الخميس، 19 مايو، 2011

شارع القصر


محفوظ بشرى

1
مجذومة ذات ثوب وردي باهت، يدها بلا أصابع، ثم على مسافة بعدها مجذوم ذابت قدماه، يتسولان كل منهما في مكانه ذاته كل يوم، رجال شرطة المرور المتربصون بالمخالفات، محل تمباك الحريري، بائع كتيبات إسلامية ينادي (أبو تلاتة الليلة بألف)، بائعات المدمس والتسالي وحلوى السمسمية، ساهمات يحدقن في لا شيء كبير، درع لمناصرة الرئيس عملاق من الحديد، بائعو عطور رخيصة، نساء مهدمات يقفن قرب مستشفى الذرة، أو يعبرن في الاتجاهين، يصادفنني وهن يشبهن ثماراً ذابلة، بنوك، بائعو أشياء مختلفة: طِبَل، فراشي أسنان، سكسك الزينة، مفكات ، مفاتيح، وأشياء أخرى مفيدة، إستوبات أنتظر إشارة العبور عندها، أكشاك الصحف، سيارات، كافتيريات على الطرف المقابل من الطريق، ميدان أبو جنزير... إنه شارع «القصر». يبدأ بالمجذومين والمتسولين ومن ضاعت أحلامهم ومن يذهبون في اتجاهات تقود كلها إلى نفس المكان، وينتهي بالقصر.
2
أقطع طريقي كل يوم وأنا أحاول التقاط حياة ما وسط كل هذا الزحام، يتعريني سهو يخدِّر قدرتي على الالتقاط، سهو بمثابة خط دفاع لا واعٍ يقيني الانفجار بكاءً لأسباب لا تعد، يجعلني لا أبالي كثيراً؛ فأنا ذاهب إلى العمل، ما يعني أنني ذاهب لأحصِّل عيشي مثلما يحاول كل من يصادفني أن يفعل، لا وقت ــ يقول لا وعيي ــ للانشغال بغير ما سيبقيني حياً، إنها غريزة قاتلة؛ تلك التي تجعل منك ذئباً يتوحد لا بسبب غريزة الذئب، ولكن لأن الاندغام يُنقص الامتيازات.
إنني ذو امتيازات، أخاف عليها، وأدافع عنها بغريزة تنمو، تغذيها المدينة. أدافع عنها ــ أو يدافع عنها لا وعيي ــ بألا أعترف بها أولاً، ثم بعد ذلك تعميتها وتمويهها لئلا تُرى، مني أو من غيري، بعدها أدعي أنني «مثلهم»، وأبدأ في تبني إحساس من المفترض أنه متناغم مع إحساس عام يعتري «هم» ، ثم... لا شيء.
3
لا شيء.
4
«ماذا لدي لأقدمه؟». هكذا تكذب عليّ نفسي، وحين تجيب «لا شيء»؛ تترسخ الكذبة. على الإجابة أن تكون «لا أعرف»، إذن، فلتحاول أن تعرف، قد تجد أن لديك شيئاً ما.
5
تشبه المدينة إنساناً يجلس يأكل وحوله نمل وصراصير وخنافس وآلاف الهوام التي تنتظر فتات ما يأكل. تشبه المدينة نقطة حولها آلاف الطرق التي تدور حولها ولا تقود إليها. تشبه المدينة ثقباً يُشتهى، مقعداً، حلماً لا ينام. تشبه المدينة فكرة تغلي، تطبخ من تدور في أذهانهم، تستلذ، وتأكلهم خفية عنهم.
من الإنسان المدينة؟
6
إنني أرى، ولكن أتعامى.
إنني أرى، ولكن لا أُري.
إنني أرى، ولكن لن أقول.
من بنى الأبنية الشاهقة؟ لمن بنى الأبنية الشاهقة؟ لماذا بنى الأبنية الشاهقة؟ كيف بنى الأبنية الشاهقة؟ من أين جاء من بنى الأبنية الشاهقة؟ ومن نحن، هم، أنتم، كلكم، كلنا؟
سيدي، هل لي ببعض الأبنية الشاهقة؟
سيدي، لماذا لا يمكنني أن أبني الأبنية الشاهقة كما فعلت؟
أف للطفولة التي نضجت، وللأسئلة التي تجعل الدوار لذيذاً.
7
في شارع القصر، كل شيء رمادي، حتى الأشجار المنسية على طرفي الطريق.
8
في شارع القصر يبدأ كل شيء، ولا ينتهي. تطول الدائرة، تدور الدوائر، وأقف مدافعاً عن فتات امتيازاتي الشاحبة.
9
اكتئاب خفيف يضرب. اكتئاب خفيف قد يزيد. ليته.
10
من يسأل الجدوى عن الجدوى
من يقوى على تمادي الآن
من يكسر بيضة الرؤية
من يشتفي من أغنيات لا تموت
من يرى ما يراه السائرون
من يرقق حاجز الغضبة
من يضيع.
من بلا جدوى يضيع.

أساطين





محفوظ بشرى 



كيف يمكن أن تلد أفكارك دون أن تحرق رئتيك بسجائر الغضب والحاجة؟ من غير أن يتسلق رغبتك تعثُّرٌ ما، لم يسببه لك غير أناك التي لم تتعلم أن خلف ظلك أنوات كثيرة صالحة وشريرة «وفقاً لمصالح الأنا التي تتلبسك حينها»؟ 

أنت مخترقٌ منك، لا يجديك أن تخفي عنك ما في غيبك المهتوك من لاعقي سيولة ما يختبئ. إذ اللغة لا تزال معضلتي؛ تراوغني بأن تمنحني أمتاراً من احتمالاتها التي ستنضج بعد ذهاب جوعي. أحياناً أن تربط لغة بلغة يعني أن تترك أصلاً لصفرة في دندنة الصعب، في غروب صبرك على ما لم يُقترف

أجرب أن أواجهني كاملاً فيخنقني الرعب، أن أراني بلا بدلة التي تظهرني في المرآة «أنا»؛ أن أرى أنني بشري تبقيه أساطين شهواته قائماً، تتآكله توترات جموحٍ مسجون، وتفتكُّ شيفرته قراءة الجينات الخفية بين ألواح ما يريد. أن أراني لحماً ودماً وناراً تسفع المخيلة؛ أدرك أن انطفائي حادث في القديم من المشيئة. لا أحب الموت، لذا لا أحبني عارياً من سطوة اعتقادي، وسائلاً في مجاري الذهاب إلى التخوم التي لن أعود منها إلا طائراً أو حوصلة طائر، كلباً، برغوثاً أو عضة برغوث، بقرة، أو قطعة ثلج بقمة جبل، معدناً يتوارى خوف لهاث المعدنين، ذرةً من غبار كوني في سديم لا يُرى، أو قملة تتقافز في شعر عانة الوجود. إنْ أواجهني بلا أناي التي اعتدتها، التي عرفتها، التي لي؛ يعني أن أخاف مني عليّ، أن أزوِّر معناي لأكون في مقام من يمسكهم الوقت قليلاً، يتذكرهم الوقتيون حين استدلال؛ فينعمون برائحة خلود تعبر في خياشيم لن ترى الشمس إلا بعصا موسى جديد

أنا غاضب، كالعادة، مني ومن تصاريفٍ لا تربكني كثيراً غير أنها تصاريف لا تجود بغير ما أجود به عليَّ. التصاريف أساطين ترفع الفراغ ليمتلئ باللعنات وما يُنفَّس عن غدد تحتقن سريعاً بصديد الانتظار. إذ تبدأ اللغة تستثير أوجاعي؛ تتلوى ألسنة الأنوات الحانقة، تملّ هدوءاً لا يجيب ولا يرد. اللغة الكنز الملعون، حبل البهلوان الخائف، شبكة الفراشات المذعورة إذ تلدها الذبالات الأخيرة محض محاولة للخلود، لا لتبقى ولكن لتحترق. ذلك هو مغزى اللغة، أن لا تموت، كلما احترق جلدها استبدلناها جلداً آخر ليستديم عذاب من يلتغون. اللغة.. رائحة الإحكام فقط، وليست الإحكام

بالغريزة فقط تسير القافلة. بها تتلون الجهات بما يرضي، وما يسيل له لعاب الرسام الذي هو أقرب من حبل الوريد. بالغريزة فقط تعبر الكائنات إلى المستراح، تحفظ ما اغتنمته من مزاج وحفيظة أثيرت كثيراً، ولكنة تُظهر كم أن ما يقال ينحرف قليلاً قليلاً ليُفهم. بالغريزة فقط أُبقيني حياً لأشهد المزيد. بلا رغبة تنتاشني الغرائز المصقولة باللغة، اللوعة، الإشفاق، الرغبة، وغريزة الموت التي تجاهلها الحاسب «سبراً» وضيقاً من اتساع التشاؤم. بالغريزة فقط يحن من يحن، يحرك ما يركد، يسكِّن ما يطير، يلوك ما يَمَرُّ، ويبصق ما سيكون كلباً أو امرأة أو حماراً أو نجاسة أو ظلمة على الماء أو شهوة في غير محلها أو لؤماً يستبين به أو ليلة تلونها غير النجوم أو منزلة بين المنزلتين أو غضباً يدغدغه الشيطان أو قذارة يتضرر منها المواطنون أو شراً يحض عليه أهل النار أو خطاً أحمر يتلوى حين يراد منه أو مسغبة أتى بها قدر أعمى أو حكماً لم يبصم عليه الوكيل أو غموضاً يُخرج من ملةٍ أو سهواً يجر إلى إثم الابتكار أو دماً يتسلل عبر القرون إلى عروق نقية أو أمراً عُصيَ فمادت الأرض وماجت أو أنا

إنها أساطين الغريزة؛ ما ترفع المقام، ما تحط المقام، وما تفيء على من لا سطن لهم.. وأنا.

الثلاثاء، 10 مايو، 2011

وإن يكن!!

محفوظ بشرى

1
أيّ قوة تلك التي للرغبة! أيّ غبنٍ ذاك الذي في المكان!
2
أنا لا أريد شيئاً، بقدر ألّا أريد.
3
المكان خرافة للخائفين.
4
ينفجر التاريخ كلما انفجرت رغبة. ينفجر التاريخ حين يمتلئ بالرغبات.
5
وأنت معك؛ تخاف. وأنت لست معك؛ تحنّ إليك! إذن كن واحداً فقط.
6
المكان شهوة البقاء خلف عينه؛ ذلك الراصد المريب.
7
معقدة تلك الأشياء الصغيرة. لماذا إذن نسميها "الأشياء الصغيرة"؟
8
أنا لا أؤمن بي حتى؛ فكيف أؤمن بغيري؟ لا أحد تتبعه سيغيّر شيئاً.
9
حين أرغب؛ يصحو الإنسان الذي بداخلي. حين أرغب؛ تصحو العاصفة.
10
لا أكره شيئاً. فقط يزعجني المسار الصحيح.
11
أتعرف حقاً من أنت؟ إذن لماذا أنت هنا؟
12
عدوَّان: البشر والطبيعة. غبيّان: البشر واللغة. خبيثان: البشر وما يصنعون. خطأ واحد: البشر.
13
يصنع البشر المكان ليسجنوا التاريخ. يصنع البشر المكان لأن البشري يخاف بشريته. يصنع البشر المكان لأن لا واقع هناك.
14
اقتل الرغبة؛ يظل الحال كما.....
15
قالوا: أوجدوك. قالوا: عِشْ. قالوا: نريدك. قالوا نحبك. فماذا تقول أنت؟
16
بين نافذتين يرقد الفراغ الأهم من النافذة. لكنه يظل فراغاً.
بين قافلتين يعيش الزمن. لكن عيشه موته ثانية ثانية.
بين ضحكتين يستلقي الموت كسولاً. فهل يُستعدى الموت؟
17
خلف كل ستار، إما قبيح، أو مخجل، أو الحقيقة. تُرى ماذا خلف ستارك؟
18
الأجمل يذهب إلى مرحاض الأفكار.
19
كل هذا مرهق.. لكن لا سبيل لقتل هذه الكلمة "مرهق".
20
.......
.......
....
لا شيء هناك، فاهدأ.


الثلاثاء، 3 مايو، 2011

أنا بدائي


1
يكمن سحر عالم ديزني في كونه محكوماً بقاعدة صارمة لا سبيل إلى الإخلال بها؛ وهي: لا أحد يموت في هذا العالم. حتى لو سقط من السماء السابعة إلى الأرض، فقط، كل ما يحدث أن يصير مفلطحاً من أثر السقطة، مع الكثير من العصافير أو النجوم التي تدور حول رأسه، وبعض الكدمات.
إنه سحر الخلود، ذلك الذي يجعل من يقرأ مجلة ميكي أو يشاهد قصص Donald duck  أو بطوط كما عرفناه؛ يتمنى أن يحيا في هذا العالم السحري المحتشد بالحياة. لا موت، لا ألم، الكثير من المقالب، ومجال مفتوح لكل ابتكار خارج قيد المنطق. فعبقرينو مثلاً، يستطيع اختراع كل شيء ليفعل أي شيء لكل من يطلب. بل حتى الأشرار أمثال دنجل (أنا أستخدم الأسماء المعربة للشخصيات) تجدهم على قدر من السذاجة الشريرة، أو الشر الساذج، فيكونون طريفين أكثر منهم أشراراً.
إن الهروب إلى عوالم الكوميك؛ هو محاولة للخروج من كآبة المنظر التي تعتري العالم الذي سجنا فيه، وأحياناً - كما يحدث معي - قد يصير عالم الكوميك هذا، هو العالم الحقيقي، بينما العالم الحقيقي يصبح وكأنه كابوس اضطراري يدفعني إلى محاولة الاستيقاظ منه إلى عوالم ديزني، وبينك بانثر، وكومانش، ولاكي لوك... إلخ تلك العوالم غير المعقدة والجميلة حد الغرق في راحة يفتقدها الواحد منا منذ عبوره الطفولة نحو مستنقع الحياة.

2
نزوع الإنسان إلى الخلود قديم، نتذوقه في الملاحم القديمة مثل جلجامش، وفي النسق المبني بصبر الإنسان ورعبه من الفناء؛ ذلك النسق من الأفكار والمعتقدات والأساطير المابعدية التي صارت من قوتها تتحكم في وجود الإنسان. الخوف من الفناء هو الوقود الذي يحرك العجلة باتجاه مبهم لم يختبر إلا في مرحلته الأولى، وما بقي منه اجتهاد. يتحرك الناس بنزعة الخلود؛ يأكلون، يشربون، ينجبون، يسعون إلى أن يعرفهم آخرون في الآن واللاحقون، كل ذلك خوف أن يندثر الإنسان.
أنبت هذا النزوع الشرّ والخير، صنع الفنون، نقل طرائق التفكير إلى جهات تتناسل منها جهات، لم تطرق. ولولا رغبة الإنسان في البقاء؛ لمحي الإنسان.
ربما يرغب الإنسان في الخلود خوفَ الموت، لا لأن الحياة في ذاتها هدفه! يخاف الإنسان من المجهول، ويلتصق أكثر بما ألفه، بالحياة، ضد ما لم يألفه؛ الموت، ولم يجربه كذلك. لم يعد أحد من الموت - في علمي - ليخبر عن تلك الخبرة المرعبة لمن لم يجربها. يدرك الإنسان أن حياته قصيرة، معلقة بمعادلات يعمل الجزء الأكبر منها خارج تحكمه المباشر، يخضع لها - المعادلات - بلا خيار.

3
ميكي المثالي والمغامر، بطوط الغاضب وسيئ الحظ، عم دهب البخيل، عبقرينو العبقري، بندق الساذج، أبوطويلة المدعي، دنجل وزلومة الشريران،... إلخ. عالم من الكائنات التي جعلت كل شيء ممكناً. جنة التفاؤل التي لا يهرم فيها أحد. تجعل القصص المصورة (الكوميك) الاحتمالات أكثر وأجمل، تعلّم أن بالإمكان الخروج على التعقيد الافتراضي الذي يقيد الحياة، إلى رحابة البساطة الطفولية. يستنكف البعض من طفوليتهم - لست منهم - ليغرقوا في صراع الحيوات غير ذي الجدوى، في حين يمكنهم الوصول إلى ذات النتائج باتباع سبيل البساطة. معضلة التعقيد - في ظني - أنها جعلت الطريقة هدفاً يقاسم الهدف مكانه. يهتم الناس بـ(كيف تفعل الفعل) أكثر من اهتمامهم بالفعل، بدعوى (التسهيل)! إن الكثير من أدوات التسهيل الآن، تصعّب أكثر مما كان. إن التعود البشري على الشيء يجعل الإنسان يحس بكارثة حال اختفاء الشيء، وكأن عدم وجوده قبلاً كان كارثة!
لست ضد (التطور)، ولكن التطور الذي يزيد أعباء أخرى إلى شبكة التناقضات اليومية التي أحاول تلفيقها لتصبح شيئاً مريحاً؛ لا يلزمني. أنا بدائي، وأحب القصص المصورة وأفلام الكرتون، وأعبر عن رغبتي في الخلود بأن أتمنى لو بقيت طفلاً حتى النهاية، وأبذل جهدي لئلا يموت الطفل داخلي فأهرم، وأموت قبل أن يرجعني موتي إلى الأرض.

4
أنا بدائي، ولا أرى أن بدائيتي شتيمة أو منقصة عليّ التبرؤ منها. (هم) يعتنقون إيماناً وصورة عن البدائي تجعله إنساناً أقل. لكنني أحب بدائيتي جداً، فهي ليست ذات صلة برفض الأدوات الحديثة، فقط أعرف ما أحتاجه منها وفيم أحتاجه. ولا برفض التطور، إذ أرى التطور بغير ما يرون.
أنا بدائي.. نعم، وأتمنى لو كنت مع لاكي لوك ذات غربٍ متوحش بعيد.