الأحد، 24 يوليو، 2011

للقطارات أن تشاء.. أيضاً


١
من ذاتي إلى ذات اكتمال المعنى؛ عالم يوازي ما نحتته كتب المطالعة في وعي خصوبتي الأولى أوان طريقي إلى ميثولوجيا الطريق. إذ اللون يمضي فائحاً بشبابه صوب غائر في لذة أنه أولٌ وقريب مما يحدده السؤال.
أسطورة أولى تساوي - في الذي خلف الحقيقة - ضحكة مما يغنيه البشر. حين الفراغ حصار من انتهى أجل ابتداعه لغةً بسيل من نشيد عرم لا حرف فيه ولا طبول قد تؤرخ لاكتماله، حين من يلبس أساور المعنى عاجز عن رتق ذواته بمحصلة ما اكتسب اللسان. كلها خرائط صفراء على أهبة أن تبيع أسرارها لأكثر الغزاة عناداً، من يثابر في الليل ليلَه، ناسباً إلى أسطورته اعتمالها في رحم ما تبلغه وطأة الليل على المحاكي قصر مشواره برقصة هي كذبته حين المقال للمقال، لا للوصف ولا للخروج أو التآلف مع احتمالات غريبة.
2
الأسطورة إذن، كمن يقطع أنفاسه مضماراً لسباق هو الراكض فيه الوحيد، من يماري في دلالة عمياء خلف كالوس يخجل أن يواري اقتفاءاته بانتظار الغراب. لا شيء، لا مزيد عشواء لا ضرب أكباد إلى مدن يشيدها العارفون من جهلهم، لا الترانيم البعيدة في مرج المخاتلة، لا الليل يذبح سجّانه ويدعو إلى معاصٍ سيسجلها بكتاب المروق، ولا التاء الوحيدة الحائرة بانتظار توأمها لتصبح ضمن حبسات القول بأكذوبة ذاك الذي حين سُمي اعترته نشوة الراهب إذ يريه اختلاؤه كيف أنه هو هو وما في الجبة غير الهباء الجميل، لا شيء من كل هذا سيجعل الغافر يتجاوز عن ما يسيء إلى بناء لم يشيده اعتباطاً مالك البذرة الأولى، من أخادعه بالحفر في أصل ما زرعته اللغة.
3
لو الطريق يمشي فإلى أي الاتجاهات كان يجعل وجهه، في وجهة – ربما – البحث عنها حرام؟
لو كسروا جميعاً هذا الغطاء – الإنسان – وخرجوا إلى براح اللاشيء هذا؛ فأي مجد سيصبح لمن يكرمون أنفسهم ببضاعتهم ضد تعدد الألوان في مقلة الغيب؟
لو تنطق اللغة، فأي أفق جديد يدهش من تكلست ألسنتهم على عدد الحروف ولم يروا غير بنيان تلك اللغات القديم؟
لو أنني بشر في الحقيقة؛ كم سيلزمني لأصعد حبل الصواب إلى سطح اكتشاف غبينة الخلق التي أوجدت حرباً بين سلامين لا ينتهيان؟
4
ذاك الذي خرقة هو تخاط إلى الأرض مبتهلاً إلى خائط العوالم أن يخيط أبعاضه*، متوسلاً لغةً بلغةٍ لا تشابه إلا نفسها في عماء ما ينطق الأعمى إذ تعاويه عينان في بعيد لا يطال، ذاك من لم ينفذ بسلطان إلى حيث تُقرأ أسطورته بمعجم الشك أن تؤاخيها البراءات التي سقطت من فرط إعياء التصديق بمآلٍ يعوض الغلطات التي في خاطر من يحملها قدراً. هو الباقي وإن لم يشأ، وإن لم يترك خلف قوته ما سيوصل بعده بالذي قد كان في الكتاب.
هو لا يشبه مرادفاته أوان كاد يسكر بالوصول لولا الخوف، مثل إن قال جهلي: جميل.
5
هي الفجوات، ما يتعثر البشري به إن يركض نحو اكتماله؛ فيندلق نحو بدائية ينزعها كلما ضيقت عليه المكان الأبجدية. يرص حينها الباءات وأخواتها في بناء ذي وجهين يضاحك معرفةً بحكاكها تغالظ من يظن ومن يبت ومن يحوم. بضراوة ينحت البشري أسطورته، مؤلهاً ما لن يرتفع حقاً بغير مظان تدخل جيب المخفي ليجد صورة ما اعتنقه منزوعة البريق. إذ مَن بلا أسطورة؟ هي مادة العقل المالئة، ما يجعل للسياق انسيابه نحو نقطة الذات، فتعتدل الرصَّة؛ تستقيم إذ تتوهم رؤية لا نهايتها، فتشتجر الذات مع ذوات قريبة، تشتجر أسطورتها مع أساطير ما يجعل فضاء الفعل محكوماً بتفسيرات تبرر، تفسر، تحلب ميثولوجيا الجماعة في فيه ما يصنع صورة الوجود. حين الأسطورة اعتقاد خلف درع الاعتقاد، الكما يبدو يصد قلق البشر إذ ينازع كلاً منهم حيوانُه الحبيس خلف ثيابه، خلف جلده، خلف قرونٍ من سرد البدايات عن ما لم يوصف إلا من خلال خصاص ما يريد الساردون.
6
بلا أسطورة ترتد كما علمتك الطبيعة، قبل أن تشب عن طوق البداهة كاسراً مساواتك بافتراس لا يُضاهى ضد ذاك التوازن.
بلا أسطورة، تعرف. لكن يأكلك الحنين إلى مكان خلف وجوده، محشو بسكّر السرد ودفء أن تبدأ خالياً من كونك في الوجود محض حيّز لا كما يقال لك.
بلا أسطورة؛ يصير للقطارات أن تشاء - حقاً - كذلك.




ــ
* خرقة أنا تخاط إلى الأرض    فيا خائط العوالم خطني
 (المعري)

الأحد، 17 يوليو، 2011

تقابل المرايا



1
ربما علقت - أخيراً - في فضاء التعادل، إذ أجدني كلما أحاول كتابة ما، رأياً؛ بلا رأي. أو ربما هو أقصى اللايقين حتى إنني أفقد الآن يقيني بي، أكثر مما كان حين لم يكن غير ضجري من كوني موجوداً، أو أوان فخري بجهلي؛ حين أجمل ما فيه أنني أراه الأعظم.
2
قلت: أخجل من كوني بشرياً.
ما لم أقله: أطمع في أن أصير غيري، غيرهم، غير شيء.
حين أقشِّر - بدهشة طفل - طبقات ما يغطيني ليصيرني ما يُرى وما أراه تعمداً؛ حينها في مواجهتي كاملة؛ ينبت الذعر مني فيَّ، وأعرف أني لست ملاكاً.. ولا ينبغي.
هي احتمالات لم يرغبها المحتمل.
هو عبور أوّلي لم يطلبه أحد.
هذا أوان لم ينته وإن أردت.
3
 حين يبهت الإيمان، يبهت الوجود. أن تسير بلا إيمان كأن تسير بلا هدى في أفق فُتح إلى نهايته ليستغرق كل شيء. بلا إيمان يستغرقك كل شيء، يركض خلفك كلك وتركض أنت خلف شيء طي ظلال النهاية.
ينزع الكل إلى سكون. ينزع الكل إلى موت وإن لم يدركوا. فإن سكنوا انتهى المغزى، بانتهاء الركض. حين موتي لن أنظر من جديد لتحيرني حركة الأشياء.
وحين كلٌّ يزحف نحو فقء دمله الأزلي - أو ما أفترض؛ ليسكن، ليصبح خاملاً في زجاج كونه العجيب؛ يجعل البعض - وأنا منهم - الطريق أسهل، ليست سهولة أن يقتل أحداً نفسه أو ذاته، ولكن سهولة أن تعلم أن طرقاً أخرى تحت قدمي كل من يبحث عن طريق؛ لكنه لا يراها، وأن حيزاً يشغله الباحثُ عن حيز، لكنه لا يراه، وأن كل ما تبحث عنه موجود بوجودك، ومنذ وجودك، لذا.. لمَ البحث؟
الإيمان ليس غاية لذاته، ولا ثلجاً يضاد نار أن تعرف، الإيمان سكون صغير يمثل نموذجاً للسكون الكبير؛ ما تقود إليه حركة وجودك الكلية.
بلا إيمان؛ أنا واسع كتقابل المرايا، ولا نهائي كأفق.
بلا إيمان؛ أنا يقين ساقط خلفي ولا طيور هناك.. يدل عليّ مثلما تدل الرائحة.
4
قد ينتاب - أحياناً - ذلك التوق إلى بشرية تتقادم، فتقول: هذا صحيح، هذا خطأ، هذا جميل، هذا محيِّر.
لكنّ تشوشاً يجعل من خلفك سداً أن ترتد بشراً يفترس. ترجع البصر كرّات في صورة ما أنت عليه قديماً - إن نجوت من فخ القطيع - فترى القطيع.
5
لا تُرى - أنت - في وجود بلا حدود وبلا زمن.
لن تَرى - أنت - بلا حدود وبلا زمن.
6
الحكاك الذي ينتاب من يرى ذاته، على أهبته حين تحفزه ليكون فعلاً لا مجازاً ملئت به غدد الذات منذ مماته الأول - ميلاده - وحتى لحظة أن أدرك كيف بوذا ذاته ابن عربي وهما صورة ما ينغرس في إيقاع الطبيعة؛ ذلك الحكاك ينمو بعرضه الجانبي، فتراه يفوِّت بالبعض، أو يصنع نيتشوات يميزهم عداؤهم للنسق. إنه حكاك أن ينمو إنسان فيك. حكاك أن تتوالد من كائناتك ذات النزعة الغانصة في ذاتها؛ كائنات تسبح في بحر ليس بحر الظلمات ولا بحر العلم ولا بحر الهدوء ولا بحر من يغمسون أطراف أصابعهم في النار ولا بحر الخائفين منهم ومن خوف (هم) عليهم وعلى (هم)، هو بحرٌ لا المجاز ولا الرفقة ولا اكتشاف الاتجاه السابع ولا الركون إلى العاصفة ولا حذلقة ما لا يُعرف.
تتوالد كائناتك وقد تموت هي قبل اكتمالك أو قد تموت أنت قبل اكتمالها مثلما رنة المفتاح الناقص في موسيقى موتزارت.
كل هذا الحكاك، يحيلني إلى جدواي غير المقنعة، إلى إيماني غير المكتمل به، إلى سؤالي: وماذا؟
7
ولماذا يموت - في هذا الضيق - من لا يرى أبعد منه؟
لماذا تثقب الأوراد القديمة إناء الآن؟
8
أتسرب كلما وجدت قدماي أرضاً لتسند تعباً ما؛ أتسرب إلى حيث لا لمَ ولا كيف ولا لماذا ولا هل ولا أ ولا من ولا فيمَ ولا علامَ ولا أخواتها،أتسرب إلى مطلق الخمول يحملني ظن مراهق بأن كل ما هنا ليس هنا وليس كلاً وليس شيئاً، وأؤمن بأن إيماني نحيل.
لذا لا أصلح للنسق، للنمط، للطريق المستقيم في عنفوانه ولا للمشيئات الخجولة خلف سواتر اللغة.
9
ما كل هذا؟