السبت، 26 مايو، 2012

إنها الحرب



على مضض، ومجبراً، يتحمل النسق الاجتماعي التغييرات التي تضربه. أوان هزيمته لا ينسى، فقط يطأطئ قليلاً ريثما يجد ثغرة ينفذ منها مرة أخرى إلى تشديدٍ أكثر قوة على ما أفلت منه.
يبدو النسق، حين النظر إليه بتجريد كافٍ، أقرب إلى كائن حي يوظَّف لعرقلة الحركة باتجاه انعتاق الإنسان؛ الحركة باتجاه الغد. وهو إذ ينحاز إلى ما هو موجود؛ يستخدم أكثر من حيلة تتجلّى حين التدقيق في تفاصيل سهلة الهضم سريعة التأثير في بنية المفاهيم بما يجعل كل من يقع عليه هذا التأثير أقرب إلى الروبوت المبرمج مسبقاً لفعلٍ لا يفهمه.
إن أخذنا مثالاً صغيراً من الصحف -وهي حقل غني للغاية بالأمثلة التي توضح تحركات المجتمع- ربما لم يتساءل الكثيرون عن المغزى من إيراد عنوان خبر كهذا: (وفاة طالبة جامعية بعملية إجهاض). أعني المغزى لتعريف الفتاة بأنها (طالبة جامعية) وليس (فتاة) ليصبح العنوان: (وفاة فتاة بعملية إجهاض)، مع ملاحظة أن صفة (طالب جامعي) من النادر أن تُلحق بأحد الذين أتوا فعلاً خارقاً للقانون من الذكور.
قبل التساؤل عن الغرض من تركيب الجملة ذلك التركيب، فلنسترجع الحملة الاجتماعية التي كانت، على الطالبات الجامعيات عموماً أولاً، ثم تخصيصاً الطالبات القادمات من الولايات، اللائي يسكنّ الداخليات. تلك الحملة التي أسفرت عن صورة ذهنية تكاد تكون عامة عن (بنات الأقاليم) أو (بنات الداخلية) أصبح من الصعب محوها لفترة من الزمن.
إنها حرب -برأيي- من النسق الاجتماعي. حرب ليست ضد الوجود الولائي بالعاصمة كما قد يتخيل البعض، هي حرب على تعليم البنات، فقط تتستر هذه الحرب خلف موقف (عاصمي) ضد الولايات.
لا زلت أرى أن النسق (سميته هكذا لأنني ضجرت من كثرة استخدامي لمفردة النظام) قبل على مضض تعليم البنات، لكن هذا القبول اعتراه رعب أن تصير النساء هن المسيطرات مع تزايد أعدادهن في المستويات العليا للتعليم، وكذلك مع تلاشي فعالية الدعاية التي تجعل غاية المرأة القصوى في الحياة (حصولها) على رجل. صار النسق مخترقاً بما يجعل قبضته تتفلت منها المفاهيم غير المسيطر عليها. هنا لجأ النسق عن طريق عملائه (وهم المتضررون من تغيير قواعد اللعبة الاجتماعية) إلى محاولة إعادة زرع فزّاعة تعليم المرأة القديمة، تلك التي تجعل تعليم المرأة ضد (شرفها)، ومجلبة للعار إلى رجال أسرتها بأن يكون لديها رأي.
إلا أن المحاولة الحديثة الآن، ناعمة وحذرة، تقديراً لتغيرات الزمان ومراعاة لحركة المفاهيم الجديدة التي يصعب هدمها، لكن يمكن تلويثها أو تسميمها، وهو ما يحدث من الميديا الموجهة محلياً.
نعم، هي حرب تهدف إلى جعل (الطالبة الجامعية) مقابلاً لـ(الانحلال) حتى يصل الأمر بالواحدة منهن إلى إنكار أنها طالبة، أو إنكار أنها ولائية، أو حتى إنكار سكنها في داخلية، وربما في ما بعد تفضل بعضهن عدم التعليم بعد أن تتحكم الصورة الذهنية هذه في أذهان أوليائهن.
هي حرب واحدة من حروب لا حصر لها السلاح فيها الميديا، والتعليم (بوصفه ميديا كذلك). فليراجع أحد النكات التي تلقى من فرق النكات التي انتشرت ذات حاجة إليها من النسق: نكات عنصرية، أخرى دعائية، وغيرها من النكات التي ترسخ للحرب ضد تعليم المرأة وإن كان بطريقة السم في الدسم.
إنها الحرب.. وأوارها في ازدياد.

الأحد، 20 مايو، 2012

القادمون



اهترأ النظام؛ أو ربما هو يحاول تغيير جلده ليواكب الضغط الرهيب الذي تمارسه عليه أجيال شجاعة بدأ طرقها الخفيف في بادئ الأمر على آلة النظام يتعالى. يحاول النظام تغيير جلده ليسيطر -كالعادة- على القفزة الجديدة المنتظرة من أولئك الذين كانوا صغاراً؛ من ولدوا وشبوا في ذروة عنف النظام على البشر هنا؛ حيث الجغرافيا التي تسجننا في حدودها وهي تتشبه بجغرافيات أخرى تخنق الكوكب.
أن يقول أحدهم بصوت عال: (أنا ضد)؛ فهذا أول الغيث مما يخيف هذه الآلة الجهنمية التي تطحننا كل ثانية محاولة إعادة تنميطنا وفق آلياتها للسيطرة.
هم شجعان، بلا شك، متمردون، وإن بتهور جميل، حالمون على طريقة جيفارا وفانون، يطأون ما ظلّ معوقاً للتقدم الحر في كل الجهات. أعني من هم الآن في الجامعات، بسنواتهم العشرينية العجفاء، من لا نعرف كيف يفكرون، أو ربما نعرف بصعوبة، ولكن -برأيي- لن نمتلك شجاعتهم هذه بعد أن تعرضنا لكل ذاك التدجين القسري المستمر.
كنا ونحن في أعمارهم، حين نناقش حتمية التغيير، ضرورة الخروج من النظام البالي الخانق بكل مسلماته وتقاليده وعاداته وقهره وثيماته وميثولوجياته الخادمة لاستغلالنا؛ كنا في كل مرة نصل إلى نتيجة محبطة بعض الشيء؛ هي أننا لسنا الجيل المنوط به التغيير، بل إن جيل التغيير قادم، نحن فقد منوط بنا الزلزلة، هدم المسلمات ونزع القداسة عن كثير من أواليات الفعل التي تقود إلى تقييد الإنسان بعيداً عن احتمالات انطلاقه كقيمة ذات وجود مستقل في فضاء الأشياء. كنا نرى أن مهمتنا التي يجب علينا الوعي بها هي التجهيز، وإن كنا محظوظين ربما سنشهد التغيير ونكون جزءاً منه.
بعيداً عن الأيديولوجيا، وبعيداً عن مديح القادمين، لم أكن ذا أمل بأن أشهد بداية تحرك الأرض تحت كل ما هو ماضٍ، قديم، بليد؛ أي تحت كل ما هو قاعدة النظام. لكن الآن أشتم رائحة التململ ممن سيبدأون التمرد أول ما يبدأون على القانون الاجتماعي نواة التمييز الأولى بين البشر، التمرد على الطقوس التي اهترأت شدة ما هشّ عليها المغيبون وهم لا يدرون، خدمة لغيرهم، غشاً بمفاهيم لم تُختبر لتبقى، فقط هي تابوهات كئيبة تجعل حياة الفرد القصيرة مخزناً للاجدوى تعطل فرصة المتاح لقول (لا).
أنا مع الجديد، وآمل ألا تخذلني الشجاعة، أنا مع من هو ضد كل هذا، مع البناء من جديد بعد هدم كل ما هو قائم حتى أساسه، البناء على أساس جديد كلياً. أنا مع كنس كل أثر للنظام يجعل منا حيوانات أليفة خانعة خاضعة يسيطر عليها السادة الذين يمسكون بكل مفاتيح العيش ويخدعوننا بصنع نموذج أسمى علينا اللهاث خلفه علنا ندرك منه شيئاً في آخر المطاف.
إن كنت إنساناً فمن حقي اختيار كيف أعيش وأين.. ببساطة هذه المسلمة نظرياً أجد كيف أن النظام وسادته جعلوها مسلمة ساذجة حد أنها غير قابلة للتنفيذ.
أملي بات معلقاً بموران أجيال تتحرك الآن، يحسبها الغافلون أجيالاً (مسيخة) غير ذات علم بوجودها، ولكني أعلم أنها أجيال تعرف ما تريد، فقط تحاول إحكام كيف تفعل ما تريد، وحينها أبشرني بانقلاب في الحياة، فوضى كأجمل ما يكون.
اهدموا، فليس ثمة بناء هنا، بل فقط الخدعة القديمة. كونوا ضد كل قهر، ضد كل توجيه، هو التمرد ما يجعل الإنسان يكاد يلامس حد الكمال.

الأحد، 13 مايو، 2012

حاجة


هو توق إلى الاستدراك؛ ذلك الذي ينتاب رغبةً في العودة إلى اشتعال الذهن شباباً، لتعويض ما أُنفق في الذي صار إلى هباء.
هو توق إلى أوان شهيةٍ لا تنام، تأتي على ما تجده دون مضغ، دون نأمة لتذوق، فقط التهام ما يراه البصر فيرسله إلى ماكينة الطحن الجديدة الشديدة، علّ يكون مخزوناً لفتوحات في الرؤية، لاختراقات إلى الكمال.
هو بقاء قيد النوستالجا –ليس الحنين إلى الماضي ما أعني- طالما صار كل شيء صعباً، وكل جهد يتسرب مثلما تتسرب الروح من ظلها، وكما يتسرب الموت طي ابتسامات الطريق إلى الفناء.
أمن طريقة لاستعادة ما انتهى القفز فوقه من زمن وبات فجأة ذا جدوى حين حاجة إلى مذاق قديم؟
أذكر (حكايات شحرور صغير) و(النجمة الحمراء المتلألئة)؛ كتابين لا أظنهما استطاعا النجاة عبر السنوات بعد أن قذفتنا الثقافة الماوية بترجماتها أملاً في أن يضمنا –الأطفال- غطاء الأيديولوجيا.
أذكر كتاباً يحكي عن رحلة بحّار عليه أن يوصل شحنة من سمك التونة عابراً موانئ البحرين الأبيض والأحمر إلى مكان لا أذكره الآن.
أذكر مجموعة من القصص المترجمة التي لم يعلق منها بالذاكرة سوى (المرحومة أخت زوجته).
أذكر (المختار من ريدرز دايجست) وتعبيراتها الشابة مغموسة في رائحة القديم حتى إنه ليصيب بالضحك.
أذكر كل هذا ومثله، فترتعش حلمات ذاكرتي وكأنما رشت بماء مثلج. أتساءل: كيف سأحس إن حصلت على كل هذه الأشياء؟ كيف سيكون إحساسي وأنا أقرأ أول (ميكي جيب)؛ أول قصة في ميكي جيب (زهرة الكرم كرم)؛ مرة أخرى الآن وليس قبل بضعة وعشرين عاماً؟
هي نوستالجا لإحساس. إحساس لا تصدره إلا القراءة، مثلما أشتهي –أحياناً- حلماً قديماً حلمت به قبل عشر سنوات؛ أشتهي أن أحلم به من جديد.
لمثل هذا؛ أنقب عمّا كان (أحمد) يستظهره لنا من ذاكرته الفولاذية بصوته بطيء النبرات ونحن نقاوم أصيلاً من أصائل يونيو الملتهبة، تحت شجيرة سيسبان لا تكاد تغطي نفسها. كان يقرأ لنا ما تيسر من (حكاية البنت التي طارت عصافيرها)، (وانجا)، (سيناريو اليابسة)، (غناء العزلة ضد العزلة)، أشعار درويش، محمد القيسي، الماغوط، مقاطع من دوستوفيسكي، فرويد،.... إلى آخر ما يكمل اليوم بليله.
أنقب عن أغنية سمعتها –عابراً- آناء حافلة متجهة إلى الصحافة زلط ولم تكتمل حين نزلت (طرمبة حجازي)؛ زهرة روما بصوت العطبراوي، زاد الشجون تسجيل من آخر الحفلات، إبراهيم عوض يغني: النهيد رمان والشلوخ مطارق.. جوز البرتكان الكاوي قلبي حارق.. بيني وبينو بس مية وألف فارق.. يا قمر دورين نور المشارق.
أقتفي أثراً ضاع لضحكة أمتعتني في حينها حتى لكأني ولدت الآن مرات ومرات؛ ضحكتي حين برهة توقفت فيها حركة الأشياء ليخلو البال من كل شيء غير ذلك الإحساس الغامض الذي يظهر في شكل ضحكة تكاد تصبح حيةً كثرة ما تحمل من روح.
أقول هو توق إلى الاستدراك؛ طالما أن حياة واحدة لا تكفيني. أحتاج لحيوات بعدد ما يمكن، بعدد ما سيجيء؛ إذ أحتاج –تماماً- أن أكون أناي.

السبت، 5 مايو، 2012

استرابة


يتآكل قاموس الكاتب بقدر ما يتآكل خياله، الذي يقتله – الخيال – شحّ الدهشة حين إن التطور في سباقه مع الخيال يكاد ينتصر.
لم يعد ثمة ما يمكن تخيله ولا يتحايل عليه الناس بطريقة ما، منذ بدائية المدهش كأن يطير البشر، وحتى تجسيد كائنات مركبة من صور مستحيلة قبل أن تأتي السينما الرقمية وتهدّ استحالة أي شيء.
حين يقفز العالم قفزة أخرى ربما لن يعود خيال هناك. ربما ستموت الكتابة، أو بأقل تشاؤم تحاول الدخول أكثر إلى الكهف الذي يظل عصياً –ربما- ذلك أنه النفس البشرية.
يتآكل قاموس الكاتب، حين خياله لا تقدحه التراكيب الجديدة، حين لا اختراق جديد وكل الزوايا مضاءة، والمدينة الزاحفة تقتل أول ما تقتل التفاجؤ.
ما يكتب الآن –برأيي- ينزع نحو الدخول في مونولوج داخلي بلا نهاية، تساؤلات تقشّر طلاء الخيبة المدنية، ذلك الذي غطى الإنسان.
بكل اللغات يحاول الكاتب كسر السياق المفضي إلى خارج غيبوبة المدينة وعناصرها المستترة خلف الوقائع، خلف بؤرة الدوران حول مركز لا يتضح، وإنّ شكّاً ليعتري، بأنه أكذوبة الجوهر.
حين أحاول اصطياد الصور السابحة في ذهن تنهكه دوامات الحياة (التي لا يمكنك النجاة منها حياً) أكتشف تآكل قاموسي، تآكل الموصلات التي تربط اللغة بصورها، تربط المعنى باحتمالاته، وأجدني بوفاض خالٍ إلا من العادي المكرر، وليس البسيط، فالبسيط جميل، مثلما أن المعقد فخم، وإن كان النزوع إلى البسيط أكثر راحة.
أتذكر أن (ليو) –فيلم المحترف – حين كان يشرح لفتاة صغيرة كيف أنهم القتلة المحترفين ذوو مراتب، وأن أمهر القتلة يصل أخيراً إلى استخدام السكين بعد أن يكون تدرج من البندقية ذات المنظار ثم المسدس حتى السكين؛ قال لها: كلما صرت أكثر مهارة، كلما اقتربت أكثر من الهدف، وصارت الأداة أكثر بساطة.
بعيداً عن هذا الاستطراد.. كيف هو الأمل في ترميم ما تحطم من اللغة تحت وطأة المعجزات البشرية التي من فرط كثافتها صارت عادية المرأى، عادية التساؤل عنها، وعادية القتل.
هل ثمة مهرب غير الدخول إلى كهف الذات وتغبيش البيئة التي لا شيء فيها؟ اكتشافها –البيئة- من جديد مثلاً، أم أن النهاية تكاد تدنو ليصبح الكاتب –متطوراً- محض صانع صور، أو عارض لها بوسيلة أخرى غير الكتابة؟
أستريب كلما تشوّشت بين الفيلم والرواية. أن تشاهد أولاً فيلم (العطر) مثلاً ثم بعد ذلك تحصل على الرواية؛ يجعل ثمة تشوّش وتداخلات تجعل كل ذلك بلا طعم مثلما الطعم القديم، ذلك الذي تختزنه ذاكرة الورق الأغبش ورائحة الحبر وحجم الخط ثم فوق كل ذلك الملمس الأليف لورقة.
أستريب كلما جعلتني الصورة في الفيلم لا أعمل خيالي بعد ذلك في الرواية لأتخيل كيف هو شكل ما يصفه المؤلف، إذ تقفز –مزاحمةً- الصورة الملتقطة من الفيلم فتفسد/تقتل/ الخيال ثم تجعل القاموس نحيلاً شدّة ما ذبلت تروس توليده للتراكيب، شدة ما اختفى في بئر نسيانه من حركة للمفردات تضج بخلق لغوي مغاير.
حسناً، ربما هو أوان البحث عن بساطة ما، أو الانطفاء، إن لم يجدِ التحول إلى نوع جديد من التعبير.