الاثنين، 3 ديسمبر، 2012

ثلاثية


  (1)

اكْتُبْ بقدمك على الطريق اسم عبورك الخارق على جليد الزمن. قل لما لم يتَّحد بالأرض: من هنا عَبَرَت أسئلتك، هشَّ وجودك ريح التوقع جافةً، خذلتك الرؤيا التي لم تصدقها، عذبتك بتناقضات ما انتظرتَ، قبل أن ترى كيف تنسدل مثل ملاءة في غيب الفجائيين؛ غطت ما يمور وما يمكن أن يمور.
اكتب على ورق اعتيادك صورة مستقرٍّ لتنام، مسألة الفيزياء الأولى: وماذا بعد؟ غضون تقليب الأمر، متعتك حين الفراغ فراغ.
قل لصورة الوقت إنك لم تنحدر خلف انفثاءات التجاويف التي فيك، روَّضتك المصاعب قبل أن تحدث؛ قل روَّضك الكسل.
أيُّ ضجر يداجيك في شماعة الخلاء الأولى، حين تَعْرى في عاصفة الشك نحيلاً، يلتهمك اليقين رفَّةً رفَّة، يعشوشب الممر الجديد إلى بداية الدائرة! أنت منك، فاقتنص ما تسقطه مخلاة الأيام، زد به نطاق الرهان، زد به مجال الخسارة.
اكتب بِرِيقِ استيحاشك في كوة الخلق، عن قسوة تكبَّدها الحاكي، عن ضحكة أفلتت خلف صفيح الحشرجة.
إن موتك نفيٌ، فاعتوره بحديث الصاحب للصاحب، قسِّمه حوانيت لا تزوِّد غيرها، باعِدْهُ عن مسلك الكائن لئلا يضجر؛ فإنْ ضَجِرَ الموت فاكتب بريشة المبالاة، بشعراتها المسغوبة؛ أنَّ لوناً لن يراه الورق، قطع رسن خموله عقب أن خمَّره السكون. اكتب أن لوناً آبقاً تسلَّق السماء ثم انسكب، وتسلل في جميع الثقوب.
إن يكن للوقت حاسبٌ، فاكتب أن الوقت محسوبٌ عليك.
موجة الغيب الأولى إن ترتقيك؛ جعلت محذوفك الأول شيئاً لا كالذي في المرآة إذ تنظر، ولكن كمن يظمأ قبل الرحلة.
اكتب: أنا ماعزٌ في الغيب ترعاني التي لن تجيء، فأسقط في نعرة التفاصيل حين أحسب كم تغيب الغائبة.
يا لشرِّكَ. اكتب؛ حصدتك التجارب الفجة فجاً، طاردك الذي قال فيك عنك، واحتفرتَ معادن الرفقة لكن لم تنتصر.
اكتب بآلة الأثر ممجداً ما يزول: سيرة اندثارك مربوطاً بحبل الذاهبين. قاتلْ حاسة القلب إذ ينبُت تسقيه رائحة في خيال.
إن ليلك مُغتالٌ فلا تَنَمْ؛ قد يجيء الليل وأنت غافٍ في الإفاقة، في سلَّم العماء باختيارك. اهرب. ترهَّل. تكالب على ما يفيض؛ ما الحاجة إلا عواؤك خلف القاعدين.
اكتب بعاديتك القصوى، أنَّ طريقاً لا تساوره استدارة؛ طريقٌ قافلٌ عما يقيك.

(2)

الذي أحببتَ: من أثرٍ عليك يفرُّ، يثقل الخطو في درب الإياب.
الذي داريتَ من مطرٍ غريبٍ:  دغدغَ المغزى وغاب.
الذي غنيتهُ ما كان في الماضي جلياً: استحال إلى تراب.
الذي مازحت ظِلَّ وجوده الغجري: مات مسجوناً طليقَ الاقتراب.
الذي غافلته لتدسَّ طعم الليل في سرواله: دسَّ في الكلمات قطنَ الارتياب.
الذي قد طار من كفِّ رفقتك الخفيف مداعباً: حطَّ مبعثراً فوق الغياب.
الذي يحرث النسيانَ في القلب صباحاً: يزرع الليل بالذكرى فتُغنِّي.
الذي هيجت مصران شهوته ليصحو: غطَّ في جسد المسافة.
أنت ما يشبه بعضك، حين بعض البعض بعضك، فتمنّى ما تكون.
ثمة – منك - ما يبقى، وثمة ما يكون.

(3)

يا ضدي، يا ضد صوتي المختلق.
يا حمأة الطين الأولى؛ يا طينيَ المهتوك بالمنطق واللوثة العمياء والقلق.
يا لعبتيَ التي لم أكملها، التي لم أجعل لها ظلها ولا مرآتها العوراء مني، يا التي تركتُها على الدرب ذاته لا على المفترق.
يا قملة الوقت، حتّامَ ترضعين ما أدسه للغائبين؟ وأي مسلك يفيقك قرب كهفك القديم؛ يبقيك في الملل الطاهر لمبةً تتكسّر، كلما أتاها ذعر الكمال تحيض ثوانيَ في قماش البعيدين، تحمل أثر الذي كان غيباً أو يكون.
يا الأصدقاء فجاجةً، من تعبرون إلى سحاب العقل هوناً، من ترجُّون ضجري بضجري، تربتون على فم هذا المفترس..  إنني وحيد كما السنبلة في حقل السنابل.