السبت، 21 أبريل، 2012

حراس اللغة


إن أخذت أي صفحة عليها كتابة من كتابة اليوم الأكثر رصانة بمقياسنا الآن، وذهبت بها إلى قارئ من القرن التاسع الميلادي مثلاً، فلا أظن أنه سيفهم شيئاً من هذه الصفحة التي ستكون بالنسبه إليه وإن كُتبت بالعربية، غريبة التركيب، مرتبكة المعنى، وربما استبطن أن هذه الكتابة (خطأ).
بذات القدر تبدو مدونات الأقدمين للكثير من قارئي اليوم غير ذات معنى، أو غريبة، أو أن بها شيئاً ما يجعلها غير مستقيمة للذهن، مع احتوائها على الكثير من الكلمات التي تحوج الشخص إلى المعجم، والتراكيب التي تسرح بالذهن في محاولة اكتشاف العلاقات بين المفردات ابتغاء الوصول إلى المعنى.
إن اللغة بتراكيبها ومعانيها لا تصلح للتحنيط؛ أن يكون هناك مصدر نقي للغة وما عداه شابته الشوائب. ثمة حركة دائمة من التوالد والاكتساب وتلوّن المعاني والدلالات والاقتراحات الجديدة للمفردات ولمعانيها، تصخب - هذه الحركة - في التصاقها باليومي والمعاش. لذا يبدو أن محاولة إيقاف هذه الحركة ، هي محاولة تسليف (من سلفية) أخرى تشبه ما يجري من تسليف للدين.
من يظنون أن هناك لغة نقية هي المثال الذي يجب النظر إليه وعلى هداه، في حين أن هذا المثال النقي بقي محنطاً لقرون، يسبحون عكس الحركة الكلية للحياة، فلا فرق بين من يريد سجني في القرن الثامن الميلادي وبين من يريد سجني في لغة القرن الثامن الميلادي وإن ادعى هذا الأخير أنه ضد الأول. إذ إن الإبداع بقدر ما هو اختراق لـ/باللغة، هو في ذات الوقت توافق مع الحركة الكلية للحياة، للزمن، للتطور.
يحاول حراس اللغة، التدقيق في كل ما يقال/يكتب/يسمع من أجل تقويم الاعوجاج قياساً إلى ثابت اللغة المعتقد، الذي لم يواجه معضلات اختراع مفردات لواقع يتغير آناء رمشات العين، إلا أن الحراس أولئك لا يتركون ما تخترعه الحاجة الآنية أو تقترضه من ألسنة أخرى ليقوم مقام المعرّف لما هو جديد، حين يحاولون ابتكار مفردة وفقاً لقواعد (تأصيلية) متوهمة، فتصبح المفردة ميتة كما القواعد التي ابتكرت بها، إذ لا حياة لما لا يسير على اللسان (تقريباً).
إن الطرفة في (شاطر ومشطور وبينهما طازج) لا  يستطيع أحد أن يمسك بها، إلا أن التركيب طريف لمفارقته الزمنية ولكونه كسيحاً حين محاولة جعله يمشي بين الناس فعلاً وواقعياً، فلو أُخذ ذات الـ(شاطر والمشطور) إلى زمن أبعد لربما ذابت الطرافة إذ يندغم داخل نسق التراكيب المعتاد، عكس النسق الذي نتبعه.
لدينا الكثير من "الديدبانات" الذين يجعل كل منهم من نفسه حارساً لجانب يخص هذا الاجتماع البشري، يقتلون – بذلك – الزحف تجاه كوة، متنفس ما غير ما أنتن لقرون وقرون. هم حراس اللغة، يدخلون ما حُنِّط في كل معركة للانفكاك من رث الكلام، من المعنى في صورته الأولية، بدائيته المحكومة ببيئات ابتعدت وتبتعد مع زحف الحياة المدهش لإنسان تتساقط مسلّماته كل ثانية وتُزاح بكشف جديد.
لا مانع – يفترض – من تغيير جلد اللغة لتصبح أكثر ليناً، أكثر قابلية للاختراق والتدجين.
ذات يوم، ربما ستخترق اللغة حائط سجنها، تخترق اللغات حوائط سجنها فتصبح لغة إنسانية واحدة تحمل من كل واقع صورته. سيحدث هذا - ربما - عند موت حرّاس اللغات.


الثلاثاء، 10 أبريل، 2012

بعض ارتباك


(1)
خطل الانتماء – على إطلاقه – في جعل المختلف يتأرجح على حافة أن يصير عدواً أو أن يصير محض (شيء).
حين أقول إن الإنسان هو المفترس الأعظم لما يختلف عنه؛ لا تكون بذهني أمثلة النوع فقط، وإن كانت ذات جدوى في تمثيل زعمي بسوء الإنسان، الذي أنتج نسقاً كاملاً من الأيديولوجيا والأساطير التي تبرر عنفه وسوءه ذاك.
من قبل، أثناء حديث مع أحدهم، سألتُ: كم حيواناً قُتل اليوم فقط لتأكل الخرطوم؟
حين يقتل نمر إنساناً، تستخدم هذه الحادثة لتثبيت المقولة المدرسية: النمر حيوان مفترس. ولكن إن سألت: كم إنساناً قتلته النمور في العالم؟ وكم نمراً قتله الإنسان في العالم؟ تأتي الحسبة مختلفة. إذن من المفترس؟

(2)
حين قلت "خطل الانتماء" ذلك لأنني لا أجد معنى لأي انتماء سواء أكان في أضيق تمثلاته كانتماء إلى فئة، أم أوسع التمثلات – حالياً – بالانتماء إلى النوع الإنساني. ربما لو كانت هناك دعوة للانتماء إلى ما هو أكبر، إلى الحياة مثلاً، لكان ذلك كافياً لتوقفي قليلاً والتساؤل: ما جدواه في هذه الحالة؟
إن التقسيم إلى ماهو منك وما هو خارجك مجحف والحق يقال. أنت تهضم حق الوجود لكل شيء تقريباً، فللحجر – عندي – حق أن يوجد حيث أوجدته الطبيعة ولا مبرر لدي لنزعه أو تفتيته لصالح الإنسان.

(3)
الإنسان مفترس. ولا يعني الافتراس الالتهام. الإنسان مفترس وقاتل وأناني ومخرِّب و... إلى آخر قائمة المساوئ التي هي مساوئ فقط لأنها تصادر حق الأشياء في الوجود لصالح الإنسان، هذا الذي لا يلقي بالاً لوجود غير وجوده، وأية محاولة من أي كائن آخر للدفاع عن وجوده تمثِّل للإنسان حرباً يخوضها ويبرر لشرعيتها بأنها ضد (مختلف) حتى يبيده أو يدّجنه أو حتى ينفيه إلى حيث لا يحتاج – حالياً – إلى حين. هذا إن افترضنا توحد النوع الإنساني ضد ما هو غير إنساني، وهو افتراض خيالي، إذ إن الإنسان بدأ أول ما بدأ بتدمير الإنسان نفسه، بذات مبرر الاختلاف.

(4)
بالعودة إلى خطل الانتماء؛ هل من الممكن أن يصبح الإنسان على وفاق مع ما حوله؟ هو سؤال يسبق السؤال: هل من الممكن أن يصبح الإنسان على وفاق مع الإنسان؟ وكلا الإجابتين لا تفيد باحتمالات مبشرة، وهو ما يجعل الواحد – أنا مثلاً – يشعر بالخجل كونه إنساناً محسوباً على هذا النوع المدمِّر.
لماذا الانتماء؟ ما أهمية أن أنتمي إلى نوع، عرق، فئة، ثقافة،....؟
ما أهمية أن أنتمي بالأساس؟
هل الامتيازات التي تترتب على الانتماء هي من الضرورة حتى يُدخل الشخص نفسه في وعورة أن يلج إلى رؤية مظلمة للوجود بهذا القدر؟
إنني أفهم إحساس الذي يرغب في النزول من الكرة الأرضية. أفهم إحساس من يفاجأ بالدمار الذي كان من الممكن تفاديه إلى مصالحة مع الطبيعة. أفهم تفكير من يرى أن الإنسان هو فيروس الكرة الأرضية. ولكن، رغم كل هذا، كيف لي أن أخرج من ارتباكي تجاه هذا الإنسان الفنان الذي يرسم كل هذا الخراب؟

(5)
أكاد أتعثر وأنا أحاول قول ما أريد، في استعصائه، إذ إنه من الوضوح حتى إن الإشارات التي أكتبها والملامسة الخفيفة والـ(تهبش) هذا؛ يبدو مضجراً، فالأشياء – بظني – واضحة بما لا يحتاج – ربما – حتى لتناولها في هذا المقال.

(6)
ربما الاختلاف، ليس مدعاة للاختلاف.

اهضموا


أذكر حين ألقى ابن رشد - بعد إلغاء قرار نفيه - بكتابٍ في النار التي أُشعلت لحرق كتبه (فيلم المصير ليوسف شاهين)، وأخلط المشهد بتعريف ابن المقفع للبلاغة، بأن "الكلام البليغ هو الذي إن سمعه الجاهل ظن أنه يحسن مثله"؛ حين الصعوبة بالغة في قول ذات ما قاله يوسف شاهين، بكامل بلاغته الحارقة، فلا أجد  مناصاً غير الرجوع إلى سنوات الدراسة الأولى، حين التساؤل الممض: وما فائدة كل هذا الذي ندرسه؟ إذ كان لا يفيد – في رأيي وقتها، وربما قليلاً الآن – أن أعرف، طالما أن هذه المعرفة لم تدخل إلى حياتي، وهو ذات ما كان يقود إلى: ما فائدة (س) و(ص)؟ ما فائدة المعادلات التفاضلية؟ ما فائدة الجذر التخيلي للعدد (-1)؟ وما قيمة هذا الـ(-1)؟ وأين في حياتي ستقابلني معضلة أحتاج فيها إلى اللوغريثمات لحلها، أو أحتاج إلى التفاضل أو حساب جيب الزاوية؟
 يقول ابن رشد – أعلاه – إنه لم يعد بحاجة إلى الكتاب طالما أن الغرض من الكتاب تحقق وصار جزءاً من وعي الحياة لدى العامة الذين أسهموا في بقائه ورفضوا التشكيك في دينه. إذن ما يقوله ابن رشد إن هضم الكتاب وسريان ما هضمته ضمن معاشك، خير من حفظ الكتاب وبقائه كما هو في الذاكرة معزولاً عن سريانه.
يقول ابن المقفع - أعلاه – إن غرقك في اللغة يجعل اللغة جزءاً من وعي الحياة لديك، فتفهم المغزى منها، وتعرف كيف تستخدم ما عرفته لخلق (تعايش/تواصل) بينك وغيرك. إذن ما يقوله ابن المقفع: إن هضم التعقيد يقود في النهاية إلى البساطة، إلى الخلاصات.
أحاول القول إن المعرفة التي لا تنعكس (لا أحب كلمة تنعكس هذه) على حياتك لتجعل أهدافك أقرب أو قدرتك أكبر، لهي معرفة بلا جدوى، غير أن تستخدمها لـ(ونسة) أو لإشباعٍ.
أظن أن ثمة حاجة إلى جهاز هضم معرفي، وهو - بلا شك – لا يُمنح ضمن طريقة التعليم التي خرّبت ما كان يمكن أن ينمو، أعني القدرة على استيلاد الأسئلة، وهذا أمر إن حدث لأنار طريقاً أكثر تمهيداً إلى جوهر المعرفة، الذي أحب أن أراه الباعث على جعل الحياة أكثر واقعية ولكن بأفق لا نهائي للاحتمالات.
بالتلقين أفسدونا. وبالتلقين حولونا إلى أوعية يُصب فيها جاهز الأفكار دون تمحيص ودون حاجة في كثير من الأحيان إلى جلّ ما يعلق بالذاكرة حتى الآن من غير أن نجد له تطبيقاً يفيد.
لست ضد الرياضات العقلية. ولكني ضد أن تشغل مساحات كان الأحرى أن تشغلها أشياء أخرى أكثر التصاقاً بحركة الحياة.
إن أنفق الفرد الآن ما تبقى من دقائق وساعات قبل انطفائه، في حشو وعيه بالتفاصيل – المتاح منها كله – ومحاولة الاستزادة من معارف بعيدة؛ فقط من أجل المعرفة؛ يكون – برأيي – قد أهدر ثميناً، كان أولى أن يهدره في هضم ما ابتلعه حتى وقته ذاك علّه يصل إلى بلاغة في الحياة.