الأحد، 18 مارس، 2012

سمكة ذهبية


1
تخبرنا هوليوود بأن ثمة توقاً هو في تزايد إلى حياة أخرى يحياها البشري الذي وصل إلى نهايات رغباته فانكمشت - الرغبات - إلى تلاشٍ يجعل الحياة التي يحياها قابلة للاستبدال بأخرى جديدة، بل حتى كينونته تصير قابلة للاستبدال دون ندم.
أتحدث عن خلاصة فيلم (جون كارتر) الذي يعرض حالياً في دور السينما. وهو - الفيلم - وإن لم يكن ذا عمق ولو قليلاً مثل فيلم (آفاتار)؛ إلا أن تشابهاً بينهما في نهاية المشاهد يقود إلى ذات الرغبة؛ ذات التوق إلى الخروج من كون البشري بشرياً. ففي (آفاتار) يقرر البطل/المنقذ/الغريب القادم من كوكب الأرض إلى كوكب بريء هو (بندورا)؛ يقرر هذا الغريب البطل الخروج تماماً من هيئته البشرية إلى جسد السكان الأصليين لـ(بندورا) بعدما خرج سلفاً من طبيعة البشر؛ من كينونته الأولى، واعتنق طريقاً جديداً ورؤية أخرى للحياة كما يعرفها أهل (بندورا).
جون كارتر القادم من كوكب (جازوم= الأرض) إلى كوكب (ساروم = المريخ)، وبعد التجربة الثرية مع سكان الكوكب، ومواجهة تحدياته الذاتية وخياراته؛ أصبح صعباً عليه الانتماء إلى الأرض التي عاد إليها مرغماً، لينفق الكثير من الوقت والمال من أجل العودة؛ من أجل أن يصبح مريخياً،  باختيار الحياة على المريخ بعد أن صار ما يربطه بالأرض أوهى من ذلك الذي يربطه بالكوكب الجديد وسكانه. وهو كذلك في الفيلم كان البطل/المنقذ/الغريب.

2
كان ميشيل فوكو يتوق - وهو صغير - إلى أن يصبح فقط سمكة ذهبية.
والكثير من البشر على مرّ التدوين، قيل إنهم تاقوا ليكونوا شيئاً آخر، مثل الذي تمنى أن يكون حجراً "تنبو الحوادث عنه وهو ملموم" أو الذي يرغب في أن يكون واحداً مبرأ من الصباح والدياجر ولا يكون "حاجة ساعية لآخر". وأظن أن التوق إلى الانسلاخ هذا؛ ليس جديداً. كان الحكام قديماً يتوقون لأن يصيروا آلهة. وربما كانت صيغ التشبيه (الإيجابي) في اللغة توقاً بدائياً ليكون البشر شيئاً غيرهم، أعني التشبيهات التي تجعل المشبَّه أسداً أو أي كاسر آخر في اعتراف ضمني بأن ثمة نقصاً في البشري يحتاج إلى إكماله باستعارة صفات من كائنات أخرى تشاركنا ذات البيئة.
ثمة خطبٌ ما في العالم - كما قال مورفيوس لـ نيو -ولكن لا أحد يدري ما هو. فقط هو مزعج، لكن ذلك لا يفسر - برأيي - ذلك التوق الذي يشتد مؤخراً إلى الخروج من العالم كلياً، إذن ثمة ما هو أكثر من الخطب في العالم، ثمة خطب في مَن هم في هذا العالم - ربما.

3
ألم يعد من شيء يدهش هنا؟ لقد صار كل شيء عادياً تماماً، وحتى ما ينفجر بدهشته فجأة سرعان ما يجرفه سيل العادية الرتيب. هذا التوق المتصاعد إلى الخروج من الجلد إلى كون فسيح من المدهشات والتعلم من الصفر أو ما تحته؛ عناصر حياة مختلفة تماماً جديدة وتظل جديدة لوقت ليس قليلاً؛ هذا التوق ربما يصبح الحمى الجديدة للبشر، التي ستصبغ الأدب والفكر والعلوم، إنها مرحلة الخروج من ضيق الكوكب إلى اتساع الكواكب، من ضيق ذات الأفكار وإن تغيرت زجاجاتها؛ إلى أفكار لم تخطر ببال. إنها الثورة.

الأحد، 4 مارس، 2012

التحديق مطوّلاً إلى الهاوية*


- لأكن الكائن الذي نَدَمٌ لأكُنْه مطيعاً للخسارة والرائحة للملح والقواقع واجعلني هجرةً واجعلني أعضاء الشجر الوحشي في هبَّة الريح الأنيسة واجعلني الجوع أو لطفاً متكلساً في القاع واجعلني مغارة أو عتمة في المغارة واجعلني ليس نطفة وليس جنيناً وليس ذكراً وليس أنثى وليس بيضونة وليس طلعاً وليس مشيجاً يتخمر وليس منياً يضجر وليس قناة وليس رحماً وليس حواساً تزمجر في الوحشة تزمجر في الهجر. اجعلني الندم خالصاً لمرة واحدة أطيعك وأموت.
(نجلاء عثمان التوم)
- أن تكونَ الريح تلمس كل شيء، أن تكونَ لا شيء وكل شيء، أن يتجمد سؤال: ماذا أريد؟ حين يصبح الفرق بين أنا وشيئها؛ بين أنت و(كل)؛ واهياً يكاد يستحيل أبيض من خفوته؛ ربما عندها السكون/الثبات/الخمول يعتري ذراتك، ربما عندها العدم.
- مثل كل ما في الطبيعة؛ السعي إلى النهاية هو الهدف للركض المضني المسمى (الحياة).
- من أين يأتي الضجر، الخواء، الرغبة في اللا حياة، القلق،...، وغير ذلك، إن لم يكن من وعي مغطى يحمل إجابة تسوق إلى أن كل شيء يريد الثبات، كل شيء يعارك الحركة، يعارك وجوده، يحاول جعل الممكنات تُرى ليخفي الممكن الأكبر: الموت.
- أن تكون شيئاً؛ هو الدخول إلى القيد. أن تكون شيئاً أكبر؛ هو الدخول إلى اللا فكاك.
- بسيطة هي المعادلة: على العابر أن يكون خفيفاً من الزمن وأحمال ما لا يطيق. على العابر إدراك كم بقي حتى التوقف.
- الحيرة حرب التضادات.
- الاختيار نافذة تفتح على ذات الردهة.
- الفعل خرافة تشغل الغافين عن أفعل الأفعال: السكون.
- لا يعيش كثيراً أولئك الذين وصلوا.
- مثل شطرنج لا نهائي: لا معنى لكل شيء إلا بالنهاية.
- النهاية انتصار.
- كل شيء ينتهي؛ أي شيء يعلمنا هذا؟
- لا تبدأُ البدايةُ نفسَها، ولا تُنهي النهايةُ نفسَها؛ أي شيء يعلمنا هذا؟
- لحظة أن تريد؛ أنت تبتعد عن رحلتك. لحظة ألا تريد؛ تبتعد - كذلك - عن رحلتك.
- لا تُرِدْ، ولا (لا تُرِدْ)؛ هكذا فقط قد تبدأ إطفاء ضوئك.
- حين تحسب كل شيء بالنسبة إليك؛ تبقى عبدَ كل شيء. وحين تحسبك أنت بالنسبة إلى كل شيء؛ تصبح أنت عبدَك. قف فقط.
- خلف كل شيء: فراغ. خلف كل فراغ: شيء. إنها ليست طبقات.
- في البال موتى يحصدون المعرفة. في البال موتى. في البال لا مزيد من العبث.
- عبثٌ كل هذا. عبثٌ كل ذاك. عبثٌ وقشرة وضباب أن ترى ما ترى وقت ينبغي الإغماض.
- ما الذي يجمع الشيء بـ شاء والمشيئة؟
- علام يدل الشيء إن جهَّلت ما تريد بوصفه – فقط – شيئاً؟
- ثمة قتامة في المنتصف.. الآن هي اللحظة للقفز، فهل ثمة ما يُعرف؟
- لا شيء!
ـــ
* حين تحدق مطوّلاً إلى الهاوية؛ ستحدق الهاوية إليك.
(نيتشه)