الجمعة، 17 فبراير، 2012

محمد آدم فاشر (3-3)


يلخص محمد آدم فاشر أحداث المكيدة التي دبرت لإسماعيل باشا - حسب السيناريو الذي يقترحه - في أن "الحملة ظلت تطارد المماليك، وبعد معركة كورتي فروا إلى بلاد الجعليين ومنها إلى النيل الأبيض، وعندما توجهت الحملة إلى النيل الأزرق للقضاء على مملكة سنار عاد المماليك إلى بلاد الجعليين وخططوا للمؤامرة، هو ما يفسر الإعداد المسبق للمواد بغرض خلق الذعر وإرباك صفوف الحملة"، وهو رأي يتسق مع رؤية الشاطر بصيلي الذي يصرّ على أن المماليك هم من أحرقوا إسماعيل. ويصف آدم فاشر دور المك نمر بأن كل ما فعله هو أن أعد وليمة ضخمة تناسب مقام الحاكم الجديد للبلاد بغرض التقرب إليه، دون أن ينتبه إلى الأجندة الأخرى التي كان يحملها المماليك. وهو - آدم فاشر - يضع ملاحظة أن الطريقة التي اغتال بها المماليك ابن الباشا هي ذات الطريقة التي دبر بها والده محمد علي مذبحة القلعة ضدهم. ونضيف نحن هنا أن أسلوب الغدر بالخصوم وهم على مائدة الطعام لم يثبت استخدامه - على حد علمي - من القبائل السودانية لا قبل تلك الحادثة ولا بعدها، ما يقوي من رواية آدم فاشر عن أنه أسلوب (وافد) مع المماليك الذين تعرضوا لمذبحة بذات الطريقة من قبل.
وعن حملة الدفتردار الانتقامية يرى محمد آدم فاشر أنها لم تكن بالقسوة التي صورت بها وإلا لأبيدت قبيلة الجعليين من قبل الأتراك الذين سيطروا سلفاً على كل الرقعة الجغرافية التي من الممكن أن تتحرك فيها القبيلة لستين عاماً، ولو كانت الحملة بتلك القسوة لاختفى الجعليون إلا من نفذوا بجلدهم إلى الحبشة والأصقاع الأخرى النائية.
ثم يصل آدم فاشر إلى خلاصة ما يريد قوله وهو إن حصر تاريخ الأمة - كما يقول - في حادثة قطع طريق أو مؤامرة انتقام، عمل يعيب الكتابة التاريخية، وفي أحسن الأحوال هو ليس سوى تاريخ قبيلة ودائماً يضاف إليه ما يعلي من شأن القبيلة ويسبغ عليها البطولات وغير ذلك من أوصاف الكمال على حساب الحقيقة أو على حساب الغير. قبل أن يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ باستصحاب وجود مملكة المماليك بدنقلا إذ يرى أن إخفاء مملكة المماليك والنتائج المترتبة على تدميرها أدى إلى بتر فصل كامل من تاريخ السودان مما جعل البعض يحاول الاجتهاد لمعالجة الخلل في السياق التاريخي.
في بداية عرضي لهذه المقالة قلت إن مقالة آدم فاشر تحتوي على الكثير من الجوانب التي يعتبر نقاشها تجديفاً تاريخياً، هذا إن لم يوصف كاتبها بـ(الشعوبية) مثلاً. ورأيي هذا بنيته على النقاط التي يمكن أن نخلص إليها منها - المقالة - وتطعن خاصرة الرواية الرسمية المتداولة، وهذه النقاط هي:
أولاً: غزا محمد علي باشا السودان لمطاردة المماليك الذين نجوا من مذبحة القلعة وكونوا مملكتهم في دنقلا، وليس من أجل المال والعبيد كما قيل.
ثانياً: لم يحارب الشايقية الغزاة بل انضموا إليهم وما يحكى عن تحميس مهيرة بت عبود لهم لم يكن في معركة كورتي ضد الأتراك بل كانت المعركة ضد المماليك.
ثالثاً: لم يقتل المك نمر إسماعيل باشا حرقاً بل المماليك من فعلوا ذلك.
رابعاً: لم يخصّ الدفتردار الجعليين بقسوة تزيد عن قسوته المعتادة على بقية القبائل.
أخيراً: بنيت الرواية الرسمية عن أحداث الحملة على وجهة نظر القبيلة التي تنزع إلى منح القبيلة بطولات تعلي من مكانتها بين القبائل.
وبعد. هذا سيناريو يشحذ الخيال حقاً، اقترحه محمد آدم فاشر لبعض ما صاحب الحملة التركية على (السودان)، وهو يبين - في رأيي - وجود طرق وزوايا يمكن النظر منها لترتيب السياق التاريخي بما يوافق الأدلة والاحتمالات دون إهمال أي منها من أجل الوصول إلى أقرب رؤية للوحة التي رُسمت بتفاعل مكونات كثيرة ومعقدة.
شكراً محمد آدم فاشر.

الأربعاء، 15 فبراير، 2012

محمد آدم فاشر (2)



يقترح محمد آدم فاشر في مقالته (الثأر من كردفان والنيل الأبيض على جريمة شندي هو الفصل المبتور من التاريخ المسطور)؛ سيناريو مختلفاً للأحداث التاريخية التي صاحبت حملة محمد علي باشا على السودان. وهو سيناريو على درجة من الإمتاع ويصلح ليكون مرتكزاً لمزيد من التأمل في الأسئلة الحائرة التي تصاحب التاريخ (الرسمي) على أمل جلاء ما خفي منه.
يرى محمد آدم فاشر أن السبب الأول لحملة محمد علي على السودان كان القضاء على المماليك الذين نجوا من مذبحة القلعة وفروا إلى السودان مؤسسين مملكة قوية في دنقلا وما حولها. وعليه يقترح أن كل المقاومة والمعارك التي تعرضت لها الحملة كانت من عمل المماليك، وهو ما يرى أنه بُتر ممن كتبوا تاريخ السودان، ما أدى إلى ضياع فصل مهم يغير وضع الأحداث في السودان ككل.
ويستدل آدم فاشر بمعركة كورتي - مثالاً - التي قال إن التاريخ صورها على أنها معركة الصمود ضد المحتل. ويرى أن رواية وزارة التعليم السودانية (الرواية الرسمية) لا تحقق حاجة البحث العلمي الذي يحدد لكل معركة هدفاً من أربعة أهداف هي: دينية، اعتداء بغرض الحصول على المغانم، رد الحقوق، صد العدوان.
ويناقش آدم فاشر فرضية الوزارة بأنها لصد العدوان ويرى أن هناك عدة نقاط تقف في وجه هذا الأمر مثل: أولاً إنه بالمقارنة بحجم القبيلة لا يستطيع الشايقية حشد عدد كبير من المقاتلين، وليس هناك ما يدل على أنهم استنفروا القبائل الأخرى من حولهم. ثانياً إن انخراط الشايقية في حملة الخديوي كان طوعاً ووصفه بأنه حدث غريب في عرف الحروب لأن المواجهات العنيفة تترك مآسي من الصعب جداً عبورها في اللحظة إلى مرحلة الصداقة، وإذا ما أرغموا على الانخراط في الحملة وهو ما لم يحدث لأية قبيلة قبلها وبعدها فالأولى أن يتم تجريدهم من السلاح وهو ما لم يحدث.
من هذه الملاحظات يقترح محمد آدم فاشر أن ما حدث لا يمكن قراءته بمعزل عن دور المماليك وأنهم قاوموا الحملة في معارك طاحنة كانت من ضمنها كورتي حيث حملوا الشايقية على القتال معهم وعندما انهزموا جنوباً انضم الشايقية إلى الباشا لملاحقة المماليك. ثم أورد رواية أخرى تقول إن المماليك عندما انهزموا في أرض النوبة من قبل جيش إسماعيل فروا جنوباً مع عائلاتهم ومنقولاتهم فحاول الشايقية قطع الطريق عليهم ربما طمعاً في ما يحملون لكنهم تعرضوا للهزيمة مما أوجد الحاجة إلى صوت نسائي يحثهم على الثبات فكانت (مهيرة).
ثم يعرج آدم فاشر إلى حادثة حرق إسماعيل باشا بأرض الجعليين، مورداً الرواية المشهورة عن مطالبة الباشا للمك ثم إهانته ومن ثم المكيدة والحرق. ويبدي ملاحظات ذكية هي: أولاً كان الموسم موسم أمطار مما يصعب الحصول على الأعشاب بالمواصفات المذكورة تاريخياً، وإذا وقع الافتراض أنها جُمعت منذ موسم الجفاف فما السبب؟
ثانياً صورت الرواية السائدة موكب الباشا وكأنه موكب صغير يمكن استضافته في منازل من القش تُنشأ سريعاً.
ثالثاً لم تؤكد المصادر أو الرواية المدة التي قضتها الحملة ببلاد الجعليين والسبب الذي يجعل الحملة تتأخر هناك.
رابعاً لا يحتاج الباشا لإذن من المك للحصول على المال والأنعام!
ويواصل آدم فاشر في عدد من التساؤلات حتى يصل إلى ملاحظة أن حملة الدفتردار الانتقامية ذهبت إلى كردفان ثم إلى النيل الأبيض قبل أن تأتي أخيراً إلى بلاد الجعليين! قبل أن يتساءل السؤال الرئيسي لديه في هذه المسألة: إن مقتل إسماعيل باشا في شندي عند عودته عبر مكيدة هذه حقيقة تاريخية، ولكن يبقى السؤال من الذي فعل ذلك؟


نتابع.

الخميس، 9 فبراير، 2012

محمد آدم فاشر (1)


(1)
من قديم كنت أحس بأن ثمة خطباً ما في (تاريخ السودان). أستند في إحساسي بهذا الخطب إلى هشاشة المسلمات التاريخية التي اعتمد عليها السرد الخيالي - بنظري - الذي سمي (تاريخ السودان) ومن ثم حُشيت به رؤوسنا بلا ترفق.
الأسئلة النشطة التي كانت تثاورني من حين إلى حين، تبدو إجاباتها (الرسمية) بلا سند من أبسط أنواع المنطق. كانت هذه الأسئلة من نوع: ما الذي حدث خلال 300 سنة قبل الفونج؟ أين ذهب العنج؟ من أسقط دولة علوة؟... الخ؛ كلما أغرقت فيها، وجدت أن ثمة يداً عبثت بشيء ما  في مكان ما لغرض غامض.
ومن أجل أن يكون ما أرمي إليه جلياً، فقد تم التعارف (مدرسياً) على أن إسقاط دولة علوة جاء عبر تحالف (العبدلاب) و(الفونج). بغض النظر عن تجاهل روايات أخرى غير رواية التحالف الرسمية، يمكننا ملاحظة أن في ذاك الوقت (حوالي 1500م) لم يكن هناك (عبدلاب) إذ إنهم أبناء عجيب بن عبد الله جماع... الخ القصة، وحتى لدى ود ضيف الله مثلاً لا نجد هذا الاسم (العبدلاب) بل يشير إليهم باسم (أولاد عجيب) أو (ولد عجيب شيخ قري).
جرت محاولات تصحيحية لاحظتها مؤخراً بجعل التحالف بين الفونج والقبائل العربية بقيادة عبدالله جماع القاسمي، إلا أن هذه المحاولات لم تأخذ بعد قوة تمكنها من إزاحة المسلمة السابقة.
ذات الأمر يشبه الإجابة على سؤال: أين ذهب العنج؟ وهم نوبيو دولة علوة. بعضهم لديه الشجاعة - مثل د.الباقر العفيف - ليقول: (العنج ديل نحن ذاتنا) والبعض يتجاهل هذا السؤال تماماً. إلا أن الطريف هو تعامل الروايات المحلية الشفاهية مع هذا الأمر، فالنوبيون انقرضوا بالجدري (مع ملاحظة أنه جدري انتقائي جداً لم يقتل غيرهم من مساكنيهم) وذلك دفعة واحدة مثلما هي الرواية الشائعة في شرق النيل الأزرق، أو أرسل إليهم الله ثعابين ووحوشاً طردتهم إلى الصحراء ليفسحوا المكان للعرب الوافدين مثلما هي الرواية في الشمالية.
إن أسئلة مثل هذه - على بساطتها - تفتح أفقاً آخر للنظر، مدهشاً، ومفاجئاً، ومحطماً للكثير من الأوثان التي نحن عليها في اعتكاف.

(2)
ما دفعني لنبش هذا الموضوع مرة أخرى، الزاوية الممتعة التي نظر منها محمد آدم فاشر إلى التاريخ المدون للغزو التركي للسودان. إذ يفترض أن ثمة انتحالاً جرى لمقاومة المماليك للجيش الغازي؛ من قبل الشايقية والجعليين (كورتي ومقتل إسماعيل). وهو يؤسس هذا الرأي على تساؤلات منطقية وقراءات للواقع المحيط في جدله مع الصراعات القائمة في ذلك الوقت. مشيراً إلى عدم قدرة القبائل على حشد الأعداد التي قيلت، إضافة إلى أن مفهوم الوطن في ذلك الوقت لم يكن يعني أكثر من حمى القبيلة.
تحتوي مقالة آدم فاشر على الكثير من الجوانب التي يعتبر نقاشها تجديفاً تاريخياً، هذا إن لم يوصف كاتبها بـ(الشعوبية). إلا أنها مع ذلك ممتعة، وواضحة، وإن لم تخل من أثر التدافع القبلي المحتدم مؤخراً.
سنعود إليها.