُّباً، إن أفلحت! ربما من هنا بدأ تسلسل انوجاد (السيا-حياتي) وتشعبه، حتى صرت أسير دواماته المتلاحقة.
 ومن جهة أخرى؛ أنا سليل البداوة. شببت بأحد أرياف السوكي، بالنيل الأزرق، وتشربتُ تراث الريف، والبادية السودانية، واختلاطات الألسن بالطبيعة. كما واتتني الفرصة لاحقاً لأجوب تقريباً كل ركن في هذه الأرض السودانية الشاسعة، فانعطنتُ - وحتى الآن – بالأعاجيب، من: لسان، وأدب، وطرائق تفكير، وتراث، وتاريخ، وأهوال لا تأبه لشيء سوى نفسها. إن كان في السائس صدى لمزامير، أو دوبيت، أو غيره، الكثير كما أظن؛ فهو الصدى لما أعجز حتى الآن عن التعبير عنه، أو صوغه مما تضج وتحتشد به هذه الأرض التي أنا مِنْ عَطَنِها.
أما الخلاء؛ فهو - بما يفوق بأكوانٍ - المساءلة هنا، عن عواءات الحياة. إنه عشق الحياة قبل التخريب، والأبديات المستعصمة بقداستها. والخلاء بعد ذلك منسرباً إلى كل الجزيئات، و:
كل مدينةٍ خلاءُ ذاتها
وثمة –دائماً- ذئبٌ وحيد.
* أأردت قتل نصٍّ بنشره، أم إسماع صوتك لفضاءٍ أصمّ، أم هي التقاليد: تكتب – تنشر؟ أعني: ماذا يساوي الكتاب؟
- أردت له حياة جديدة، بعد أن عاشني حيناً طويلاً، وعاش وحيداً، مبعثراً بين الأدراج حيناً أطول، ولكنني أردت منحه حياة كاملة مستقلة بعيداً عني. أردت له الألم كما تألمت، والإهمال كما أُهملت، والعزلة كما انعزلتُ، وأن يجرِّب الحبَّ، والعشق، والإهانة، والحنين الممض. أردت له أن يتذوق مرارة الوجود بين آخرين، والحياة بينهم. أردت منحه فرصة أن يختار، أعني: أعطيته حريته واستقلاله. وسأقف - ليس جانباً، وليس بمعزلٍ، وليس معه - لأعرفه من جديد، لألتقيه (آخر).
* كمال عمر.. هل لحياتك حدود؟
- هذا سؤالٌ عنيف، ومهدِّدٌ، ومصاغ بطريقة: حسنٌ، والآن بدون تأتأة؛ أجب وأوجز!! ولكنني لكي أجيبك؛ أحتاج أن أدرك ذاتي قبلاً؛ كي أفكر بحدودها، ثم إن لعبة الحدود تتضمن ثنائيات، من شاكلة: الداخل/الخارج، أو الشيء وضده، أو الإمكان/الاستحالة، وحتى الآن أتحاشى السقوط في إدراكي كنه ذاتي وفق هذه الثنائيات، ومَوْقَعةَ وجودي في إطارها.
اتساقاً مع هذا؛ ستجدني أتساءل: وما الحدود؟ ما احتمالية الحدود في الأعمى، مثلاً؟ لأن هذا الأعمى؛ هو واحد من كينوناتي الحية، المتعددة، المتجددة! سأسألني: هل أتحدد بجسدي، بطاقاتي الحية، وفعالياتي العليا، والإحساس، أو درجة التغيُّر النبضي الحادث في ذراتٍ كونية لا أراها، ولا أدرك معادلات اتصالها بذراتي، ولا بخيوط الإدراكات الكونية الشاملة؟ وكيف سأمتلك القدرة على التيقن من آخر مدى وصلته رجفةٌ حدثت بفعل نشوةٍ أصابتني، أو أصابت كائناً اتَّصلَ؟
هل لحياتي حدود؟ أنا لا أعرف. لم أفكر بهذا من قبل، ولا أمتلك جزماً بماهية الحدود، ولا بمواقعها. ولكن يمكنني أن أحدثك عني: أنا كائن لا يكتفي. أنا ملل عضال. أنا قلق لا ينفد. وأنا أمَّالٌ حتى أصغر نخاعٍ في ساق المستقبل الراكض حولي، وأمامي، ومن خلفي؛ لذا تجدني أكولة مستعصية. ولكننى أيضاً محضُ ذرَّةٍ صغيرة أمام هذا العملاق الكوني، تشغلني وتهجسني العلائق، والتأثيرات المتكثِّرة، ونسبيتي الضئيلة؛ في مقابل الكمون الكوني الكبير، الذي يمنحني فرصة في استثارة ذراتي. وكما ذكرت قبلاً؛ تشغلني الاختراقات، آفة الحدود المستعصية. يذهلني المخترِق المبثوث في كل مادةٍ ومفهوم، الذي لا يهدأ حتى يدمِّر، ولا يقيم إلا في حركته الدائمة، خلال جزيئات الكائن/المفهوم، وإمكاناته. أحاول أن أموضعه في مكانِ الأساسيّ من صيرورتي؛ لأقول لنفسي كل حين: حسناً وأي اختراقٍ سيعبر بي هذا؟
إذن؛ أين أموضع الحدود، يا حبيبى، وفق هذا؟ وعطفاً على السؤال: ما حياتي؟ وأين تقيم؟
* طيِّب، إذا فتحتَ عينيك؛ ماذا ترى، قبل – بعد؟
 - جميعهم انهماكٌ في الحَوْكِ.
* لن أسألك عن النشر، ولا عن كتابك، ولكنني سأسأل عن الروح: كيف اعترتك رغبة صلبة كهذي؛ فأتممت على ما تفعله النعمة؛ فكان السائس الأعمى يقودك/تقوده وسط تلك الصور؟
- كتبتُ "سائس أعمى"، وغيره كُثر، لكنه كان من/ما حُظي بالنعمة. ولقد تخليت عنه كثيراً وسط الطريق، مثل أي لقيط، ولكن روحان كانتا تخيمان دائماً علينا، نحن الاثنين، وتعيداننا إلى المأوى، تانك هما: محمد الصادق الحاج، ومازن مصطفى. فلولاهما -جازماً أقول - لما اكتمل سائساً كما هو الآن. لذا فالسائس هو ابن روح جمعاء، منها ماتَظَلَّل به كما ذكرت، أو ما تسرَّب عبر كل صورة وكلمة، أو أثرٍ ضَمَّهُ، أو أوحى به الكتاب: روح الجبل، والحقل، والأنيال، والدرافير، والعواءات، والأداريب، وقساوة العشق، وخيباته المريرة، وجروحه المتفتحة دوماً و.. و.. هذه هي من أتمت النعمةَ على وجودِها؛ فاشتكلت سائساً أعمى.
* أهو أمرٌ مهم أن تغامر بإظهارك عارياً، أن تتكبد (الكتاب) كله في كامل السفور أمام الأعين؟ لماذا هذا القلق؟
- الكتابُ تعبُ النصوص من وحدتها. تعب الكاتب من مجالدة/إيذاء روحه وحده. ومن ناحية أخرى: يأسه التام من كفايته روحه شهوتها من الألم. لربما تكتنف الأمر بعض الاشتهاءات الغامضة، والمتعالقة، ولكن الكتاب تالياً؛ التكبد الأقسى، هو في لحظات الكتابة، وفي الحياة بالكتابة، أما الكتاب؛ فأراه عناءً هيناً إزاء المكابدة الحقيقية، آناء خلقه. لا أعتقد أن كاتباً أحرقته الكتابة يأبه، يرهب، أو ينحرج؛ لمرآه سافراً، عارياً، أمام الأعين؛ لأنه سيكون قد تعرى قبلها طويلاً، بالألم.
* تَغْمُضُ أحياناً معاني ومجازات رؤيتك، حتى أخالها من أدكن البقع فيك أتت، ماذا حدث للسهولة؟ أنا لا أقصد المباشرة، ألم تعد تكفي – السهولة – لتُرى/لتريك/لنرى؟
- حسنٌ، أنا لا أعتقد أن السهولة تكفي لتريني، ولا تكفي ليدركني آخر. ولا أعرف إن كانت السهولة هي الحل لمن لا يرى/يتذوق/في الشعر، إلا ما طفح فوق السطح الوجِل. هل عليّ أن أقول كل ذلك الكلام الممل، والمكرر، عن التعقيد، والتعدد، والتفتت، والتحطمات، والانكسارات التي صارت طابعاً لحياتنا؟ أنا – بالطبع - لا أقول إن الشعر هو انعكاس لهذا الكون المادي الذي نحياه بشكل مباشر، لكن على الأقل حين تكون هذه مواصفات حياتي وأبعادها؛ فكيف يطلب مني أحدهم أن أرمي بها جانبا! بسبب ذائقته الرهيفة التي لا تقوى على الغموض؟ كيف يمكنني أن أنزعها وأرمي بها جانباً ثم أتبسَّط وأسهُل؟ أن أرتَدّ هكذا، مرة واحدة، كائناً سهلاً قريب المنال؟ لا يا صديقي، السهولة لا تكفي حتى لتمرداتي. لا تكفيني لأتماهى مع نصي لو أردت. لم تعد تكفيني، ولا أظنها ستكفي كل هذه الحيوات المتأيِّنة، على الأقل هذا ما أنا عليه الآن. ثم أقولها صريحة: القارئ الذي لا يريد أن يُتعب روحه، ولا وقت لديه للذهاب أبعد من التعابير المتداولة، والألفاظ المألوفة؛ الذي لا صبر عنده لسبر النص الراقد أمامه، وليس لديه شغف الولوج إلى ما وراء الغامض، الداكن، للإمساك بالغنيمة الكائنة عميقاً؛ هذا ليس من أعنيه بالقارئ، حين أتحدث عن الشعر. وهو ليس من أعنيه حين أنتظر حياة نص أكتبُه.
* هل أنت أكثر نظافة الآن مما كنت عليه؟
- يا إلهي يا محفوظ! هل كان الشعر يوماً هو محلول النظافة الكوني؟ ماكينة الغسيل –لمهما كان؟ لا أعتقد أن الشعراء من خلال كتابتهم يبحثون عن النظافة! هل نحن بصدد أخلاقية ما، في الفن؟ أو حديث عن الصالح والسيئ؟ ربما هناك من يعتقد هذا- ولكن لا أرى أن هذا في حسبان الشاعر. ربما هذا من شأن الديانات، ونحن متعودون على تداول مفهوم الطهر في الحياة الدينية. ولكن درب الفن آخر، ليس التطهر من الحياة هو ما يسلكه الفن، وعلى العكس، ربما كان الاتساخ بكل ذرات الكون هو مسعاه - إن جاز لي استخدام كلمات نظافة/اتساخ - من أجل العثور على الحياة الأكثر غنىً، والأشد ألقاً وجمالاً والكون الأكثر أبعاداً. ترى؛ هل كان رجال/نساء قادتهم حياة الكتابة نحو الانتهاء إلى الجنون والاضطرابات النفسية، والتحطم الجسدي، والانتحار، أو الاعتزال، وما إلى ذلك من سيرة النصَّاصين: هل كان هؤلاء أبداً يبتغون النظافة! هل انتهوا إليها في تحطمهم الأخير؟
* بعد دخولك (النظام) بتقديمك (طلب عضوية) رمزي – الكتاب- أنفهم أن (كمال) ليس ضد النظام؟ وأين إذن تذهب (الهيبية) الفاقعة التي تعتري أجزاء من متن نصك؟ أين الاحتجاج؟
- ومن الذي عرَّف/حدَّد النظام يا محفوظ؟ من منح نفسه هذه المرتبة؟ كل هذه الأرتال من المشافهة، وصارت الكتابة/الكاتب، هي/هو النظام!!؟ يا فرحي. هل حقاً أكملنا تحقيق اشتراطات الصيرورة الدريدية؛ فصار النظام عندنا هو الكتاب؟ هل النظام هو حكم السائد؟ إذن هل هو المقيم بالأدراج أوراقاً مبعثرة، أم هو الكتب مطبوعة في تمامها؟ وأين تقيم الاحتجاجية: في اللامرئي أوراقاً مبعثرة طي أدراجها، أم الصارخ كتلة مارقة في السَهَلَة؟ وهل نحن بصدد احتجاجية ضدٍّ؛ عَبْرَ الأدوات، أم عبر ما يعتمل في، وبالنصوص؟ استدراكاً لن أقلل من قيمة الشكل/الأداة بحد ذاته بوصفه فاعلاً احتجاجياً، ولكن مفاهيم من شاكلة: الاحتجاج، والاحتجاجية، والهيبية، تتضمن غايات ومآلات وأهداف لتتحقق. إذن تتبادر إلى الذهن تساؤلات عن ماهيات مثل: الفعالية. وعن أفضل ما يمكن تقديمه لأجل حياة النصوص.
ويا صاحبي، أنا لا أحب هيبية الغائب.
* عطفاً على ذات السؤال: الشاعر- الحزب/الأيديولوجيات المتضادة أم (المتفقة؟) - ما بك؟ أتريد أن تكون الكل المطلق أم ماذا؟ ماذا يحدث بك؟ لا أقصد حياتك بالمعنى المتعارف، ولكن، ألا تلقي هذه الأيديولوجيا والنظم والقواعد؛ بكلكلها على (كلك)، على ما يخرج منه إليك، وإلينا؟
- طبعا تُلقِي. أنا –هل للأسف- مركَّب من الأيديولوجيات المتضادة، المتناقضة، المتفاعلة، في هذه الذات. أنا أعتنق أيديولوجيا ما يعرف بالخدمة المدنية – موظف - بكل مفاهيمها، وقيودها، وتحديداتها، ورؤاها، وأفعالها، وأفاعيلها، بطريقة تمضغ مفهومي للحرية يوماً وراء يوم، وتقتات عليه بلا هوادة، وأنا واقع تماماً في سجنها. وأنا غارق في أيديولوجيا الهندسة، حتى أنفقت جل حياتي أتحدد بها، وأتحرك في أفقها، وأستمد الكثير من متعي عبر رؤاها، وقوانينها، وتمظهراتها، وفلسفتها. وهناك الأيديولوجيا المنشغلة بالتحرك في حقل الفعالية السياسية، ومخرجاتها، وآليات عملها، من أحزاب أو أي تشكلات أخرى تتصل بها، وأنا منشغل بما تجره أفاعيل السياسة على هذه الأرض الحبيبة، فلا أقوى على الابتعاد عن ميادين الفعل المباشر في سوحها، وبالتالي تموقعي داخل إطار فعلٍ أتحرك وفق نظام أفكاره وبرامجه. وهكذا يا صديقي، بقدر ما أتوق إلى التحلل من تحرشات وتعكيرات كل هذه النظم من الأفكار؛ أجدني حتى الآن، وبشرط وجودي على هذه الأرض، وما يستبطن ذلك من أسئلة حول هذا الوجود؛ مشاركاً في ميادين فعله. وهذه النظم والقيود والأنساق، والحياة المباشرة، وصراعاتها الآنية، وفق آنية أغلبها معوق للحرية الفردية، شاغل عن الفردنة؛ بالفعل تلقي عليَّ بالكلاكل كلها، وربما لولاها لما كان السائس أعمى، ولا جافاً خشناً لا طعم له مثل "قَرْش الثلج". أنا أدرك أني أحيا اللافكاك التوَّاق، حتى الآن.
* هب أني لا أعرفك؛ وقرأت العنوان (سائس أعمى..)؛ ما احتمال أن أقرأك بعماء الدلالة، إسقاطها على ذات جاهزة (كمال عمر)؟ أوَ لا يؤثر ذلك على قراءتي لك، التي ستؤثر ربما على قراءتك لك؟
- حسنٌ، حتى الآن سائس أعمى هو: جفاف حاد بحاجة إلى الترطيب اللغوي، أو هو قوة لغوية غاشمة كما تقول هنا، أو هو مثل "قرش التلج" كما يقول صديقي بكري البقاري، ولا أكتمك أنني رأيته في حينٍ آخر مثل "خرط الحديد". إذن هل بقي لأي مطَّلعٍ على هذا الحوار احتمال مقاربة هذا الأعمى، ويتشبث؟!
بقيت الضآلة كلها، وتكفيني حتى الازدحام. ولكن أيضاً علينا أن نكون أكثر حذراً، فأنت لم تعرفني، وأنت أعمى كالسائس ذاته، وثمة فسحة للتشكيك بـ "ذات جاهزة" هذه، وفسحة لتسريب لذة عبر القوة الغاشمة، لذة ولو من نصيب المنحرفين، وهناك ما يثير بالثلج لدرجة الرغبة بقَرْشِه، وهناك سائسٌ أعمى ويتشبث بالمضي. من هؤلاء تتسرب الضآلة التي عنيت. هو المنطق معكوساً، أو الـ خِلال، أو الـ ما بيْن. هذا هو مَسْرَبُ الضآلة الذي أنشد. هذا هو احتمالنا.
* كيف تراك حين تسمع صوتك، حين تقرأ/ تلقي/ تنشد؟ هل تجد أن أمراً ما تغيَّر بين الصوت، والورق، وما تختزنه عن النص فيك؟
- ربما بإمكان المرء تذكُّر أيام الانتشاءات الكبرى والباكرة، المرتبطة بسماع صوتك الباطن، الغائر، وهو يخرج محمولاً على ترددات وأنغام تبدو حتى غريبة باختلاجاتها واعتمالاتها. وحين يقف المرء الآن؛ يدرك كم كان ذلك مثيراً، وغنياً بتعقيدات لا نهائية، من حضور الذات وغيابها، ومن الهنا/الهناك الوجودي، ومن حشودات الآخرين، الـ هُمْ، والأنوات. ذلك الذهول والإحساس بالامتلاء حد الرغبة في الصراخ المتواصل؛ من شدة أفاعيل الـ فيك، يقودك إليه أثرٌ هو النص الجالس بين يديك ساعتها.
 الآن وبرغم أنني نادراً ما ألقيت شعراً لأعيش تجربة صوتي الشعري هذه مجدداً؛ إلا أنك تعرف، أنك تقرأ في هذه الحال ذواتك المقيمة داخل النص. وتقرأ معها مواجهتك لاكتشافاتك المتجلية كتابةً التي لم تحسَبها. وهي توقدك مرة إثر أخرى. أعرف أن المسألة الأساسية تتعلق بالصوت، صوتك الخاص، وليس أي صوت آخر من الطبيعة، محملاً بك وبالمارق منك في النص. بالطبع يعتبر الجزء الأعظم من التاريخ الشعري هو تاريخ المُنشدين/المُلقين العظام؛ بسبب سيادة الشفاهية، وإن انحسرت هذه المكانة المنبرية لمصلحة الكِتاب/الكتابة، وبسبب تموقعات أخرى، وتأثرات بالإيقاعات المختلفة للشعري.

الأحد، 3 مارس، 2013

النظر إلى الذات في مرآة الآخر


حوار مع د. الباقر العفيف عام 2008 أجراه أحمد النشادر ومحفوظ بشرى لصحيفة (الأحداث) ونشر في ثلاث حلقات

ونحن نتلمّس بالأسئلة طريقاً إلى عالمه الفكري، حاملين معنا حدسنا عن الحيز الذي يحتله داخل منظومتي التفكير والسياسة في المشهد السوداني الحديث؛ عرفنا كيف تكمن صعوبة محاورة د.الباقر العفيف، خلال ذلك التشعب الذي يقودك إليه عبر دهاليز التاريخ وفخاخ السياسة، مما يجعل كل الأشياء مترابطة بشكل لا فكاك منه. حول الهوية وأزمتها، حول قضايا الحرب والثقافة والتاريخ، حول ثنائية المثقف والسياسي، حول المفاهيم وتعريفاتها؛ كانت أسئلة هذا الحوار خائضة في بحار المسكوت عنه وما لا يقال إلا همساً إن قيل.


* بدايةً، هل يصح أن نقول إن مشروع د.الباقر العفيف يقوم في جزء منه على تفكيك المسلمات والمفاهيم التي شكلت على المدى الطويل الشخصية السودانية الشمالية؟ وما التجربة المفتاح التي وجهت تفكيرك نحو أزمة الهوية في شمال السودان؟
-  الإجابة على السؤال الأول: (نعم)، إنني أعتقد أن المشكلة في السودان أعمق بكثير من كونها مشكلة سياسية يمكن حلها حلاً سياسياً، أو كونها مشكلة ثقافية تجدي معها الحلول الثقافية الفوقية، هي مشكلة ثقافية، بل لا بدّ أن تحل حلاً يستهدف الجذور الثقافية نفسها، فالثقافة مثلها مثل أي شيء آخر لها بنيتان: بنية فوقية وبنية تحتية. فلو أردنا أن نتحدث عن أنه يجب أن تكون هناك أسس ثقافية مبنية على التنوع في السودان مثلاً؛ من الممكن أن نعترف -وأنا هنا أتقمص شخصية الدولة- (والدولة بالمناسبة دولة جهوية بما لا يدع مجالاً للشك، فهي دولة مسيطر عليها بوساطة ثقافة واحدة، ومهما فعلت من رتوش كأن تجيء بأناس من الأقاليم الأخرى، أو وضعت وزراء من الجنوب والشرق والغرب... الخ.. فكل هذا لا يغير من حقيقة أن الدولة دولة شمالية نيلية وأن هؤلاء هم مجرد موظفين لديها ينفذون كل أهدافها)؛ أقول حين نتحدث عن ضرورة وجود تنوع ثقافي، فهذه الدولة تعترف وتقول إن السودان متعدد الثقافات، ويمكن أيضاً أن تذهب خطوة أبعد وتأتي ببرامج في الإذاعة والتلفزيون بها أغان من الجنوب وتعكس شخصيات من الجنوب، أو تأتي بمذيعين من الجنوب ومن الغرب في التلفزيون من أجل أن يعطي ذلك إحساساً بالتنوع... الخ.. كل ذلك أسميه تغييرات في البنية الفوقية. لكن المشكلة تحتاج أن نخاطب الجذور الثقافية التي انبنت عليها الشخصية ذاتها. أنا أشعر أن شخصيتنا (الشخصية الشمالية النيلية) تنطوي على تشوه كبير، فهي ببساطة شديدة شخصية أفريقي في داخله عربي صغير يوجهه! لقد تحدثت في دراستي عن الهوية، عن أن ثقافتنا ثقافة عربية ولكننا لم نقم بأي سودنة لها، فأخذناها كما هي، وهي الآن مركبة على جسد أفريقي من شرق أفريقيا، والشماليون هنا يشبهون بقية شعوب شرق أفريقيا، فلا يمكن الآن لأحد ما، أن يستطيع التمييز بيننا وبين الإريتيريين والإثيوبيين والكينيين، فنحن ننتمي إليهم بواقعنا المعاش، بجيناتنا، بملامحنا، ولكن لا ننتمي إليهم بأفكارنا وبثقافتنا، لذلك أشعر بأنه قد حدث تشويه في شخصيتنا، وهذا التشويه أحدث مفارقات كبيرة، فمثلاً اليوم كنت أقرأ في مقال لصلاح عووضة يتحدث فيه عن أمر كهذا، حيث حكى عن سوداني في السعودية استبطأه ضابط الجمارك فدعاه بـ (العبد). فهذا أمر بديهي ولا يحتاج إلى فلسفة أو تنظير، بل هي ممارسة بسيطة جداً يمارسها أي سوداني ذهب إلى الخليج، فلا يمكن أن أقف وسط الذين أعتبر أنهم عرب بلا أدنى شك وأقول إنني عربي، بينما هم يقولون لي إنني (عبد)، إذن يوجد عدم اعتراف، وعدم الاعتراف هذا لا يشكل مشكلة كبيرة، فالناس لا زالوا يغالطون فيه، ولكن المشكلة هي أن هذه الشخصية التي نعتنقها لا تعبر عنا، فالشخصية الشمالية النيلية هي شخصية نوبية في جذورها. لذلك أدعو لأن نعيد التفكير في أنفسنا ونحاول أن نعيد اكتشاف ذاتنا وسوف نكتشف أنها ذات أفريقية مستعربة، وهذا الاستعراب في هذه الحالة سيصبح أداة من الأدوات التي يمكن أن نغني بها أنفسنا بدلاً من أن نفقرها، بمعنى أنه يمكن أن أكون متحدثاً باللغة العربية كلغة أم، ولديّ ثقافة أصولها عربية، لكنني قادر على أن أتحاور مع هذه الثقافة وأسودنها، بمعنى أن أوطنها. وهناك خطان من الخطوط الثقافية في السودان، حيث أنني دائماً ما أقول إن السودان ليست به ثقافة عربية إسلامية واحدة، هناك ثقافتان عربيتان إسلاميتان، إحداهما حدث لها توطين، وهي الثقافة الصوفية، التي وجدت منذ خمسمائة سنة خلت؛ منذ مملكة سنار وحتى الغزو التركي عام 1821م، حيث وفدت ثقافة أخرى هي عربية إسلامية أيضاً، ولكن يمكننا أن نقول عنها إنها وافدة، وهي ذاتها التي لدينا الآن، قد أتت كما هي، (بضبانتها)، ومنذ ذلك الوقت بدأت هذه الثقافة الوافدة بمهاجمة الثقافة المتوطنة ومحاولة القضاء عليها، أي أن (جدادة الخلا تريد طرد جدادة البيت). وإذا قمت بتحليل الثقافة الصوفية ستجدها قد تسودنت، على مستوى اللغة، وعلى مستوى المفاهيم كذلك...
* (مقاطعة) هل تعرِّف التصوف بوصفه الدين الشعبي أو الدين الإسلامي السوداني؟
- بالضبط، هو كذلك. هذه إجابة مختصرة على الجزء الأول، أما عن التجربة التي جعلتني أتجه للتفكير في أزمة الهوية، فهي ليست تجربة واحدة، بل تجارب كثيرة بدأت منذ الصغر، أولاً بالملاحظة على نطاق الأسرة الصغيرة التي تمت تربيتنا في إطارها باعتبارنا (أولاد عرب)، لكنني كنت ألاحظ أننا لا نشبه العرب، وكنت أناقش هذا الأمر مع بعض أفراد الأسرة وخصوصاً مع الوالد الذي أذكر أنه قال لي في إحدى المرات (إذا كنت تقصد لوننا الأسود هذا فإن العرب لونهم الأصلي هو الأسود). وكان الأمر في هذه الفترة عبارة عن مجرد ملاحظات. لكن التجربة الثانية التي أحدثت تحولاً مؤثراًً كانت هي التقائي بالأستاذ محمود محمد طه، الذي وجدته معتزاً جداً بكونه سودانياً؛ ذات مرة جاءت صحفية -على ما أعتقد أنها سورية- وبدأت سؤالها له قائلة: (يا أستاذ أنت كمفكر عربي...) لكنه قبل أن تكمل السؤال قاطعها قائلاً: (أنا لست عربياً، أنا سوداني). سمعت كذلك أنه -وهو أمر ملفت للنظر- في الفكر الجمهوري يوجد تقديم لأصول ثقافية شمالية نيلية باعتبارها مفاهيم كونية. فالأستاذ محمود أخذ جوهر الثقافة الموجودة في الشمال الوسطي النيلي، التي هي ثقافة التصوف، وحاول جعلها كونية، وذلك باستخراجه منها القيم الإنسانية التي يتفق عليها جميع البشر. كذلك كانت هناك الثقة الكبيرة والدور الرائد الذي كان يبشر به الأستاذ محمود للسودان، حتى إنه وصفه بنقطة التقاء أسباب السماء بأسباب الأرض، وأنه سيقدم للبشرية مذهبية إنسانية تحقق الكرامة البشرية المغروسة في نفس كل إنسان. وكان هذا أيضاً من الأمور الملفتة للانتباه. بعد ذلك جاءت تجربة بريطانيا، وفيها واجهت نوعاً من أنواع العنصرية الخفية، إذ أن أي فعل يمكن أن يفهم على أنه عنصري يمكن أن يودي إلى السجن بسبب وجود قوانين صارمة جداً ضد العنصرية. ولكننا نجدها –العنصرية- في المجتمع، بشكل مستتر. وعلى المستوى الاجتماعي هناك، أي شخص يتم النظر إليه كأسود! هنا في السودان لدينا حساسية في الألوان لكن هناك -في بريطانيا- يوجد الأبيض والأسود فقط. فإذا كنت غير أبيض، إذن أنت أسود. وأبيض تعني أن يكون لونك أبيض، عيونك خضراء وشعرك أشقر أو أسود. فلو كان لونك أبيض لكن شعرك أجعد فأنت لا تعتبر أبيض! ففي الثقافة الغربية لو كانت لديك نقطة واحدة من الدم الأسود فستجعلك كلك أسود في نظر المجتمع. ويوجد سودانيون (لونهم أصفر) وشعرهم (سبيبي) لكنهم عندما ذهبوا إلى بريطانيا اعتبروا سوداً. وهذا الأمر كان صدمة لعدد كبير جداً من السودانيين الشماليين الذين ذهبوا إلى أوربا وأمريكا.
فهذه العنصرية الخفية هناك، تجعل الناس يصبحون راديكاليين ويصبح وعيهم بذاتهم أكبر مما كان قبل أن يتعرضوا لهذه العنصرية، كما تصبح لديهم حساسية كبيرة للنزعات العنصرية. وهذه التجارب العنصرية أنتجت لدى السودانيين الشماليين نوعين من ردود الفعل المتناقضة: بعضهم انتبه إلى ألم العنصرية الذي لم يكن يحس به في السودان، وعندما جربوه أصبحت لديهم القناعة بأنه لا يجب أن تكون العنصرية موجودة، ووضعوا أنفسهم مكان من كانوا يمارسون ضدهم العنصرية في السودان سواء أكانوا من الجنوب أم من الغرب. ولكن كان لبعضهم رد فعل أعتبره غير طبيعي؛ حيث إنه بدلاً من أن يتحرروا من عنصريتهم زادتها هذه التجربة! وهذه طبيعة إنسانية تدعو للتأمل في هذا الشخص الذي تُمارس عليه العنصرية ولا تؤدي هذه التجربة إلى تحرره من عنصريته الشخصية بل تزيدها تجاه الآخرين وكأنه يقول (طالما أن العالم يسير هكذا الناس يتعنصرون علينا ونحن نتعنصر على غيرنا أي أن هناك من يجد سعادته بالعنصرة علينا ونحن نجد سعادتنا بالعنصرة على الآخرين!) وهذا ما أعتبره أمراً غير طبيعي. وقد حدث هذا لسودانيين كثيرين. والسود عموماً هناك مهمشون، السود البريطانيون الذين جيء بهم أساساً كعبيد من أفريقيا إلى البلاد الكاريبية ومن ثم منها إلى بريطانيا. وهذا جعلهم راديكاليين دائماً وذوي وعي سياسي كبير ومناضلين ضد العنصرية، ومن أجل المساواة. فهناك بعض منا وجدوا أنهم أقرب لهولاء، فتماهوا معهم وابتدأوا يتعلمون منهم الاعتزاز بكونهم سوداً ومناضلين من أجل حقوقهم. ولكن البعض منا ببساطة شديدة جداً اعتبر أن هؤلاء عبارة عن عبيد كذلك! يوجد سودانيون يطلقون على الكاريبيين الموجودين هناك لفظ عبيد، وفي نفس الوقت علاقتهم كلها مع العرب الموجودين هناك، وحتى عندما يقيمون علاقات مع (الخواجات) يقيمونها مع البيض، حتى عندما يحبون، يحبون بنات بيضاوات، وإذا أرادوا الزواج يتزوجون من البيض!
 أما الآخرون فأصبحوا أقرب للبريطانيين ذوي الأصول الأفريقية، حيث صاروا معهم في أنشطتهم وتزوجوا منهم. هذان هما الموقفان اللذان اتخذهما السودانيون في أوروبا.
كذلك نجد الدور الذي تقوم به الأيديولوجيا في اختيارات السودانيين، فمثلاً الإسلاميون نجدهم مباشرة مع العرب والفلسطينيين ومع المسلمين الآخرين من أفغانستان وإيران والبوسنيين وغيرهم، بل حتى إنهم عزلوا أنفسهم عن السودانيين الآخرين، خاصة عندما كانت الإنقاذ هذه في عهودها الأولى حتى 95، 96، 1997، حتى ذلك الوقت كان المسؤولون الحكوميون يأتون إلى المدن البريطانية ويقيمون ندوات في الجامعات أو في أماكن عامة، ولا يسمع السودانيون بهذه الأنشطة! ولكن لأن شبكة معارفهم وعلاقاتهم كلها عرب ومسلمون من جميع أنحاء العالم، فهؤلاء هم من تأتيهم الأخبار وتتم دعوتهم، أما نحن فنعرف -إذا عرفنا- بالصدفة. ذات مرة أتى علي الحاج إلى مانشستر ليقدم ندوة يشرح فيها إنجازات الإنقاذ وما قامت به للسودان وكيف أنها قامت بأسلمة الجنوب والشرق والغرب وأنها لم تترك شيئاً لم تفعله من أجل الإسلام. ولم يسمع أي سوداني باستثناء الإسلاميين بهذا الأمر، على الرغم من أن الندوة كانت في جامعة مانشستر في قاعة من قاعات قسم العلوم. أحد السودانيين من النوع الذي جعلته العنصرية ضده أكثر عنصرية ضد الآخرين وهو طالب في ذات الجامعة يحضر للدكتوراه، أتى بالصدفة بعد أن أخبره أحد العرب بالندوة، ثم حكى لنا بعدها قائلاً إنه لم يجد أي سوداني فيها، وقال إن جميع من في القاعة كانوا بيضاً وعلي الحاج وسطهم مثل (الجعران). هذه هي العبارة التي استخدمها. فالناس الذين يعتبروننا أيضاً (جعارين) هم ذات الناس الذين نريد الانتماء إليهم! هذا انتماء مكلف جداً لنا من الناحية النفسية والإنسانية ومن ناحية كرامتنا البشرية نفسها.
أعتقد أن كل هذه التجارب هي التي لفتت نظري بالإضافة إلى مشكلة الحرب الطويلة في السودان وعنف الدولة؛ إلى مسألة الهوية.
* بالنسبة للشماليين ربما كان أكثر ما يمنعهم من الاعتراف بالآخر، بالمكون الأفريقي، ليس التشوه النفسي، ربما هو خوف من الانتقام، سنوات طويلة من قمع هذا المكون، من التهميش، والآن بدأ العنصر الأفريقي بفرض وجوده بقوة السلاح أو بقوة الواقع أو حتى بقوة الطبيعة. أعني ربما كان خوف الشماليين من الانتقام هو ما يجعلهم يتمسكون بالعنصرية أكثر من كون الأمر مجرد استعلاء. ما رأيك في هذا الأمر؟
- هناك من لديهم هذه المشاعر، لديهم هذا الإحساس الداخلي بأنهم كانوا ظالمين، ويعتقدون أن المظلومين –بداهة- سوف ينتقمون منهم. ولكني أحس أن هذه المشاعر في حال وجودها هي غير صحيحة، أو أنها مستخدمة لتخويف الناس من تنفيذ أجندة معينة كأجندة جريدة الانتباهة مثلاً. أي أن هناك من يريد تخويف الشماليين، مثلاً عندما يقولون إن جون قرنق يريد أن يشرب قهوة في شندي أو المتمة، فأشخاص مثل إسحاق فضل الله والطيب مصطفى يستخدمونها بشكل عنصري ظاهر جداً، في حين أنني لو كنت في محل إسحاق فضل الله الذي هو كما قال صلاح عووضة: يبدو أنه لا ينظر لنفسه في المرآة أبداً. لأن مثل هذا الشخص لو شاهد نفسه في المرآة فعليه أن يترك هذا الكلام الذي يقوله على الأقل، إذ أن أي عربي لو رآه سوف يعتقد أنه (عبد). فهؤلاء يمارسون التخويف ومخاطبة الغرائز المتدنية جداً، ومعروف أن الإنسان في ظل الخوف يفعل أشياء لا يفعلها عاقلاً، لأن الخوف وضعية ينتفي معها العقل والعقلانية والتفكير الصائب السليم، فكلما استطعت تخويف شعب بكامله، كلما استطعت توجيهه مثل القطيع. فهم يمارسون هذا الأمر –التخويف- بوعي. فهم أناس لا يدعون لسلام بين البشر بل هم دعاة حرب وكراهية. إنهم مصابون بقصر نظر ولديهم تشوه في أنفسهم. فلا يمكن أن يكون هناك إنسان غير شائه النفس يدق طبول الحرب بعدما جربناها لخمسين سنة. هناك أناس يدقون طبول الحرب الآن، وأعتقد أنه يجب أن يؤخذوا إلى مصحات للأمراض العقلية ليعالجوا ويعادوا إلى إنسانيتهم مرة ثانية قبل أن يرجعوا إلى المجتمع.
اليوم باراك أوباما في أمريكا يتحدث عن ما بعد العرق. العالم انطلق وابتدأ يعتبر النزعات العنصرية من مخلفات الإنسان في عهد جاهليته وعهد الغابة وقربه من الحيوانية. في السودان لا يمكن أن نتقدم بدون أن نرتفع إلى المستوى الذي يجعلنا نرى جميع البشر كبشر، وبدون أن نرى أن جميع الناس مساوين لبعضهم في الكرامة الإنسانية وفي الحقوق والفرص، وما لم نقم علاقات الدولة كلها على هذا الأساس. السودان كبير جداً ويمكن أن يكون بحجم عدد من الدول معاً، وعدد سكانه بالمقارنة إلى مساحته قليل جداً، ومن حيث الموارد هو السادس في العالم، أي أنه بإمكاننا أن نعيش سعداء وأغنياء ومكتفين في هذه الأرض التي يمكن أن تسعنا جميعاً لو وجدنا أناساً لديهم رؤى مثل هذه. ولكن بكل أسف أصحاب هذه الرؤى معدومون، والآن نحن محكومون بأناس هم حتى على مستوى الشماليين أنفسهم، أعتبرهم أسوأ من حمل أيديولوجيا معادية للشعوب ومعادية للحرية ومعادية للإنسانية ومعادية للمساواة، كنا على مستوى الشماليين محكومين بأناس ليست لديهم رؤى ولكنهم لا يحملون نوايا سيئة للشعب، فالمؤسسة التقليدية التي حكمت سابقاً كان لدى أفرادها قصر نظر وانعدام للرؤية السياسية، أي أنهم لم يكونوا ناجحين بالدرجة الكافية كسياسيين، لكنهم بالرغم من هذا لم يكونوا يحملون نوايا سيئة للشعب. فالأخطاء التي ارتكبوها كانت نتيجة عجز في الفكر وعجز في البرمجة السياسية، ليسوا كهؤلاء الذين يريدون أن يدجنوننا ويسعودوننا مثل الشعب السعودي، إنها دولة تريد أن تقوم بدور مثل دور الأب في البيت. الدولة ليست لها علاقة بكيف أربي أسرتي أو بأي زي يخرج أبنائي من المنزل أو ماذا تلبس ابنتي. أو كما قيل (دين سيدي ده مالو؟). لكننا إزاء دولة حتى اليوم تقرر لنا متى ننام!
كل هذا ليس من مهام الدولة، من مهام الدولة أن تجد لي فرص العمل والتعليم الجيد والعلاج الجيد وتقوم بحل المشاكل الكبيرة حتى يستطيع الشعب أن يمارس حياته. هذا هو الطبيعي، لكننا محكومون بأناس يتركون كل هذا وليس لديهم أي مشكلة مع الفساد الكبير أو مع سرقة مال الدولة، والسودان من أفسد الدول الآن ولكن هذ لا يشكل لديهم مشكلة بقدر اعتنائهم مثلاً بمنع (ستات الشاي) من بيع الشاي، فهذه الدولة ببنيتها معادية للإنسان تماماً، وأعتقد أن هذه هي المحنة الكبيرة التي وقع فيها الشعب السوداني. وأعتقد أن الأولوية الآن التي يجب أن تشغل بال أي مفكر، أن هؤلاء الناس ألحقوا بهذه البلاد قدراً من الخراب لا يمكن أن يحصى، كالخراب الذي أحدثوه في التعليم، والخراب في الأخلاق السودانية العادية بالتشوهات الناتجة عن الفقر، والتشوهات التي صاحبت الحرب في الجنوب والجهاد والأكاذيب التي كانوا يروجونها، فالمفروض أننا نحن من يحاسب هذه الدولة قبل أن تحاسبها المحكمة الدولية. الآن وأخيراً بسبب المحكمة الدولية استفاقوا إلى أن العالم لا يستطيع ترك حكومة لتفعل بشعبها ما تريد، تقتل من تريد قتله، تغتصب من تريد، تحرق ما تريد، تأتي بأناس من الخارج وتسكنهم في أرض السودان، أعتقد أن هذه كارثة، كارثة أنهم تغلبوا على الشعب وحكموه بقوة الحديد والنار واستطاعوا أن ينتصروا عليه، وأخشى ما أخشى أن يكون هذا الانتصار نهائياً.
* أشرت إلى أن تأثير الأتراك دعم ورسخ نظرة الشماليين إلى ذواتهم كعرب، أشرت كذلك إلى تعامل الإنجليز بالطريقة نفسها. أعنيت أن الأتراك والإنجليز أسهموا في وجود الأزمة منذ وقت مبكر؟ كيف يستقيم هذا مع تأكيدك أن أزمة الهوية في الشمال موجودة لأسباب أهمها عدم التطابق بين تصور المجموعة لنفسها وتصور الآخرين للمجموعة؟ أوليس الأتراك والإنجليز هم يشكلون (آخر)، حتى ولو لم يكن ينتمي لذات الهوية ومركزها؟
- المشكلة بالأساس موجودة فينا، وهذه المشكلة قد لا نحس بها، هناك أجيال سابقة لم تحس بها، مثلاً نحن لم نجرب الاغتراب إلا مؤخراً، لم نجرب الهجرة في تاريخنا، حتى إن المسافر كان يودع بالبكاء وكأنه ذاهب للموت. بمعنى إننا لم ننظر في مرآة الآخر إلا من وقت قريب لكي يعكس لنا صورة عن أنفسنا. قبل أن يأتي الأتراك كانت هذه المفاهيم موجودة، المفاهيم المبنية على شجرات النسب وأولاد العرب وأولاد البحر... الخ، كل هذا كان موجوداً، عندما جاء الأتراك قاموا بمساعدة هذه المجموعات لكي تكون في مركز القوة، ولم يمنحوهم فكرة عن أنفسهم، صحيح أنهم عندما وجدوهم يتعاملون كعرب عاملوهم كذلك، فالأمر لم يكن ذا أهمية لهم –الأتراك- لكنهم أسهموا بجعلهم في مركز القوة، قوة اقتصادية وسياسية، فالذي كان أنه حتى هزيمة دولة سنار لم يكن العنصر العربي حاكماً، بل كان الحاكم هو العنصر الأفريقي، وذلك أن الفونج كانوا هم الملوك، والعرب كانوا وزراء، ولم يكونوا راضين عن موقعهم ثانياً، وثاروا على هذا الوضع عدة مرات كانت فاشلة كلها، ولكن مجيء الأتراك كسر عقبة الفونج هذه، وأزاح سلطتهم، فأصبحت الدولة محتلة بواسطة الأتراك...
* (مقاطعة) رغم أن الفونج يدعون النسبة العربية؟
- طبعاً، ولكن في نظر العبدلاب والمجموعات العربية الأخرى كان الفونج عبارة عن (عبيد ساكت) يريدون أن يتمسحوا في العروبة. فهؤلاء الأتراك أزاحوا السلطة السياسية للفونج، مما فتح الباب أمام المجموعات المستعربة لتصبح في الموقع الأعلى سياسياً، حيث صاروا الوكلاء للأتراك في التحصيل وتجارة الرقيق، ففترة الستين عاماً التي حكم فيها الأتراك قوَّت ورسخت من مفهوم أن هولاء هم عرب، فأصبحوا في وضع اقتصادي أفضل، وسياسياً صارت لهم سلطة ما، حيث لم يكن أعلى منهم أحد غير الأتراك. وعندما جاء الإنجليز بنوا على المنوال ذاته. وهناك أيضاً ما فعله الأتراك والإنجليز وهو أن الأتراك اعتبروا أن الدين الشعبي (التصوف) خطر، ودين جهالات، فجاءوا معهم بعلماء من الأزهر، وهؤلاء العلماء كانوا غير راضين بمجيئهم إلى السودان، من حيث إنه مكان بائس بالنسبة إليهم، والأمر الآخر أنه كانت لديهم نظرة استعلائية تجاه السودانيين ودينهم الصوفي وتفاصيلهم الاجتماعية المحلية، فكان أن بدأوا يؤسسون لدين جديد؛ الدين الرسمي، ومنذ البداية جعلوه في حالة هجوم سافر على الدين الشعبي. أما الإنجليز، وبفعل الثورة المهدية، فأصبحت لديهم مصلحة سياسية في القضاء على التصوف، إذ كان فهمهم للثورة المهدية خاطئاً، حيث نسبوها للتصوف، وكانت لديهم تجربة سابقة في مصر مع الدين الرسمي الذي مثله الأزهر وكان طوع بنانهم. فأرادوا أن يأتوا ببديل للدين الشعبي يشبه الأزهر، فزادوا من رسوخ الدين الرسمي وقوته وهاجموا واضطهدوا الدين الشعبي.
وعندما رحل الإنجليز أصبح الدين الرسمي يملك مؤسسات كبيرة وقوية ومتمرسة، ونشأت في أحضانها –المؤسسات- الحركات الأيديولوجية مثل الحركة الوهابية وحركة الإخوان المسلمين وهما حركتان ورثتا كذلك الهجوم السافر على الدين الشعبي، وهو أمر بالنسبة للوهابية قضية حياة. وأصبح هذا الهجوم سائراً بخطى حثيثة وبأنواع كثيرة، فهناك هجوم مباشر وهناك الالتفاف وهو الذي تمارسه الجبهة الإسلامية الآن حين يذهبون إلى المشايخ ويقومون معهم بالبيعة والتحالف وما شابه، فهذا احتواء لهم، خصوصاً أن الدين الشعبي لم ينشئ مؤسسات أو أفراداً لديهم ذكاء سياسي، لذلك فإن استغفالهم سهل، فهم (ناس طيبين).
هكذا تم الهجوم على الدين الشعبي. وما حدث أنه عندما بدأ التعليم الحديث في السودان؛ ابتدأ الوعي بالمكون العربي يزداد. في القديم كان الأمر لا يتعدى (المشاعر) لكن عندما جاء خريجو المدارس الحديثة مثل كلية غوردون في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، نشأت جمعيات أدبية احتضنت الفكر السياسي، وهذه الجمعيات الأدبية كانت كلها عن الشعر العربي، المتنبي وأبي العلاء المعري وابن خلدون، ومؤسسات الدين الرسمي قامت كلها على تدريس الفقه والرسالة وغيرها من الموضوعات التي ترسخ من مفاهيم العروبة، مما منح البعد الأيديولوجي بعدما كانت من قبل مجرد اعتقادات. هذا البعد صنعه أمثال المحجوب والجمعيات الأدبية مثل جمعية أبوروف وغيرها. وهؤلاء هم من أشير إليهم بـ(النخبة).
* يزخر كتاب الطبقات بالإشارات التي تؤكد قدم اعتقاد السودانيين الشماليين في انتمائهم العربي، كما يزخر كذلك بالملامح التي أسست لنفي الآخر غير العربي واعتباره شيئاً ما لا يرقى لأن يكون إنساناً، كل ذلك مع الاحترام الذي يبديه تجاه الشيوخ المتصوفة من أصول غير عربية. ما تفسيرك لهذه الذهنية؟ هل هذا التناقض مختلف عن التناقض الموجود حالياً رغم أن الذهنية الحالية تطورت عن تلك القديمة؟
- الدين الصوفي لا يخلو من مسألة التأكيد على النسب العربي، وفي التصوف هناك تأكيد على النسب بشكل أكبر مما يفعل الفقهاء في هذه المسألة، وذلك في ما يتعلق بالنسب النبوي حيث أن المتعلقين بحب النبي يريدون الانتساب إليه، وذلك لأسباب روحية لها علاقة بالشفاعة في الدار الآخرة وأيضاً لأسباب تتعلق بالمقامات الدينية العالية في الحياة الدنيا. كما إن هناك اعتقاداً بأنه في حال كان جدك النبي، فـ(ماعونك بنضف بسرعة)، استناداً إلى المذكور في القرآن الكريم عن تطهير آل البيت. لكن كل هذه الأمور لديهم لا تصاحبها نظرة عنصرية للآخرين. فالتصوف نفسه فيه التسامح والسماحة والسلمية، وكذلك المحبة، وهي أمر مهم جداً، فالمتصوف لديه محبة للأحياء والأشياء، والقصص التي تؤكد ذلك كثيرة مثل قصة علاقة الشيخ فرح بإبريقه، ومثل قصة المكاشفي مع من سمى حماره باسمه. فهذا البعد لدى المتصوفة جعلهم بمنأى عن نمو النعرة العروبية التي نراها اليوم فيهم.
في التصوف وبطبيعة بنيته هناك استعداد لمحاربة التعصب والتعنصر، فيمكن أن يكون الصوفي معتزاً جداً بأنه حفيد النبي وأنه من آل البيت، لكن علاقته مع الآخرين تبنى على المساواة والمحبة والسلام. ففي تربة التصوف توجد مفاهيم إنسانية عالية جداً لو تمت تنميتها من الممكن أن تُبنى عليها قيم حديثة ذات بعد إنساني. وهذا ما فعله الأستاذ محمود محمد طه، إذ أنه أخذ بنية التصوف كجوهر بنى عليه مفاهيم حديثة تتعلق بالمساواة بين البشر، بين النساء والرجال، بين المسلم وغير المسلم. بنى عليه مفهوم المواطنة بأن السودانيين كلهم إخوة متساوون، ويجب أن تكون العلاقة بينهم أقوى من أي علاقة أخرى، أي أن علاقة المواطنة يجب أن تكون أقوى من علاقة الدين وأقوى من رابطة اللغة. هذه هي المفاهيم التي طورها الأستاذ محمود محمد طه. لذلك بالنسبة له كان الجنوبي غير المسلم أقرب إليه بعلاقة المواطنة من المسلم غير السوداني. وأظن أن هذه هي المعادلة التي فشل فيها كل الفكر العروبي والإسلاموي كذلك. بمعنى أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى الصيغة التي تطمئن من لا يشاركك الدين بأنك لن تقصيه على الرغم من أنه يشاركك الوطن، لكن ليس الدين ولا اللغة. ما الأهم؟ الوطن أم اللغة والدين؟ هذا هو السؤال. فلو قلتُ إن الأهم هما اللغة والدين بمعنى أن كل من يتكلم بالعربية أقرب إليَّ من أي سوداني لا يتكلمها، أو أن أي شخص يدين بديني أقرب إليَّ من أي سوداني لا يدين بديني، في هذه الحالة إذا كنتُ في مركز القوة والسلطة فهذا يعني أنني مباشرة قد استبعدت السودانيين الآخرين. لذلك هذا التحدي الذي واجه الحركات الإسلامية، استجاب له الأستاذ محمود استجابة صحيحة باستخراجه للمعاني الإنسانية العالية من تربة التصوف السوداني.
* هل هذه قاعدة؟ خلق المختلف لخلق الوجود، وجودك. خلق (العبيد) لخلق (السادة) الخ...
- العالم دائماً ما كان قائماً على ثنائيات المسيطِر والمُسيطَر عليه، السيد والعبد، الأعلى والأدنى. الوجود الاجتماعي لدينا هرمي، فقراء وأغنياء، من لديهم ومن ليس لديهم. حتى الآن توجد هناك أشكال من العبودية غير التقليدية ويمكن تسميتها (أشكال من العبودية) وذلك مثل العلاقة الطائفية بين الزعيم الطائفي والأتباع. كذلك العلاقات الاستغلالية بين من يملكون المصادر المالية ومن لا يملكونها. لهذا السبب الآن بعد الانتصار على العبودية المباشرة، بدأت محاربة الأشكال الأخرى من العبودية المعاصرة، مثل خادمات البيوت المجلوبات، مثل المكاتب التي ظهرت الآن في السودان وتقوم بجلب خادمات فلبينيات وإريتريات وغيرهن. هذا فيه شكل من أشكال الاستغلال، فيه شكل من أشكال العبودية.
أيضاً هناك تشوهات في النفس البشرية، فنجد إنساناً من النوع الذي لا تكتمل سعادته إلا بإحساسه بأنه في القمة وأن الآخرين تحته، أياً كانت تلك القمة؛ اقتصادية، أو روحية، كما هناك بعض الذين لا تكتمل سعادتهم إلا إذا حُرم الآخرون مما لديهم.
كل هذه الأنماط في اعتقادي هي تشوهات تخلفت عن آثار خروج الإنسان من الغابة، عندما كان الناس يتعاركون على المصادر، وذلك بمفهوم (إما لك، أو لي).
الآن المصادر متوافرة، ويمكن زيادتها بحيث يمكن أن يتمتع الجميع بأوضاع متقاربة. وهذا ما يتوافر الآن في الدول المتقدمة. الآن في هذه الدول لا أحد يعيش في العراء، الجميع لديهم الحق في منزل، وإذا لم تكن لديك القدرة على استئجار منزل بمصادرك الخاصة، تقوم الدولة باستئجار المنزل لك، مثلما حدث عندما كنا طلاباً في بريطانيا، إذ كنا نحصل على منازل من المجلس البلدي لنسكن بها وتقوم الدولة بدفع الإيجار. كذلك إذا كنت عاطلاً يتم صرف مرتب أسبوعي لك يوفر كل الأساسيات التي تحتاجها، أيضاً تتولى الدولة رعاية الأطفال وتقدم مصروفاً لاحتياجات الطفل.
لذلك عندما يشترك الناس في الحد الأدنى فإن التفاوت عندما يحدث لا يكون صارخاً، أما لدينا، فهناك تفاوت كبير جداً والدولة لا تقوم بمهمتها في رعاية من يعجزون عن رعاية أنفسهم.
ما أقوله هو أن تأكيد وجودك بوضع الآخرين دونك، هذا يرجع إلى تشوهات النفس البشرية التي يجب أن يتم التخلص منها.
* أشرت في معرض إجابتك عن (لماذا تماهى الشماليون مع العرب) إلى الأسباب الإستراتيجية التي من أجلها تم تبني العروبة لدى الشماليين، لكن السؤال هو: ألا ترى أن هناك سبباً أعمق لتبني الثقافة العربية الذكورية الرعوية؟ أعني ربما هناك تشابه بين سمات هذه الثقافة وبين سمات موجودة أصلاً لدى المتعربين الجدد؟
- لقد ذكرت بالفعل بعض الأسباب، وحتى هذه الأسباب التي ذكرتها لم تكن نتيجة بحث وتقصٍّ، وإنما كانت بالاستنتاج وبقرائن الأحوال، بل إنني دعوت وقلت إنه لا بد من دراسة مستقصية لكشف كامل أو أغلب الأسباب التي جعلت الناس في هذه المنطقة النوبية يتماهون مع العرب.
أولاً الثقافتان لا تشبهان بعضهما، فالثقافة العربية ذكورية وأبوية، لكن الثقافة النوبية كانت أمومية وكان النسب يثبت فيها عن طريق الأم لا عن طريق الأب، وأشير إلى أنه ليس من الضروري في الثقافة الأمومية أن تكون المرأة منصفة، بل من الممكن أن تكون مضطهدة، لكن الأساس فيها -الثقافة الأمومية- أن النسب يثبت عن طريق الأم. وذلك لأن الولادة تحدد تماماً من الأم ولكن لا تحسم كون زوجها هو الأب أم لا، فهذا أمر بدرجة أو بأخرى غير مؤكد. لذلك كان الميراث عن طريق الأم. وهذه الثقافة الأمومية لا تزال موجودة في أفريقيا. ولدينا هنا في السودان لا تزال بقاياها موجودة، ففي الثقافة الأمومية عندما يموت الرجل لا تذهب أملاكه إلى أبنائه بل إلى أبناء أخته، أما أبناؤه فسوف يرثون خالهم.
أيضاً نجد أن الثقافة العربية رعوية، وبالذات العرب الذين وفدوا إلى السودان، أما ثقافة النوبة فثقافة حضرية مدينية ضاربة الجذور، كانوا مزارعين مستقرين فبنوا نوع الحضارة التي في العادة يبنيها المستقرون، على العكس من العرب.
إذن لا يوجد تشابه يبرر هذا التماهي، خاصةً أن العلاقة التي نشأت بين العرب والنوبة لم تكن علاقة تعاون، بل كانت علاقة تشاكُس. وكتوضيح نجد أن العرب عندما أتوا قاموا بالاستقرار في المنطقة ما بين النيل وجبال البحر الأحمر، وهذا حدث أثناء الهجرة الكبيرة التي جاءت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بعد اضطهاد العرب في مصر، مما جعلهم يهاجرون غرباً وجنوباً إلى جهات تونس والسودان، واستوطنوا منطقة البطانة الحالية التي وجدوا فيها القليل جداً من النوبة الرعاة، لم يجدوا كثافة سكانية لأن الكثافة السكانية كانت على النيل، فامتصوا هؤلاء النوبيين قليلي العدد بسهولة. هنا من المهم أن نذكر أن العرب الوافدين لم يأتوا رجالاً فقط كما توهمنا كتب التاريخ، لم تحدث هجرات ذكورية بحتة في تاريخ العرب على الإطلاق، فالعربي حتى ولو كان ذاهباً إلى الحرب فإنه يأخذ معه امرأته. كما لا توجد في التاريخ العربي الكلاسيكي الذي قرأته أي إشارة لهجرة قبيلة ما تاركة خلفها نساءها، على الرغم من أن العرب هم أدق من وثقوا لتاريخهم بتفاصيله بل حتى بأسماء الأفراد.
الحقيقة أننا من أجل أن نصنع تاريخاً لعروبتنا قمنا بالكثير من التزييف، أولاً ضخمنا أعداد العرب الذين أتوا، ثم قلنا إنه كانت هناك هجرات قبل الإسلام، وهجرات بعد الإسلام، وإن الهجرات بدأت منذ القرن السابع، كل هذا الكلام غير صحيح. فالمسلمون عندما استولوا على مصر في القرن السابع ثم حاولوا الاستيلاء على السودان وفشلوا في هزيمة الدولة النوبية، وقعوا معها صلح البقط المشهور الذي استمر لمدة سبعمائة سنة حوفظ خلالها على الشرط الوارد في الاتفاقية وهو أن العرب حين يأتون إلى السودان يأتون (عابرين غير مقيمين)، فلم يقم أي عربي خلال السبعمائة سنة هذه، صحيح أنه كان هناك عرب في مجموعات صغيرة ينقبون عن المعادن في جبال البحر الأحمر حيث لا تزال بقيتهم موجودة حتى الآن، لكن هذا الوجود لا يذكر، لأنه لم يشكل البنية الثقافية والاجتماعية السودانية. وأثره بقي محدوداً بتلك المنطقة. وهذه المجموعات بالفعل قديمة، وربما تكون قد وفدت قبل الإسلام ولا يمكنني أن أغالط من يقولون بذلك. لكن الذين أتوا إلى منطقة النوبة، إلى منطقة النيل، فهؤلاء لم يكن لهم أي وجود قبل القرن الرابع عشر. لا بد أن يكون هذا الأمر واضحاً. وعندما أتوا كانت الدولة النوبية قوية عسكرياً، فسكنوا في البطانة، بعيداً عن يد الدولة التي بدورها لم تبال بهم. لكنهم كانوا يتحينون الفرص ويقومون بمناوشة النوبة على النيل بالغارات، لكن كانت الدولة النوبية قادرة على صدهم. وقد وثق لهذا آدمز في كتابه (النوبة رواق أفريقيا) وهو موجود بالمكتبات ومترجم.
ولفترة طويلة جداً ظل العرب يغيرون على الدولة النوبية على النيل، ولكن الدولة كانت تصدهم. حتى حدثت الانقسامات داخل البيت الحاكم للنوبة وبدأوا في الاستعانة بالأجنبي واستقوى بعضهم على بعض بالقبائل العربية مما مهد لهذه القبائل الطريق للاقتراب أكثر من الواقع الحياتي للدولة النوبية.
كذلك عندما صارت الدولة غير قادرة على صد القبائل العربية، قام ملوك النوبة بتزويج بناتهم من زعماء القبائل العربية، والملوك لا يزوجون أياً كان، لذلك زوجوا للزعماء، إذن فالزيجات المثبتة تاريخياً هي التي تمت بين العائلة المالكة وبين زعماء القبائل العربية. وهذه زيجات محدودة.
كتب التاريخ أخبرتنا بأن العرب جاءوا رجالاً بلا نساء لكن لم تخبرنا بأنهم وجدوا النوبة نساءً بلا رجال! وأخبرتنا كذلك بأنه قد حدث زواج على نطاق واسع جداً وكأن أي عربي تزوج من نوبية. وضخموا أعداد هؤلاء الرجال العرب كي يصبح باستطاعتهم القول إن لدينا دماً عربياً. هذه هي صناعة التاريخ، وهؤلاء هم المتعلمون الذين يريدون كتابته! وكما أسلفت أن هذا الاتجاه لديه جذوره التاريخية التي جعلت الناس مهيأين لتصديقه بما أن التماهي مع العرب كان قد حدث حتى من قبل دخول الأتراك.
إنني أعتقد أن السبب الأساسي الذي جعل النوبة يخلعون هويتهم ليلبسوا هوية أخرى هو بالأساس سبب نفسي، بمعنى أنه حدث انكسار ما في النفسية والعقل النوبي جعله يشعر أنه لن يستطيع الاستمرار إلا بتبنيه هوية جديدة. وهذا الانكسار نعرف بعض أسبابه وهي الأسباب الظاهرة لكننا لا نعرف بقية الأسباب. ومن الأسباب الظاهرة الهزيمة العسكرية وانقطاع الدين حين انقطعت الكنيسة وضعفت بضعف مصر وانقطاعها بعد الفتح الإسلامي. حتى لقد وصفهم الرحالة في القرن الرابع عشر بأنهم –النوبة- لا مسلمين ولا مسيحيين. والدين يشكل عنصراً أساسياً من عناصر الهوية، فهو الذي يثبتها.
فهذا سبب ظاهر جعلهم في مهب الريح. الشيء الآخر أن العرب الوافدين على الرغم من أنهم لم يكونوا متحضرين ولم يكونوا يعرفون الإسلام بشكل جيد، لكن كانوا يحافظون على الطقوس الجماعية والاحتفالية للإسلام على الرغم من جهلهم وكونهم ليسوا دعاة. فأحس النوبيون بأن هؤلاء الوافدين يملكون ديناً قوياً وواضحاً، مما جعلهم بالتالي يحسون بتفوق العرب. كذلك كان تأثير الهزيمة العسكرية، ففي الأزمان القديمة كان الناس على دين ملوكهم ومن غلب سلب، فمن يهزمك عسكرياً تخضع له من جميع النواحي، فيصبح دينه هو دينك، ولغته تصبح لغتك، الخ..
هذه أيضاً كانت من الأسباب الظاهرة، لكن هناك أسباب أخرى بحاجة للبحث عنها، وهي التي جعلت النوبة يتماهون مع العرب بشكل كامل بل وحتى يتبنون أسلوب حياتهم، فهناك نوبة كانوا زراعاً مستقرين لكنهم تبنوا أسلوب الحياة الرعوي وأصبحوا رعاة. فلا يمكن أن يحدث مثل هذا إلا لو حدث تغيير سيكولوجي كبير في نفوس قادة هؤلاء النوبة ثم انسحب بعد ذلك على الرعية.
* أشرت إلى أن العرب لم يأتوا ذكوراً فقط، بل بكامل أسرهم. إذن فمهما كانت أعدادهم التي أتت ضئيلة فهي لم تتلاش، في رأيك أين ذهب هؤلاء الآن؟
- موجودون، رفاعة الهوي وعرب البطانة (ديل ياهم ذاتهم). كما إن أسلوب حياتهم ذاته مستمر مثلما كان ولم يتغير كثيراً، صحيح أنهم اختلطوا بالسكان المحليين، لكن غلبة الدم العربي عليهم ظاهرة. أنا لا أتحدث عن هؤلاء، هناك عرب في البطانة، وهناك عرب في بادية الكبابيش أتوا في هجرات قريبة العهد، وحتى الذين اختلطوا بالعنصر الأفريقي (البقارة) حتى تغيرت سحناتهم، فيهم أيضاً الدم العربي. فهم قد أتوا في هجرات معروفة ومثبتة، وفدت في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبالمناسبة، عرب دارفور وكردفان عمرهم في السودان لا يتجاوز الثلاثمائة إلى الأربعمائة عام على الأكثر.
أنا أتحدث عنا نحن سكان النيل، أتحدث عن أنهم نوبيون، مثلاً أنا جدي أتى من منطقة الرباطاب، من جزيرة (أرتولي)، وعندما أسأل أهلي عن كلمة أرتولي هذه وهل هي كلمة عربية أم لا يقرون بأنها كلمة نوبية، فإذا سألتهم عن كيف إذن تكونون عرباً في جزيرة نوبية يقولون إنهم عرب ولا يعرفون أين ذهب النوبيون الذين كانوا بها!
* (مقاطعة).. هذا يذكر بالمشكلة التاريخية عن (أين ذهب سكان علوة أو العنج كما يُسمون).
- (العنج ديل نحن ذاتنا)، استعربنا وتحولنا إلى شيء آخر، لكن هناك أساطير مثل التي في منطقة الرباطاب ومنطقة الجعليين، إذ أن هذا السؤال يواجههم بما أنهم يرون الآثار من أهرامات ومعابد ومقابر والأسماء مثل أسماء أجزاء الساقية والشادوف التي كلها نوبية وكذلك أسماء المدن. أين ذهب الناس الذين تركوا كل هذا الأثر؟
السكان الموجودون الآن وسط هذه الأهرامات ليس لديهم أدنى إحساس بأن هذه آثار أجدادهم وأن لديهم علاقة مباشرة مع هذا الأمر، وهنا، للإجابة على هذا السؤال يأتي دور الأسطورة. ففي منطقة الجعليين هناك أسطورة مفادها أن الله قد أرسل قبل مجيء العرب ثعابين ضخمة فهرب منها العنج، فبعضهم غرق في النيل والبعض ضاع في الصحراء، أي أن الله قد (نظف) لهم الأرض بوساطة معجزة الثعابين الكبيرة هذه! وهناك أسطورة أخرى تقول إنهم قد قضى عليهم وباء!
هذا ما تقوله الأساطير للإجابة على هذا السؤال، لكن الحقيقة أنهم لم يذهبوا إلى أي مكان. بل إن النوبة اتخذوا قراراً بكامل وعيهم بأنهم لا يمكن أن يستمروا في الحياة كنوبة، وذلك بعد الهزائم والانكسارات التي حدثت لهم، فانكمشت شخصيتهم في نظرهم، مما جعلهم يتبنون هذه الهوية الجديدة ودينها، ولم يكتفوا بذلك بل عمَّدوا أنفسهم كأشراف كذلك، وطبعاً أثر الدين هو الأقوى وبالذات الدين الصوفي في ما يخص التعلق بآل البيت، وهو أمر حدث في كل بلد انتشر فيه الإسلام عن طريق التصوف فأصبح هناك آل بيت إيرانيون وباكستانيون وأفغان ومساليت وفور الخ..
* أوغلنا في التاريخ، كنقلة إلى اللحظة الحالية، سؤال شخصي: هل الهوية مهمة لك كفرد؟ هل من الضروري أن تكون منطلقاً من هوية محددة لكي تعيش في العالم؟
- بالتأكيد. بالطبع من الممكن أن تعيش بدون الهوية، لن يقتلك فقدانها، لكنك لن تكون سعيداً، لن تكون واضح الرؤى، ولن تسهم أي إسهام ذي قيمة في الحياة. معنى الحياة هو أن تعيش وتحاول أن تجعل حياتك وحياة الناس من حولك أفضل، هذا هو جوهرها، فلو لم تعرف نفسك على حقيقتها لا يمكن أن تعيش سعيداً، هذا أمر، الأمر الآخر أنك لن تمتلك ثقة في نفسك ولا يمكن أن تسهم أدنى إسهام له قيمة في الحياة. ستصبح مشوش الرؤى مثل القشة في مهب الريح، في هذا الخصوص دائماً ما أضرب مثالاً معاصراً بالمناضل يوسف كوة، الذي ذكر أنه كان مسلماً من جبال النوبة، وكانت أسرته متماهية مع العرب، فتمت تربيته على أنه عربي، مما جعله حتى سن الثامنة عشرة لا يخالجه أدنى شك في عروبته، ثم تعرض بعد ذلك لبعض التجارب في المدرسة نبهته إلى أنه لا يعتبر عربياً في نظر المحيط الذي هو وسطه، ثم وعى أن الدولة التي يعيش فيها ذات بنية عنصرية ضده، فبدأ يعي نفسه منذها كـ(نوباوي)، فأعاد تعريف هويته خارج التوجيه العائلي، وذلك بصفته (نوباوي)، فكان أن قبل هذه الهوية واعتز بها واعتبرها كأروع ما يكون ومن ثم انطلق من هذا المنطلق كي يفهم العالم، فأدرك حجم الظلم الذي كان واقعاً عليه ولم يره عندما كانت في عينيه غشاوة عروبته، وجعله هذا يتخذ المواقف النضالية التي شكلت التاريخ الشخصي ليوسف كوة، الذي سيكون محفوظاً له بصفته واحداً من أعظم المناضلين في السودان. هذا نموذج، وهناك نموذج آخر -بدون ذكر الأسماء- شخص آخر من جبال النوبة كان قد درسني، وكان إنساناً مشوشاً على الرغم من أنه حاصل على درجة الدكتوراه، وكنا ونحن طلاب نحس بأنه بلا جذور، لأنه كان متماهياً مع العرب ومع الإسلاميين، بل إنك عندما تناقشه تحس الخوف في عينيه كأنه (ما ياهو) حسب التعبير الشعبي.
يسعى الأفراد في الحياة لأن يدركوا ذواتهم الحقيقية بوعي أو بغير وعي، فتكوين الذات هو مبحث الإنسان منذ ميلاده حتى موته. الإنسان يريد أن يعرف من هو، يريد أن يحقق فرديته، يريد أن يعرف ما يميزه، لذا على الإنسان أن يدرك نفسه على حقيقتها، وأضرب مثالاً بالأستاذ محمود محمد طه الذي عندما سجن في زمن الإنجليز مرتين لا يفصل بينهما أكثر من شهر، وكان السجن في المرة الثانية نتيجة لحكم قضائي، وليس اعتقالاً كالمرة الأولى، فقال: (عندما وطئت قدماي أرض السجن، أحسست بأني قد جئت على قدر من ربي فخلوت إليه). فقضى سنتي السجن في خلوة على نهج التصوف، وعندما خرج من السجن إلى رفاعة سجن نفسه اختيارياً في خلوة لمدة ثلاث سنوات، وعندما خرج وجد أن الناس يسألون عنه في الصحف، فرد عليهم أنه كان في خلوة، وتساءل (فهل حبسني ابتغاء المعرفة، لا ولا كرامة بل حبسني أمر أنبل وأعز من المعرفة، أمر ما المعرفة إلا وسيلة من وسائل تحقيقه، ذلك الأمر هو نفسي التي فقدتها في ركام من الأوهام والأباطيل أريد أن أبحث عنها على ضوء القرآن، أريد أن أجدها وأن أعيش في سلام معها وأن أنشرها). فالأمر الأساسي أن الإنسان يبحث عن نفسه، عن حقيقة شخصيته، عن جوهرها، وعندما يدركها يصبح كأنما رفعت الغشاوة عن بصره.
إن مسألة الهوية مسألة جوهرية في تكوين الأفراد وفي تكوين الشعوب والجماعات، فلا بد لكل شخص أن يصل إلى حقيقة ذاته وأن يحقق فرديته ليحقق سلامه الداخلي.
* أشرت إلى أنك لا تحاول إقصاء الثقافة العربية بل أن تسودنها. ما هي المعايير التي تريد أن تبني عليها هذه السودنة في ظل الاختلاف الموجود حتى اليوم حول ما هو السوداني، القومي. فأي سودان تقصد؟ وسط أم شمال أم جنوب أم ماذا؟
- لا توجد ثقافة عربية إسلامية في الجنوب، أنا كل حديثي وتركيزي منصب على الشريط النيلي، فعندما أتحدث عن الهوية لا أتحدث عن هوية الجنوبيين ولا الشرق أو الغرب، أركز فقط على الشريط النيلي النوبي، أحياناً أُفهم بشكل خاطئ عندما يعتقد البعض أنني أتحدث عن الهوية في كل السودان. أنا أتحدث عن أزمة الهوية في شمال السودان، وما أقصده -وقد أوضحته في دراستي عن الهوية- ليس الشمال الجغرافي بل الشمال السياسي أو الشمال الأيديولوجي الواقع على ضفاف النيل، وهي المنطقة التي تحتوي على الثقافة العربية الإسلامية التي أدعو إلى سودنتها. وهذه السودنة حدثت بالفعل عندما كانت المنطلقات كلها تعتمد على الثقافة الصوفية.
اللغة الدارجة، العبارات والتقاليد التي نشأت انطلاقاً من الثقافة النوبية، كلها ثقافة مسودنة. حتى العلاقات الاجتماعية السودانية تمثل سودنة ولا تشبه العلاقات الاجتماعية في أي بلد آخر، حتى على مستوى اللغة وفي الغناء (التغني باللون الأسمر) كل هذا يعني أنك قد انطلقت من ذاتك كمعيار. حتى الإرث الذي يحتوي على التغني بالشلوخ يعتبر سودنة. ما أقصده بالسودنة أن ننطلق في ممارستنا اللغوية من أنفسنا كمعيار، وضربت مثالاً في الورقة بموضوع المتنبي، نحن لا ندرس المتنبي في مدارسنا بطريقة نقدية، نحن لا نقول إنه شاعر عظيم ولكنه عنصري، لا نقول إنه استخدم أساليب رخيصة تتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان الآن، وإن كافوراً نوبي وإن كافوراً هو نحن. ولا نعلم التلاميذ أن هجاء المتنبي لكافور هو هجاء لنا نحن. ينبغي أن نقول ذلك من أجل أن نكوِّن موقفاً بأننا سودانيون وهو عربي لديه عنصرية ضدنا. مثل هذا الفعل سيرسخ لدينا الشخصية السودانية.
وبالعودة للمعايير ووجوب الانطلاق من أنفسنا كمعيار، كمثال نحن نستخدم تعبيرات الثقافة العربية مثل (بيضت وجهي) و(سودت وجهي)، هذه تعبيرات يجب ألا نستخدمها، يجب أن نشطبها من لغتنا ونكون واعين بعدم صحتها. شاهدتُ حلقة من مسلسل سعودي كوميدي كانوا يسخرون فيها من السودانيين وذلك باستخدام مفارقة أن يستخدم شخص لونه أسود تعبير (سودت وجهي) ليدل على الإحراج والخيبة. فهذه هي النكتة التي أبرزها التلفزيون السعودي ليُضحك بها السعوديين. فعندما نعي بذاتنا سوف ننقي اللغة من مثل هذه التعبيرات الفارقة، وسيصبح لدينا وعي باستخدام هذه اللغة.
إن الذين يتحدثون عن أن فلاناً ضد الثقافة العربية، وأنه يريد القضاء على الثقافة العربية... الخ، هذا الكلام فوق عدم صحته، أمر مستحيل، فلا يمكن لعاقل أن يحاول القضاء على ثقافة وعلى لغة يتحدثها الناس، أنا أقول فقط إننا يجب أن نسودنها بجعل أنفسنا معياراً وأن نعي لاستخدامات اللغة التي تحدث مفارقة مع شكلنا ولوننا وبنيتنا الثقافية ككل.
* باختصار.. هل السودان دولة عربية؟
لا.
* ما موقفك من محاولات إعادة تعريف السودان كدولة أفريقية بثقافة زنجية بحتة؟
- لن تنجح. السبب أن السودان متعدد الثقافات، هوية واحدة، وتعريف واحد لن يشمل الآخرين وسيكون إقصاءً. إنني أدعو لأن تكون لدينا هوية متعددة الأبعاد. لذلك عندما أقمنا مؤتمر الهوية في سبتمبر الماضي كان تحت شعار  نحو هوية وطنية متعددة الأبعاد)، بمعنى أن لا نعرف السودان كدولة عربية ولا كدولة أفريقية بل كدولة متعددة الثقافات ذات هوية متعددة الأبعاد. علينا أن نعرف السودان بصفته الأساسية، بأنه (السودان)، كوننا نعرف أنفسنا بمتعلق خارجي، هذه بقايا من أثر الانكسار الذي حدث قديماً، وجعلنا نتماهى مع الخارجي. إنه عدم ثقة وانكسار في العقل، فعندما تشعر بأنك لا تملك الكفاءة اللازمة والثقة لأن تعرِّف نفسك بأنك أنتَ أنتَ فقط، وتحاول أن تعرف نفسك بأنك أنت الذي يقرب لفلان مثلاً؛ يكون هذا امتداداً للمعضلة القديمة بتعريفنا للسودان بشيء خارجي، لذا أقول إن السودان هو السودان.
 كذلك من المهم أن نبني دولة تضم كل الكيانات وهذا غير ممكن إلا بأن نبنيها على أسس تعدد الثقافات في كل الأشياء، في التربية والتعليم والإعلام والتنمية وفي الثقافة. علينا أن نحتفي باللغات، في العالم كله نجد أن أي لغة على وشك الاندثار يتم الاهتمام بها من ناحية التدوين وجمع مفرداتها، هنا مثلاً لدينا لغة البرتي انقرضت، وآخر من بقي من المتحدثين بها لو أنهم كانوا موجودين في أي مكان آخر في العالم لتم تدوين هذه اللغة كلها منهم حتى لا تضيع إلى الأبد. الأسوأ أن لدينا سياسات تعليمية تحارب اللغات المحلية! وتحاول القضاء عليها. هذا منتهى الغباء، فأنت عندما تقضي على لغة فأنت تقضي على ثقافة. وعندما تقضي على ثقافة هذا يعني أنك أخذت تجارب إنسانية ورميت بها في سلة المهملات.
خلاصة الأمر أننا لو عرفنا السودان على أساس أنه عربي فسنقصي غير العرب وإذا عرفناه كأفريقي سنقصي غير الأفارقة ولو عرفناه كمسلم سنقصي غير المسلمين وهكذا.
يجب أن نعترف بهذا التنوع ونتوقف عن محاولة تغيير الآخرين، مشكلتنا أننا غير قادرين على قبول الجنوبي كجنوبي والذي من جبال النوبة كمواطن من جبال النوبة الخ.. بلغاتهم وأديانهم، بل نريد أن نغير لهم دينهم إلى الدين الأفضل كما قال عبد الله علي إبراهيم عندما قال نريد أن نغيرهم وأن نمسح لغتهم ونمنحهم اللغة الأفضل ونشطب دينهم ونمنحهم الدين الأفضل. أي أننا نعرف مصلحتهم أكثر منهم! هذا أمر غريب جداً، أعتقد أن الذين ثاروا وحملوا السلاح لديهم أسباب كافية لجعلهم يحاربون إلى يوم القيامة، طالما هناك من يريد أن يمسحهم من الوجود، أن يغير هويتهم.
* هل ترى في الساحة الفكرية الآن أي إشارات لوجود جيل جديد من المفكرين أم ماذا؟
- لا يوجد بلد في العالم يخلو من أجيال جديدة تحمل لواء التفكير، لكنني عشت سنيناً خارج السودان، وكان أغلب اتصالي مع جيلي والأجيال السابقة، وحتى الآن لم أستقر جيداً في السودان، لذا لم أطلع حتى الآن على إنتاج الشباب إلا في حدود ضيقة. أنا معجب بكتابات ناهد محمد الحسن، حيث من الواضح أنها تمتلك موهبة كبيرة جداً. ومن الكتابات الصحفية التي تحمل أفكاراً جيدة كتابات أمل هباني. كذلك أنا أتابع باهتمام كبير جداً كتابات صلاح عووضة الذي لا أعرف إلى أي جيل ينتمي، فلم أقابله حتى الآن، لكنه اشتغل جيداً على موضوع الهوية بسلسلة من المقالات ضمن نزاعاته مع الطيب مصطفى وإسحاق أحمد فضل الله.
الآن أنا أحاول أن أتعرف على أصحاب مثل هذه الإسهامات، وكمركز نهتم بمتابعة أعمالهم وبمعرفتهم ونريد لهم أن يقدموا أفكارهم هذه.
على المستوى الشخصي، وجود شباب مهتمين بقضية الهوية هو أمر مفرح بالنسبة لي. هناك مجموعة كبيرة من الشباب يهتمون بهذه القضية كقضية أساسية وليس كترف ذهني كما يحاول البعض إظهارها، بل كأمر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلة السودان الحالية وكأمر مرتبط كذلك بالحل الجذري لها. وكنموذج، نحن في دولة موقعة على مواثيق الأمم المتحدة وعلى اتفاقيات جنيفا لكنها تشعل حرباً ولا تحتفظ بالأسرى بل تقتلهم. قتل الأسرى حرام في جميع الشرائع سواء أكانت سماوية أم أرضية، بل حتى إساءة معاملتهم محرمة فما بالك بقتلهم كما تفعل دولتنا هذه؟ من أين نتج هذا القتل؟ ما الدافع له؟ إنها قضية الهوية. سألت سياسيين كباراً طالباً منهم شرحاً لعدم احتفاظ الجيش السوداني بأسرى، كلهم أجمعوا على إجابة واحدة: (بقولوا ديل عبيد اقتلوهم بدل نأكلهم ونشربهم)، هذه قضية هوية، هذه عنصرية، لو لم تبلغ بك العنصرية مدى يجعلك (لا إنساني) فلا يمكنك أن تقدم على عمل مثل هذا.
لذلك أنا أتحدث عن أن مشكلتنا مشكلة تقع ما وراء السياسة والاقتصاد وتقسيم الثروة... الخ. كل هذا قد يحدث ولا تحل المشكلة ما لم نعد التفكير في من نحن. الذي جعلنا عنصريين هو أننا نعتقد أننا عرب وأولئك عبيد. لأن الأفريقي في الثقافة العربية فوق الحيوان مباشرة. فهل تتعاطف مع الحيوان عندما تذبحه في الأضحية مثلاً؟ لا تتعاطف معه. هذه تماماً هي النظرة الثقافية للعرب لمن يسمونهم بالزنوج أو الزنج. هذا هو الذي يجعلك تقتل إنساناً يحاربك من أجل حقوقه، هذا ما حدث في دارفورالتي تغالط فيها الدولة حتى الآن في هل قتلت ثلاثمائة ألف أم عشرة آلاف؟ حتى ولو كان العدد عشرة آلاف فهل هم عشرة آلاف ذبابة؟ أليسوا بشراً؟ ما الذي كان سيحدث لو كان هؤلاء العشرة آلاف قد قتلوا في شندي؟
* في جزء من رؤيتك للتجاهل الداخلي لمشكلة دارفور، أشرت إلى أن عملية القتل المنظمة للعنصر الأفريقي هناك هي في الواقع عملية قتل للمكون الأسود داخل الشخصية الشمالية. ألا يمكن أن يكون هذا التجاهل ناتجاً عن الإحساس بأن دارفور لا زالت مملكة قائمة بذاتها ولم تندمج تماماً داخل الدولة في الذهنية الشمالية (الوسط)، هذا بالإضافة إلى العداء المرتبط بالحروب والصراعات القديمة بين سلطنة الفور والفونج أو في مرحلة أخرى بين أولاد البحر وأولاد الغرب أو أولاد البلد وأولاد العرب الخ التسميات. ما أعنيه هو أنه ربما كانت ثقافة العداء القديمة لا زالت دفينة داخل نفسية الشخصية الشمالية منذ ذلك الزمن. ألا ترى حقاً أن لكل هذا التاريخ يد أعلى من مشكلة الهوية في الموقف مما يحدث في دارفور الآن؟
- بالتأكيد. أنا أؤيد هذا الكلام، ففي ما يخص الهوية فإن ما يحركنا هو المخاوف التاريخية. عندما زحف العبدلاب والفونج على سوبا كانت سوبا جاهزة وعلى وشك السقوط مثل الثمرة الناضجة. فزحفوا عليها من جهتين مختلفتين في سباق عليها. واصطدموا في الحرب الأولى التي انتصر فيها الفونج على العرب الذين رضوا نتيجة للهزيمة بأن يكونوا في المرتبة الثانية ومن ثم هجموا سوياً على سوبا واستولوا عليها، ولأنهم جميعاً كانوا قبائل رعوية لم يكونوا يقدرون العمران فخربوها.
كانت سوبا في وصف كتب الرحالة جنة الله في الأرض، قصور وحدائق وحياة دعة ورفاهية. ولو كان لدينا إحساس بهويتنا لكنا أبرزنا تاريخ سوبا هذا واهتممنا بآثارها.
في المهدية عندما صار الخليفة عبد الله التعايشي هو الحاكم لم يرض الأشراف بهذ الأمر ولم يقبلوه حتى في حياة المهدي الذي اضطر لأن يتبرأ منهم، فقامت عدة ثورات أولاها ثورة الأشراف التي قمعها الخليفة بعنف وقتلهم شر قتلة وبطريقة مهينة، كما أشار إلى ذلك يوسف ميخائيل في مذكراته.
الثورة الثانية كانت ثورة الكبابيش وفعل بهم ذات الأمر، ثم ثورة عبد الله ود سعد فكانت مقتلة المتمة المعروفة في التاريخ غير المكتوب، وقد تمت تغطية ما حدث فيها للنساء والأطفال من مهانة ولا إنسانية، حيث أرسلوا إلى أم درمان عرايا كما خلقهم الله، بل أراد التعايشة أن يتسرّوا نساء الجعليين اللائي زُربن في زريبة بأم درمان لعشرة أيام قبل أن يقرر الخليفة ماذا سيفعل بهن. وجدي المباشر (مختار) كان محتكاً بهذه المسألة عند حدوثها حيث كان عامل الخليفة في مدني، وقد نقل عنه الشيخ بابكر بدري الذي كان كاتب سره هذه الأحداث في مذكراته تحت عنوان (حادثة مؤسفة). فهذه الحادثة مستقرة في الوعي الجماعي في منطقة الجعليين، فعندما يقول أحد ما إن جون قرنق يريد أن يشرب القهوة في المتمة فهم يضعونه مباشرة في مكان محمود ود أحمد. فهذه الحادثة كما أسلفت هي ما يريد أمثال إسحاق أحمد فضل الله استدعاءها من أجل إثارة الكراهية والخوف. ولأسباب تاريخية مثل هذه، استقر في المنطقة النيلية مفهوم أنك إن لم تكن قاهراً للجميع فلن تكون بأمان. وهذا هو السبب الذي من أجله تسمى أي محاولة انقلابية يقوم بها شخص من الغرب أو جبال النوبة بـ(المحاولة الانقلابية العنصرية)، لكن لو كان من قام بالانقلاب من الشمال فيسمى فقط بـ (الانقلاب العسكري المدحور). فحتى على مستوى الخطاب لدينا نوعان من أنواع المحاولات الانقلابية الفاشلة. هذا التاريخ هو ما يقرر لنا الحاضر، فلا بد من الوعي به والتحرر منه.
* نريد أن نسألك عن مفهومك للثقافة، الذي بدوره يقودنا إلى السؤال عن المثقف والسياسي فيك، هل يقتل أحدهما الآخر؟
- التعريف الأشمل للثقافة أنها كل ما ينتجه مجتمع معين، من إنتاج مادي أو معنوي وروحي.
ولديها معنى آخر على مستوى الأفراد. لكن على مستوى المجتمعات فهي تمثل الـ(output)، أي كل ما ينتجه المجتمع.
في المجتمعات المستقرة التي حلت كل قضاياها الأساسية، يمكنك أن تفصل بين المثقف والسياسي، الأمر الذي يصعب حدوثه في المجتمعات غير المستقرة.
لا يمكن مع مشاكلنا في السودان أن لا يكون أي شخص سياسياً، لأنك منذ استيقاظك صباحاً وحتى موعد نومك تواجهك مشاكل كلها ذات طابع سياسي.
كيف لا يمكن أن تكون سياسياً وهناك من ينتهك خصوصيتك؟ أنت تجد أن دخلك أقل من منصرفاتك، كما إن هناك فساداً ضارباً بأطنابه، كذلك يوجد غنى يفوق التصور عند بعض الأفراد، يوجد انعدام للخدمات مع كثرة في الضرائب، هناك تلاميذ بلا مقاعد، التعليم منهار، هناك مدارس خاصة رسومها للطالب الواحد 12.000 دولار في السنة، وهناك من هم قادرون على دفع هذا المبلغ، كل هذه المشاكل تحيط بك فكيف لا تكون سياسياً؟
هذه الدولة مثل الدولة التركية التي ثار ضدها المهدي، دولة جبايات. دولة تمثل دور قاطع الطريق.
إن ما تسمعه عن الفن الملتزم والفنان الملتزم، هي أدبيات شيوعية ولكنها صحيحة داخل بلدان مثل بلدنا هذا. هم يقصدون الالتزام الحزبي في حين يجب أن يكون التزاماً للوطن.
وفي النهاية لا انفصال بين السياسة والثقافة، هما وجهان لنفس العملة. في بريطانيا مثلاً لديهم مفهوم بأن الحكام لا بد أن يكونوا من الأذكياء، وعندما لاحظوا أن عدد المثقفين الكبار في البرلمان وفي الحكومة متناقص، بحثوا في الأسباب التي تجعل الموهوبين لا يترشحون في الانتخابات ليدخلوا المجال السياسي فوجدوا أن الشركات توظف هؤلاء الموهوبين بمرتبات عالية وهم لا زالوا يدرسون في الجامعات بحيث تتوافر لهم الوظائف حتى قبل أن يتخرجوا. في حين أن المرتب للبرلمانيين قليل، فتم اقتراح بزيادة مرتب عضو البرلمان ليصبح أعلى من مرتب موظف الشركة وذلك ليجتذبوا ذوي المواهب والأذكياء.
نحن ليس لدينا هذا الأمر، هناك من لديه الكفاءة هو من يفوز، حتى ولو لم يكن مدعوماً من حزب. هنا لا بد لك إن أردت السلطة من الانتماء إلى الأحزاب الكبيرة، لذا نجد أن المثقفين الانتهازيين يتقلبون بين الأحزاب حسب الموجة حتى يجدوا الفرصة، رغم أنهم لا يتركون أثراً بسبب بنية الحكم الشمولية. لذلك أفضل العقول في مجال السياسة لدينا لم تجد سبيلاً للحكم، أمثال الأستاذ الخاتم عدلان الذي أعتقد أنه من أعظم السياسيين أصحاب الرؤى الذين مروا على السودان، كما كان يمتلك بصيرة في رؤية الأشياء وفي توقعها عن طريق التحليل السياسي الصارم، مثلما حدث عندما توقع أحداث 11 سبتمبر في مناظرة في الجزيرة مع عبد الباري عطوان من جريدة القدس. لكن انحياز الخاتم لقضايا الجماهير جعله ينتمي لحزب بلا أمل في وصوله للسلطة.
* ما رؤيتك حول كتابة التاريخ؟ إذ أن هناك أخباراً عن أن الحكومة عينت السموأل خلف الله ليكون منسقاً لكتابة تاريخ السودان في القرن العشرين، حيث سيكوّن لجنة بها عدد من المؤرخين السودانيين للقيام بهذه المهمة.
 - أنا لا أعرف من هو السموأل خلف الله أو ما هي خلفيته، أهو من الإسلاميين؟ الإسلاميون لن يعيدوا كتابة التاريخ بالمعنى المعروف. الإسلاميون هولاء هم أكبر مزيفين للتاريخ مروا على السودان وعلى الإسلام ككل، هؤلاء بإمكانهم أن يزيفوا حتى تاريخ الصحابة! فليس لديهم وازع أخلاقي ليمنعهم من الكذب وهذا بحكم التجربة.
مشكلة الإسلاميين أنهم يرون في كل شيء معركة سياسية، حتى لو كان الأمر عبارة عن قضية فكرية أو غيرها تراهم يستخدمون فيها الأسلحة السياسية التي علمهم إياها الترابي، الأسلحة التي بلا أخلاق، التي تمنحك رخصة لعمل أي شيء طالما أنت إسلامي وتعتبر أنك خليفة الله في الأرض.
أنا أدعو لإعادة قراءة التاريخ وإعادة كتابة التاريخ، لدينا حتى الآن تاريخ غير مكتوب ولا زال متناقلاً بأفواه الناس دون أن يدون في كتب، مثل الوجه الآخر من تاريخ المهدية غير المكتوب حتى الآن، أعني تاريخ المهدية من وجهة نظر الكبابيش والجعليين والأشراف والجنوبيين. كذلك التاريخ في منطقة دارفور ومناطق الشلك والنوير لا يزال غير مكتوب. وخصوصاً ما كان منه مرتبطاً بالمهدية. وتاريخ الرق في السودان كذلك غير مكتوب، أحفاد الأرقاء في السودان يمثلون قضية اجتماعية كبيرة ومهمة لكن لا أحد يتحدث عنها. حتى الآن هم فئة صامتة في كل الأماكن، في العراق واليمن والخليج، لقد كان أكبر سوق للرقيق الأفريقي هو شبه الجزيرة العربية، أين ذهب هؤلاء؟ لماذا لم يكتب عنهم أي شيء؟ نسمع في التاريخ بثورة الزنج في بغداد، أين أحفاد هؤلاء الثائرين؟ كل هذه القضايا هي بؤر تمت تغطيتها واستبعادها.
التاريخ النوبي القديم والمسكوت عنه نحن الآن نغمره، فسد كجبار سوف يغرق تاريخاً ليضيع إلى الأبد.
 عندما تقرر إنشاء السد العالي مثلاً جاءت بعثات من الأمم المتحدة والجامعات وقامت بالتنقيب قبل إنشاء السد، فأنقذوا كمية كبيرة جداً من التاريخ قبل أن تغمره المياه. هنا عندما يراد إقامة سد، يجب أولاً أن يعامل من يراد أن تنشأ من أجلهم التنمية بتقدير وليس كالأطفال، لا تفتح أفواههم بالقوة لتسقيهم الدواء، عليك أن تقنعهم بأهمية الأمر أولاً.
 الأمر الثاني أنهم بعدما اقتنعوا يجب عليك كدولة أن تهتم بألا يضيع هذا التاريخ فتستعين بالعالم والجامعات وعلماء الحفريات ليأتوا وينقذوا أكبر قدر من التاريخ الذي سوف تغمره المياه.
لكن وبقرار من الدولة العروبية، فإن كل هذا التاريخ النوبي لا نريده، ربما لأنه تاريخ وثني أو مسيحي! هكذا يشطبون سبعة آلاف سنة من التاريخ.
بل حتى التاريخ الموجود والمكتوب لا ندرسه لأبنائنا في المدارس. بل ندرسهم تاريخاً مليئاً بالمغالطات والحقائق غير الصحيحة إضافة إلى تدريسه بطريقة عقيمة جداً.
أعتقد أن التاريخ مهم في تكوين هوية الإنسان وتكوين وعيه، لماذا ليس لدينا وعي بالتاريخ النوبي؟ في حين أن العالم كله مهتم بهذا التاريخ وفخور به باعتبار أن النوبيين من أعظم الشعوب التي أسهمت في حضارة العالم، بل حتى لديهم إسهامات علمية وإدارية قامت عليها الدول. الدولة النوبية كما أشار مدير المتحف البريطاني، هي أطول الدول عمراً في تاريخ العالم حيث استمرت لأكثر من خمسة آلاف سنة متصلة من سنة 375ق م، وحتى القرن السادس عشر الميلادي وذلك عدا خمسمائة سنة استولت فيها مصر على النوبة العليا ولكن ظل النوبيون يقاومون طوال هذه الخمسمائة سنة حتى استطاعوا الانتصار على المصريين وأن يطردوهم من أرض النوبة ثم يستولوا على مصر نفسها. بعدها ظلت قائمة حتى سقوط سوبا.
كان النوبيون أول من صنع اللون، إضافة إلى إنجازات أخرى تثير الفخر، لكن كل هذا لا ندرسه لأطفالنا، لا نريدهم أن يحسوا أنهم نوبيون، لذلك فقط ندرسهم تاريخ الإسلام والصحابة وما شابه ثم ندرسهم الجغرافيا ليعرفوا من هو رئيس عجمان أو أميرها ولكنهم لا يعرفون من هو رئيس دولة مثل الكونغو التي تقع في المرتبة الثانية من حيث المساحة بعد السودان في أفريقيا. هذا وضع غير معقول.
* استدللت عدة مرات بصراع الهويات في أمريكا (السود ـ البيض)، ألا يمكن أن يكون أوباما إعادة لتعريف هذه العلاقة، الآن كيف يمكن أن تقرأ ظاهرة أوباما؟
- أنا أتحدث كثيراً عن أمريكا لأنها وضعت قدمها على طريق حل مشكلة الهوية والعنصرية، وذلك عن طريق التشريعات والقوانين وعن طريق نضال من وقعت عليهم هذه العنصرية بالإضافة إلى المهمشين والمثقفين الليبراليين البيض الذين قدموا نقداً ذاتياً عظيماً.
كذلك أسهمت البنية الفردية لديهم على هذا الأمر، هناك الأساس هو الفرد وليس المجتمع، مثلاً لو أحبت الفتاة البيضاء شاباً أسود فلن تؤثر فيها الضغوط الأسرية إذ أنها يمكن أن تستغني عن هذه الأسرة بسهولة إذا قيدتها.
لكن نحن نختلف، هنا الأسرة هي التي تقرر لأفرادها أولاداً كانوا أم بناتاً من يتزوجون. القيود الاجتماعية يكسرها الأفراد بالتمرد عليها ثم بعد ذلك يصبح التمرد معتاداً قبل أن تنهار هذه القيود نهائياً، الآن هي قد انهارت في أمريكا.
في أمريكا لا يوجد نص في الدستور يقول إن الأسود لا يجب أن يكون رئيساً مثل ما لدينا هنا كما كان في أدبيات الإسلاميين بأن غير المسلم لا يمكن أن يكون رئيساً، وعندما يكون المانع غير موجود فستأتي ظروف تجعل أحد المهمشين يكون مؤهلاً للصعود.
وفي أمريكا صعد أوباما، الذي يتكلم الآن في ما يسميه (مابعد العرق)، وأعتقد أن مجرد ترشيحه أحدث نقلة كبيرة جداً لمصلحة التخلص من العنصرية في أمريكا، أما إذا فاز فهذا سيعني انتصاراً لاتجاه التخلص من العنصرية.
نحن في السودان يجب أن نسن تشريعات دستورية تؤكد على أن المؤهلات للمناصب الرفيعة في الدولة يجب ألا تكون لها علاقة بالدين أو العنصر، هذه هي الخطوة الأساسية، ثانياً يجب وجود عدد كبير ممن المثقفين والمتعلمين والكتاب والسياسيين من شمال السودان النيلي لهم موقف قوي ضد العنصرية، وأن يضعوا أيديهم بأيدي الذين تقع عليهم هذه العنصرية وذلك بالإضافة إلى نضال المهمشين.
في السودان الآن الأشياء لم تعد هي الأشياء. لن ترجع دارفور إلى ما كانت عليه مرة أخرى، ولا جبال النوبة ولا الإنقسنا، على كل حال هم قد قرروا مصيرهم. بحيث أن هذه الدولة إذا لم تمنحهم حقوقهم ليعيشوا فيها أحراراً ومتساوين فلن ينتموا إليها. إذا واصلت هذه الحكومة في اتجاهها الحالي فسوف تجد أنها في أحسن الأحوال أصبحت تحكم الخرطوم ومدني وشندي فقط.
من أجل أن يكون لدينا وطن نعيش فيه متساوين، فلا بد أن تتحطم البنى القديمة التي أوردتنا موارد التهلكة هذه.