الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

كولاج


محفوظ بشرى

١
يا منادى، يا احتقان شهوتي للمنادى. يا ظلّ، يا الظلّ الذي في الظلِّ. يا طارئاً في كل وقتٍ، يا جميل. يا الذي من دخان، يا الدخان الذي يحلق حائراً في فراغه، يا شذوذك منك، يا المواعيد التي ليست لشيء، يا أي شيء، يا أنت، يا كلهم، يا قليل. عبث مني أن أناديك فأجب، ربما حينها أكوابٌ مهجورة تمتلئ بكوابيس من تجربة، ومفاجآت، بزجاج أكثر لطفاً يشفُّ عما يشفُّ لكن.. ليس لليل. ولا لليل تتركني والأصدقاء معضلة حلُّها مثل كل حلول البشر؛ أن تستبين بفعل الزمن. وإني لأكره الزمن، الصبر، ملاواة حنين عنيف إذ الأصدقاء يتسللون، يتسلون بحيواتهم وأنا وحيد.
٢
الأصدقاء.. الجوع لآخر يستهلك طاقة لا تفرغها مشاغل التفكير ولا رداءة الأحلام. إنهم يبهتون، تتشقق بورتريهاتهم المحقونة في قواميس الباطن، الباطن إذ يستلذ عتمته، رطوبة ما يخفي الذي هو ليس باطناً، أقدامه المشعرة التي تتحسس وجه الجدوى لتدرك ألَّا جدوى من النزوع إلى الجدوى. حين اكتمال الدائرة؛ يسقط أول ما يسقط صديق قديم اصفرَّ قبل أن يهوي إلى حيث الكنايات، يسقط الصديق وتبقى ندبة خلف الأعين التي تراه خفيفاً خفيفاً في الزمان، حين ذكرى تهبّ بلا دفاع، تهاجم ما يتآكل من مخزون الأصدقاء. الأصدقاء كتمة سرٍّ لا يقال، يذبلون به، يسقطون به، يسمِّدون به الذاكرة لينبت صديق جديد. الأصدقاء أغنية عبرت سور التوهج الأولِّي لتقذف بجيناتها لوناً لمَّا يتشكَّل، فتصدأ الرغبة قبل اكتمالها، يصدأ الخليط. هي مجازفة مباشرة، فالأصدقاء من طبعهم أن يذهبوا، أن ترين على أصواتهم فجاجة مباغتة، أن ترى بهم كيف أنت تسير. الأصدقاء تكرار لا يعلِّم، وفاء محدود الصلاحية، ارتباط يدشن لارتباط قادم وقد لا يجيء.
٣
إنه اَمْلَيْلُ، قاسياً يخترق. اَمْواحد اَمْلذي يدخل قبعة اَمْليل؛ يرتديه شبقٌ تاريخي بلونٍ كان أوضح في اَمْقديم من مختزناتٍ عُدلت لتواكب اَمْصورة اَمْلتي يخلقها اَمْذهن ليغطي ما تخلفه اَمْفراغات اَمْلتي قُطف ما كان يملأ حيزها حين قلقلة تردُّ إلى ما لا يجعل اَمْصديق غير إبرة رَفَت حتى تعرَّت من معدنها خوف عري اَمْسؤال.
٤
قال ابتهج.. طائرٌ وُجد فقط ليقول ابتهج. والطيور على أشكالي تقع، الطيور التي تشبه الأصدقاء حين يقولون عندما لا يجوز القول، ويصمتون كطائر حين يكون القول منجاة من التحليق خلف مفاتنٍ عمياء من وجهة ما يسير إليه الغراب. قال احتفل.. واحدٌ وُجد فقط ليقي مَنْ يتعثرون بوحدتهم وسط زحام الجنائز؛ عثرةً قد تقود من الجحيم. لا تكن كـ... بل كن كما... ذلك أنّ... كلها تأتآت تُظلُّ من لا ظلّ له إلا الظلّ الذي يتبعه، مثل عبثٍ أيديولوجي فَطِن؛ تتدفق أمعاء الفراغ من ألسن حكّتها سنان الغرض. للأصدقاء غرض، كما للساعة الثالثة. ثمة ساعة ثالثة، يُفعل فيها ما لا يصح أن يُفعل في الساعتين قبلها، الساعة الثالثة: التأهب. الساعة الثالثة: القلق.
5
وحنيني لم يخالطه حنين قديم، حنيني آنيٌّ لا يفك شيفرة أن أحداً ما يقترب، يلاصقني، يكتم أنفاس الحنين إليه. للأصدقاء رائحة أولى تغري، مشهد وزعت إضاءاته لتعطي مناخاً استوائياً بلا شمس، وبلا ظلام كذلك، فقط الرمادي والخضرة والصديق، عناصر سيئة النية تمهد لانتكاس قريب يجعل الأشياء حاذقة أكثر، اللغة مجوفة أكثر، والبحث عن السؤال جميلاً كما لوكان البحث إجابةً.
للأصدقاء الرفقة المبتردة في ضوء تصنعه الكيمياء، مشاكلهم ألعاب ملونة، ضحكهم ساتان يطرز ما ارتديناه من غمغمات تقول ولا تقول. الأصدقاء الذاهبون ملائكة، الأصدقاء القدامى خندق من التناقضات اللذيذة، غير أن وقتاً يمضي يمسح بالرماد الصور، لتبقى قوانين المضي غافية عن تفككهم إلى ذرات من شظايا الجهات.
6
يا ضدي، يا ضد صوتي المختلق. يا حمأة الطين الأولى، يا طينيَ المهتوك بالمنطق واللوثة العمياء والقلق. يا لعبتي التي لم أكملها، التي لم أجعل لها ظلها، ولا مرآتها العوراء مني، يا التي تركتها على الدرب ذاته لا على المفترق. يا قملة الوقت، حتّام ترضعين ما أدسه للغائبين؟ وأي مسلك يفيقك قرب كهفك القديم، يبقيك في الملل الطاهر لمبةً تتكسّر كلما أتاها ذعر الكمال، تحيض ثوانيَ في قماش البعيدين تحمل أثر الذي كان غيباً أو يكون. يا الأصدقاء فجاجةً، من تعبرون إلى سحاب العقل خلفه،
من ترجُّون ضجري بضجري، تربتون على فم هذا المفترس.. إنني وحيد كما السنبلة في حقل السنابل.
7
الأصدقاء دم المعدن المستفز، ما نسميه "الحياة". صدأ غابات الريبة المتساقط ليصنع أرضاً من كوابيس القصص وبلاستيك التنفس قرب آخر يحلم بلغة أخرى، ويقطِّر في حلق وحشتك أفيون ذاتك. الأصدقاء دخول فوضوي إلى مساحات ليست جديدة، شجاعة الصوت العالي، التعري بخجل خفيف، الاهتمام بغيرك بغير اهتمام.
الأصدقاء جدوى ناقصة.. وكدمة على  زجاج عبورك نحو السبات الأخير.
8
شكراً لاكي لوك.

ضجر


محفوظ بشرى


(ترى ماذا يعرف العقل؟ إن العقل لا يعرف سوى الأشياء التي أفلح في تعلمها، وقد لا يتعلم بعض الأشياء، ورغم أن هذا لا يرضينا، إلا أن علينا الاعتراف به).
 - دوستويفسكي -

1
ماذا يريد الإنسان؟ ماذا أريد؟ يطيح السؤال بوجودي ذاته، ذات ضجر وجودي يعتري التفكّر في مغزى وجدوى الوجود. حين السعي المضني في حياة قصيرة بما لا يطاق؛ يصبح الغاية دون/قبل معرفة إلامَ السعي، يتضح عبث كل هذه اللعبة.
ماذا أريد، على إطلاق الرغبة، وليس في الآن؟ أتكفي مطلوبات أن أظل حياً لتشبع حكاك السعي وراء ما لا يلمع حتى، بهدف الوصول/التحقق؟ حين يصير موتي حياتي أو حياتي موتي، ما الفرق بين وجودي ونقيضه؟
إن وسوسة مثل هذه ربما تدفع إلى محاولة الانفكاك، لولا أن لا عدم هناك، فقط هو الخروج من سجن إلى سجن، وإن ألغيت ذراتك، وجودك، فسوف تدخل ضمن دورة أخرى من الحياة. كم هو صعب ألا توجد البتة بعد وجودك.
2
يعلّم الضجر أن الأشياء - في غموض اسمها هذا - قد لا تعني، قد لا تكون إلا بمقدار ما أردناها أن تكون. هي حلقة مغلقة على الحركة، نظام كلي القدرة، يكفي أن تُمنح الدفقة الأولى من هواء الميلاد حتى تدور بلا قدرة على التوقف، دورانك يدير آلات أخرى تدير آلاتٍ غيرها تديرك. لأي شيء تدور أنت ومن/ما معك؟ لن تعرف، قطعاً، حتى بعد ذوبانك النهائي وسيلانك خارج الآلة الكلية. بلا جدوى كل ذلك، هذا أسهل ما يريح عقلاً تنقصه معرفة أولية بكنه حركته، لكن إن كان كل ذلك بلا جدوى؛ فأين تكمن لا جدوى ذلك؟
يعلّم الضجر أن الإنسان شيء، فقط، يحاول اختراع الأسباب لشيئيته، وخلال ذلك تتناثر القصص والأساطير والقواعد والألفة والأحلام وكل المنسيات التي تصرفه عن حركته العبثية في فراغ عبثي لهدف عبثي قد لا يوجد.
الإنسان، معادلة إن اتزنت؛ خُلق العدم.
3
الإنسان يقتل ليعيش، حتى حتمية قتله نفسه، ليبدأ - في رواية - حياة جديدة في الأبد. يقتل الإنسان ذاته منذ لحظته الأولى وحتى آخر نفَس ينتقل به - في رواية - إلى حياته من جديد، يقتل ما يجعله أكثر طبيعية، يقتل ما يخافه وما يحبه، يقتل صورته لديه، يقتل من يشاركه الوجود العبثي ذاته، يقتل من يحافظ على وجوده العبثي ذاته، يقتل أغنيته قبل أن تكتمل، يقتل موته ذاته إن أحبه أو كرهه، يقتل القتل بكثرة القتل، يقتل الإيماءة البسيطة التي تنقله إلى مستوى كائني آخر، يقتل معرفته، يقتل عقله إن عَقِل، يقتل ما لا يعرف، يقتل حين يقصد أن يحيي، يقتل حين يعرف وحين لا يعرف.
يقتل الإنسان أحلامه لتتحقق.
4
ما أسهل أن أقول: لا أريد شيئاً. ما أصعب أن أرى ما لا أريده.
5
البقاء: خدعة. وكذلك الإيمان بالذهاب. لكن السكون خدعة، إذن لا حل سوى الذهاب إلى أعلى.
6
عند منبع الأسئلة؛ يعيش طفل تتوالد منه الأحلام التي تغبّر الرؤية في اتجاهات ما نختزن من أجل ترطيب خشونة الإدراك. العاقلون قتلوا ذاك الطفل فنالوا اسمهم. أما أنا، فأحاول أن أحمي طفلي الداخلي هذا من الموت، من الشيخوخة، ومن خرافات الحياة المضحكة. من خوفي أحلم وحدي أحياناً، من خوفي أهرب حين يحاول الكائن الآخر التلصص على حلمي، إذ أخاف العدوى، وأن يصير طفلي الداخلي محكوماً بقانون الجهات.
يعلّم الخوف كيف أن من يقترب كثيراً لن يحترق.
يعلّم الخوف أن الناس يشبهون بعضهم، وأن الناس لا يصلحون لطفلي الداخلي ولا لأحلامه.
يعلّم الخوف أن علي الانسحاب قريباً، قبل اكتشاف الطفل بداخل الجثة.
يعلّم الخوف أنهم كلهم - كثيراً - عواليق.
7
يا أنا، اتركني بعيداً عنك لئلا أكبر. اتركني خارج الطريق لئلا أضيع ما تبقى لي من حسابي؛ الأيام، في ما لا مغزى فيه.
يا أنا، كم سهلة هي الأشياء لولا البشر. كم ماضية هي اللحظة لولا التعثر في الأسف والاحتمالات الشريرة إذ تنبو عن درعك نيران اللطف.
يا أنا/أنت.. دعني في عمائي ولا تحدثني عن الاختيارات.
8
لماذا أريد؟



الثلاثاء، 19 أبريل، 2011

عن الأسئلة

محفوظ بشرى

1
لطالما أدهشتني (قوة عين) السلطويين حين يكذبون الكذبة لا يأبهون لشيء، بل إنهم يصدقونها ويدافعون عنها بشراسة وإيمان كبيرين في وجه من يحاول تذكيرهم بأنها كذبة اخترعوها لغرض في أنفسهم، ليصدقها الناس -(الخلق) على رأي الجبرتي المؤرخ ـ وليس ليصدقوها هم.
لكن (قوة العين) هذه سرعان ما بدأت تفسح لدهشة جديدة، تجاه مقدرة السلطويين الهائلة - في ظني - على إعادة توجيه الوعي والانحراف به إلى حيث المأمن من المفاجآت، من الحساب والعقاب، في نوع نادر من (سد الذرائع) يتخذه السلطويون بما اكتسبوا من خبرة التعامل مع محيط يسيطرون عليه وهو غير راض عن سيطرتهم تلك.
أتحدث عن الروغان من الأسئلة. إذ - في ظني - أن إعادة توجيه السؤال تعمي أو (تغبش) - في رواية أخرى - الوعي بالمعضلة. فأن يتحول السؤال من (لماذا توجد بطالة؟) إلى (كيف نعالج البطالة؟) مثلما يفعل السلطويون؛ هو قفز فوق ما يلحق الإدانة بهم ويحملهم مسؤولية صنع البطالة. لذا، بخبث، يتم تحويل السؤال إلى صيغة (كيف) التي تجعل (الخلق) ينشغلون بالـ(كيف) هذه بعيداً عن خطورة (لماذا).
2
السلطة في عداء دائم مع (لماذا)، فالسؤال بـ(لماذا) يحطم مسلمات بنيت لإخفاء النسق السلطوي المستغل والقاهر. على عكس السؤال بأدوات أخرى مثل (كيف). حين تسأل سلسلة من الأسئلة المتتابعة باستخدام (لماذا)؛ تصل في النهاية إلى منطقة العدم، إلى اللا إجابة، مما يدفعك إلى العودة مجبراً نحو محاولة تفكيك عناصر الإجابات المنتجة بحثاً عن أفق جديد للرؤية، عن حقيقة مغايرة (قد) تصلح بديلاً لسياق غير مجد وغير كاف لتفسير الفعل أو الإيمان بالنتيجة. وهنا يكمن الخطر على سلطة كيّفت نفسها على نسق من الوعي المصنوع لدى الفرد والجماعة، وعي بوجود الفرد، وبجدوى الجماعة، في صلة بالوجود الكلي.
3
يعمد السلطويون إلى السيطرة على الإعلام، والتعليم. السيطرة على الإعلام تأتي لتكمل ما تفعله السيطرة على التعليم، التي تذهب في اتجاه محاربة أي ملمح تفاعلي فيه - التعليم - لصالح نمط التعليم التلقيني، الذي ينتج أفراداً بقابلية كبيرة للتلقي والتصديق والإيمان. صمم السلطويون التعليم ليكون ضد التساؤل، بتنمية القدرة على الاستظهار على حساب القدرة على الاستنباط. ليس غرض التعليم عند السلطويين؛ أن يمتلك المتعلم القدرة على قراءة الواقع وفقاً للعلاقات التي تحكم الموجودات، أو التمكن من ترويض الحياة بما يحقق ذات الفرد داخل شرط وجوده، بل إن غرضه أن يصنع من الفرد (شيئاً) قابلاً للتشكيل، مليئاً بالفجوات التي تنتظر الملء، وهنا يبدأ دور الإعلام. فأن يجعل الإعلام (المظاهرات) (احتجاجات)، و(الكوليرا) (إسهالات مائية)، و(الحزب الواحد) (برلماناً)؛ يوضح دور الإعلام في التلاعب باللغة درءاً للأسئلة التي (قد) تقود إلى رؤية مغايرة تؤدي إلى تغيير المعادلة السلطوية.
يأتي  الفرد مهيأ بنظام تعليمي مغيِّب، ليتلقفه إعلام مزيِّف، فيتحكم فيه سلطويون كما الدمية. والمعادلة تستقيم للسلطوين طالما أن الأسئلة التي تصنع ارتباكاً يعيد ترتيب دوال الشرط؛ مقموعة، أو متلاعب بها.
4
"كيف يمكن دعم الشرائح الضعيفة؟" - "لماذا هناك شرائح ضعيفة؟".
يسمي السلطويون الفقراء (الشرائح الضعيفة)، (ضعيفة) بذاتها ولم (يضعفها) أحد! ويركض الإعلام لتعميم الاسم وترسيخه في وعي مهيأ لذلك كما أشرنا، مما يقود إلى سؤال (لماذا يفعل الإعلام ذلك؟) وهو سؤال مفتوح على تعقيدات العلاقة الظاهرة أو المستترة بين الإعلام والسلطويين في شقيها؛ السيطرة، والتحالف.
يمكن تجريب هذه الأداة (لماذا) في كل السياقات التي تبدو متماسكة، لتنكشف، وتظهر تجاويف البنية القاهرة. هناك تجريب طريف كنا نتبعه إبان محاولتنا فهم الظاهرة الاجتماعية وعلاقة الوعي الجمعي بالسلوك الإنساني، يبدأ بالسؤال: لماذا أنتعل حذاء؟ ليصل بنا الأمر في النهاية إلى انفصال الممارسة عن شرط إنتاجها الوظيفي لتصير هي ذاتها شرط إنتاج لمفهوم. الأمر مع السلطويين يشبه هذا التجريب الطريف كثيراً، فالسلطة انفصلت عن شروط إنتاجها (الوظيفية) وتشابكاتها مع المحيط وجدله؛ لتصبح بنية جديدة موازية بشرط وجود مختلف. وحين محاولة النظر إليها - السلطة - من هذا الجانب؛ تتعرى أمام سطوة الأسئلة.
5
في نهاية الأمر، بطريقة ما، يبدو أن الإنسان مسيَّر! والسؤال هو: لماذا؟

الأربعاء، 13 أبريل، 2011

وما الوطن؟


محفوظ بشرى


1
ماذا لو أن الوطن خرافة؟ شيء من نوع الهلاميات التي تأخذ شكلاً متخيلاً مثلما السحابة التي نراها وفق ما يمليه المخزون البصري المثقل بالحيوانات والأشجار ورموز اللغة؟ هل الوطن مكان ما بحدوده وأشيائه؟ أم فكرة؟ أم هو خليط من عناصر عدّة؟ ماذا إن لم يكن هناك وطن؟
2
بكل الأسئلة المحيّرة التي تكتنف مفهوم الوطن – في ظني – يبدو لي أن من المدهش أن (يضحي) البعض بأرواحهم (التي أعتقد أنها - أي الأرواح - أوطانهم الحقيقية) من أجله، ربما لهذا بدا لي دائماً أن الوطن غير منطقي.
يتلبس صانعو الوطن، الوطن. يدغمون أنفسهم فيه حتى لا تكاد تميز ما الوطن ومن الذين صنعوا الوطن. وفي ظني أن الكثير من المفاهيم المرتبطة بالوطن، مثل الأمن، والتضحية، ...إلخ، تمثل في مستوى ما، مبرراً يوضح شرط إنتاج هذا المفهوم؛ الوطن. فأنت لا تُحاكم على الإضرار بمصالح الحاكمين، بل تحاكم على الإضرار بمصلحة الوطن، وحين ينصب الحاكمون أنفسهم ممثلين للوطن؛ يصبح كل مروق عليهم مروقاً عليه، حتى إن سألت: وما الوطن؟ ستجد استنكاراً تحذيرياً من الحاكمين، ومن ببغاواتهم كذلك. مع أن السؤال على سذاجته يمكن – افتراضاً- لمن يؤمنون بالوطن الإجابة عليه.. إن كانوا يعرفون.
إذا نظرنا إلى الكم الهائل من المصطلحات والمفاهيم والنعوت التي هي على ارتباط بالوطن؛ لربما صعب علينا التخيل كيف سيكون الحال إن حُذفت هذه المفردة. لقد أدخل الوطن، بتعمد، داخل البنية الذهنية لكل من يسكن جغرافيا ذات فئة حاكمة تهمها حماية مصالحها، وذلك باختراع الوطن وتقديسه ثم ربط كل مصالحها بمصالحه. فحين أحارب لأجل الوطن، في الحقيقة أكون محارباً من أجل من يغشونني، من يستنزفون جهدي، بل وصل بهم الأمر إلى حد دفعي لأقتل نفسي من أجلهم في صراعهم مع آخرين ذوي مصالح مشابهة يستغلون من يشبهونني في الطرف الآخر. إذ لسنا عدوين في الحرب، أنا ومن أقتله أو يقتلني، بل إننا عدوان لمن يلعبون بنا لعبة مصالحهم.

3
يميل الوطن إلى أن يكون مكاناً، وإن المعضلة في كونه مكاناً أن الجغرافيا لا تكفي لإقناع المستغفلين – نحن – بالوصول إلى درجة بعيدة من السلبية تجاه استغلالنا.
إن لم يكن هناك وطن، فلن يُعدم أحد بتهمة الخيانة، أو التجسس، إذ سيكون من الواضح أنه انحاز إلى مصلحته الذاتية أو مصلحة آخرين، ضد مصلحة الفئة المسيطرة التي بدورها تنحاز إلى مصلحتها ضد مصالح من تستغلهم وتُلاعبهم بمفاهيم الوطن، والوطنية، والاستقلال، وغيرها من أدوات صرف الانتباه بعيداً عن الصراع الأزلي على حق الحياة.
إن افتراض أن جغرافيا ما، تصنع سمة مشتركة بين من صودف وجودهم بها؛ لهو افتراض ساذج – في ظني – إذ هل تكفي السمات المشتركة لتكون مبرراً لسلب حق الحياة من آخر بدعوى أنه دخيل أو أجنبي أو... إلخ؟
إن الطريقة التي تشعل بها الحروب يكتنفها الكثير من الهراء، فأن يتقاتل شعبان على مكان غني بالنفط مثلاً؛ يبدو للوهلة الأولى وكأن هذا النفط سيصب داخل جيوب المتقاتلين، صحة وتعليماً وخدمات، في حين أن هذا النفط سيصب في جيوب الحاكمين، وهم يعرفون هذا، بينما تجد المغرر بهم يقاتلون من أجل معنويات حُقنوا بها، مثل الشرف والكرامة الوطنية والدفاع عن الأرض والعرض ...إلخ الأشياء التي تمثل المستوى الأولّي في بنية خداع المستغفَل.

4
أسهل ما يمكن أن يفعله الحاكمون، أن يدمغوا أحداً بالعمالة. لكن ما العمالة حقاً؟ إنها – في ظني – اختيار الفرد خدمة مصالح المنافسين، أو منافسة الحاكمين في استغلال الشعب، بما يمس مصالح الحاكمين، الذين يخرجون عندها ترسانتهم من الأحكام القيمية والمفهومية التي رُسِّخ لها في السلبيات منذ القديم: العمالة، الارتزاق، الخيانة العظمى (ما الصغرى؟)، عدو الشعب، أعداء الوطن، ...إلخ، ثم تتبعها عبارات التعمية: الاستهداف، المؤامرة، البلاء، ...إلخ. في حين أن الأمر كله صراع مصالح كما هو بديهي.
لقد صنعوا الوطن، صنعوا الحدود، باتفاق مع من يماثلونهم في أماكن أخرى، لذا تنشأ الصراعات حين يخرج البعض عن الاتفاقية.

5
لماذا كانت الحدود الجغرافية هكذا؟ بعيداً عن سطحية (الحدود التي صنعها الاستعمار)؛ هل هناك استعداد لدى الحاكمين داخل كل جغرافيا في أفريقيا مثلاً، لأن يلغوا الحدود (التي صنعها الاستعمار)؟ سيترتب على هذا فقدان الكثير من المصالح لدى الكثيرين، لذا لا أظن أن (الاستعمار الجديد) كما يسمى هو المسؤول عن بقاء الحدود، عن كبت حرية التنقل و(الحوامة) في الأرجاء، بل هي المصالح، وهذا بديهي إلى حد السذاجة، وبسيط، لكن لا يقال، لأن كل الحاكمين (بوصفهم فئة) لا يمكنهم التخلي عن الامتيازات والمصالح التي تأتيهم من تحريك آلاف التروس المخدوعة بالخرافات، وأعظمها خرافة الوطن.
أن تتحمل الشظف والملاحقة والتضييق لأنك تضع (مصلحة الوطن) فوق مصلحتك؛ لهو الغباء – في ظني- الذي يجعل الإنسان في كبد.

6
وطني هو حقي في الحياة، من يسلبني حقي هذا فهو عدوي، من يسرق جهدي فهو عدوي، من أعمل حتى الموت لينعم هو بالراحة عدوي، من ينظر إليّ بوصفي (شيئاً) عدوي. وطني هو أناي، تحقق إنسانيتي المتخيلة، أن أشغل حيزي في الوجود بالقدر الذي لا آخذ فيه من أحياز الآخرين.

7
حين باسم الوطن يريدون مني أن أخضع لاستغلالي، أن أظل غير مساوٍ، بعيداً عن ما اتفقنا – نظرياً- على أن يكون مشتركاً، أن أنشغل عن مص دمائي؛ حينها وجب الوقوف.


8
لا تقتلوا الناس لتحيوا الوطن.

الثلاثاء، 5 أبريل، 2011

كَتَمَت


محفوظ بشرى


1

في برنامج للأطفال بإحدى (قنواتنا) الفضائية، كانت هناك فقرة اختبارية يُطرح من خلالها سؤال على عدد من الأطفال. كان السؤال هو –إن لم تخني الذاكرة: ما هو السائل الفضي المستخدم في ميزان الحرارة؟
بعد عدة إجابات تراوحت بين (الموية) و(ما عارفة) والصمت؛ أخيراً أجابت طفلة على السؤال: (الزئبق).
ما أخذ بانتباهي في هذه الفقرة، هو كون جميع من أجابوا إجابات خاطئة أو (ساذجة) أو أبدوا عدم القدرة على الإجابة؛ كانوا يحملون ملامح
وتقاطيع تضعهم إما ضمن (الجنوب) أو (الغرب). وبينما كان حدسي يتعاظم مع مرور زمن البرنامج بأن من سيجيب سيكون ممن يحملون تقاطيع نموذجية لإنسان (الشمال) العربي المسلم؛ فإذا بحدسي –للأسف- يصيب، فجاءت فتاة صغيرة بشوشة محجبة ذات لون ليس أسود وذات تقاطيع (عربية) لتجيب الإجابة الصحيحة دون أن ترتبك أو تفكر حتى، وكأنما من البديهي أن يكون السائل الفضي المستخدم في ميزان الحرارة هو الزئبق!
قد تكون مصادفة، وقد ينتفي سوء القصد، وقد أكون أحد المهجسين بنظرية المؤامرة، وكل ذلك لا يمنع من أن يكون حسن النية متوفراً أثناء إنتاج ومونتاج الفقرة.
ما الذي ستمتصه أذهان أطفال يشاهدون هذا البرنامج؟ إن بسوء قصد أو بحسنه، سترتبط القدرة على الإنجاز، والأحكام الاجتماعية الأسطورية التي نراها اليوم بربط صفات محددة بمجموعات محددة؛ كل ذلك سيرتبط في أذهان الصغار بعلاقة (عنصرية) تميز بين المجموعات وفق مقاييس مصنوعة أو غير ذات صدق. فلن يكون غريباً في ما بعد أن يربط أحدهم بين (الجنوبي) أو (الزنجي) والغباء، وبالمقابل (العربي) والذكاء، إن لم يكن هذا الربط موجوداً الآن!
لقد توقفت من زمن بعيد عن إحسان الظن بمن هم في السلطة، وأجد صعوبة في تبرئتهم من تلويث كل شيء برؤاهم الكابوسية الأحادية، حتى الأطفال. فبعد السيطرة على التنشئة والتعليم، ثم الميديا؛ من الصعب إيقاف سيل الهراء الموجه إلى العقول كيما تتم (إعادة صياغتها) بما يتفق و(المقاصد الكلية) لمن بيدهم الأمر.
فليدقق كل منا في ما يشاهد، يقرأ، يسمع. وليحاول النظر إلى أبعد مما يبدو، فلربما رأى الوحش هناك، خلف الثياب اللامعة.
ثمة شبه كبير –في ظني- بين الدعاية النازية وآلياتها، وما يجثم بكلكله علينا الآن. ذات الآليات؛ التكرار، تغذية النعرة العنصرية، الكذبات التي من ضخامتها تُصَدَّق، شغل الناس ببالونات لا تحمل في جوفها شيئاً،... إلخ.
وفي ظني (أنهم) لن يتركونا قبل أن نصير (كلنا) ذات الشيء، نحمل ذات الرؤى، نستمتع بذات المُممتعات، نتحرك كآلة واحدة كبيرة تتكون من ملايين البشر.
2
مع من كنت تقف؟ مع (كابتن ماجد) أم (بسام)؟ الذين شاهدوا المسلسل الكرتوني الشهير (كابتن ماجد) في بداية تسعينيات القرن الماضي، قد يفوت عليهم الأثر المدمر الذي تركه هذا المسلسل في عقولهم.
الغالبية العظمى كانت تشجع (كابتن ماجد) بطل المسلسل، ضد (بسام).
كان (ماجد) ثرياً، رقيقاً، لا يشغله شيء عن كرة القدم، بل يمكن حتى –لليساريين- تصنيفه طبقياً بلا تعقيد. وفي المقابل كان (بسام) فقيراً، شرساً، يشغله عن كرة القدم العمل لإعالة أمه وإخوته.. أي أنه نموذج الغالبية. يضاف إلى كل ذلك أمر في غاية الأهمية بنظري؛ فكابتن ماجد كان أبيض اللون، على عكس بسام ذي اللون الداكن، بنِّي إن شئنا الدقة.
طيب، أنت تشجع ماجد، إذن أنت تشجع الثراء، الرقة... إلخ وهو ما يعادل الأبيض.
أنت تشجع بسام، إذن أنت تشجع نقيض القيم التي وضعت في خانة الإيجابية، ويعادلها اللون الداكن.
لسبب ما لم يبد المسلسل الكثير من التقدير للكادحين، وجعل (البطل) ينتصر عليهم، أو يخسر بنبل يليق به (كبطل). ومع ملاحظة أن المسلسل ياباني وتم الدوبلاج له بالعربية؛ تجدني مدفوعاً لافتراض أن السيناريو ربما احتوى على شيء (عربي) قُصد منه شيء (عربي) كذلك، وإلا فلنحاول الإجابة على: لماذا كان الغالبية يشجعون ماجد ضد بسام؟
3
إحدى الشركات الأمنية تصادفنا لافتاتها الإعلانية، تحمل صورة لأحد رجالها يرفع جهاز لاسلكي. المثير في اللافتة كان اختيار الوجه الإعلاني للشركة، الذي يحمل ملامح (النموذج)، الذي يجب السعي للوصول إليه (فرضاً) على كل مشاهد وقارئ.
هواية تحليل اللافتات الإعلانية وربطها بالمبثوث من مسلسلات وأفلام، وعلاقة كل ذلك بعملية نمو القيم والرؤى تجاه الحياة؛ هي هواية غريبة بلا شك، لكنني أستمتع بها، لأن ما يمتعني هو الفهم، حين يحاول أحدهم غشي أو ينجح في غشي ثم أكتشف ذلك؛ فإن تحليل آلياته التي استخدمها لهو خبرة جديرة بأن تُحفظ في الذاكرة.
إنهم يصنعون النماذج، كل ثانية، بلا مبالغة، وهذه النماذج سريعة التفاعل ذهنياً مع الرغبات الغريزية وردود أفعال الإجهاد المديني. إنها نماذج صنعت للمدينة، لذا لا تعمل بكامل طاقتها إلا على المتمدن أو المتطلع إلى التمدن. إنني أسأل: ما الذي يميز صاحب الوجه الطويل والشعر الناعم واللون الوردي فيجعله جميلاً بخلاف صاحب الوجه المستدير والشعر الأجعد واللون الأسود؟ هل ثمة إجابة منطقية؟ من جعل الجمال بمقاييسه المورفولوجية حكراً على نموذج واحد؟ من صنعه؟
لقد خدعنا.. بالتأكيد. أن تسعى الغالبية السوداء في بلاد السود وتبذل المستحيل لتشبه النموذج الأبيض؛ هذا شيء يدعوني إلى الضحك.
4
الذين لا يحترمون القاموس (الشماشي)، يفوتون على أنفسهم الكثير في ظني. فهذا القاموس هو اللغة الحية، التي تدخل في جدل اليومي مع كل الحياة، فتصنع مفردات مكثفة من الصعب أن تجد مثلها في أي مستوى من مستويات اللسان، تصف بكلمة واحدة ما يحتاج وصفه إلى جهد يحرك جبلاً. حين يقول هذا القاموس (كتمت)، فهذا يكفي ليفهم كل شخص تقريباً من السياق الذي قيلت فيه مدى المعنى الذي تبلغه هذه الكلمة.
على اللغات أن تُحترم، أعني مستوياتها كلها، فهذا في رأيي أول الغيث لاحترام الحياة.

الأحد، 3 أبريل، 2011

كَنْتَةُ الأشياء


محفوظ بشرى

لماذا يرغب إنسان ما، في أن يكون على صواب؟ وما الذي يجعل هذا الإنسان أو غيره يؤمن في لا وعيه -ربما- بأن كونه على صواب يعني بالضرورة خطأ الآخر؟ بعيداً عن الرؤية التي تذهب إلى أن للحقيقة أوجه عدة، أتساءل كما تساءلت ملايين الأدمغة البشرية في ظني: وما الحقيقة؟
ربما كانت لكل إنسان رؤيته الخاصة للحقيقة، التي تتشكل مؤسسة على القاعدة التي اكتسبها وجود الفرد في مساره الشخصي في تقاطعاته وارتباطاته مع مسارات آخرين وأشياء ضمن النسيج الهائل للوجود الذي ينتج طاقة من الأفكار والمعتقدات والرؤى والوجهات، لكل فرد نصيبه منها، ولكل جماعة مشتركات تشكل أساساً ثانياً فوق أساس الفرد تنبني عليه مسارات تخص الجماعة وصولاً إلى تجليها -المسارات - في مخيلة جماعية تفسر أو ترسم صورة الواقع الديناميكية المضبوطة بالأساسات المشكِّلة.
إن الوجود الأحادي غير مدرك، أعني أن إدراك الوجود يحتاج إلى "آخر" أو "غير"، وإذا حاولنا التفكير في "ماهية" الإدراك؛ ربما يزداد الأمر صعوبة، إذ أن الإدراك مثله مثل مفاهيم أخرى، قد يصف بوضوح، لكن وصفه يكتنفه الغموض.
ما الحاجة إلى أن تبرر لغيرك اتخاذك مساراً ما؟ لماذا تحاول إقناع آخر بأنك على صواب؟ إن ما لا أفهمه هو ذلك السعي اللاهث في حمّاه إلى نيل اعترافٍ بكينونة، في حين أن السعي ذاته يكفي لتوجد كينونة الساعي، هذا إن صدقنا ألا كينونة توجد بمعزل عن تناقضاتها الحركية.
أن أسعى إلى هدفٍ، بقدر ما هو أمر مقدّس في بنية إنتاج الوعي الأوّلي؛ هو كذلك أمر يصيب بحكاك في منطق مغاير لما اعتيد إنتاجه. أعني أنني تربكني (حتمية) الهدف، التي تجعل كل كائن يذهب نحو مستقر له، إذ حين أسأل (لماذا؟) تبدأ البنى التي تحمل تلك الـ(حتمية) في التهاوي. وبقدر ما أن الفيزياء في حوارها (المتجادل) مع مكونات مُدركة وأخرى ليست كذلك، ضمن وعيي؛ إلا أن معضلة الفيزياء الصغيرة التي حيرتني منذ أزلي الخاص، ما تزال تراوح نقطة إحداثياتي في الوجود: كيف أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم؟ وما المطلق إذن؟
ما الهدف؟ من الفعل، من الحياة، من التفكير، من المعرفة، من الفراغ، من البكاء، من ارتداء الثياب، من التهذيب، من أي شيء؟ لا إجابة تكفي لتشفي، ولا سياق تسير فيه مراحل منطقية للتبرير يكفي، كذلك، لتهدأ انفجارات التساؤل المضنية التي تعتري انكشافاتي المباغتة أمام هول ما لا أطيق.
كثير من التلقائية في الحركات، كثير من ردود الأفعال، وغير ذلك مما لم يُهضم ليسير في المسارات التي تعرف أوائلها أواخرها، لكنها تحدث، من دون أن يتساءل المُحدِث عن جدوى/هدف ما يُحدثه. هكذا.
ظننت أن بالغريزة وحدها أحيا، لا بغيرها، وأقنعني إلى حين أن الغريزة واضحة، لا لبس فيها ولا تهذيب لها تستتر خلفه، أن أحافظ على وجودي، ألا أفنى؛ كان ما تقوله الغريزة مبرراً لكل شيء.. ولكن، لماذا أحافظ على وجودي وأرفض الفناء؟ هذا سؤال خاوٍ كما لو أنه بئر ذات دوامات لا نهائية الصدى. أعود مرة أخرى إلى (لماذا؟).
إن الصواب والخطأ، لا يخرجان أبعد من الغريزة في تجلياتها المفاجئة المتلثمة بالغموض، إذ لسبب (ما) يرغب البشر أن يخبرهم بشر آخرون بأنهم على صواب.. هكذا.. وإن زاد التشكك فعلى البشر المخبرين الاستناد على الغيب أو العلم (وهو غيب آخر) أو حتى الاستناد على الكاريزما اللحظية التي تفرض قوتها على ضعف الطالب. لكن ألا يوجد بشري يفعل ما عنّ له ذات لحظة مباغتة ولا يعرف له سبباً، من دون أن يشغله كونه على خطأ أو على صواب؟ إن وجد؛ لربما تغيّر العالم.
لستُ مهموماً بما لا يمسني. هذه واحدة. لكن لا يبدو أن هناك ما لا يمسني! وهذه معضلة الاتساع، إدراك أن عطسة مخمور في الإكوادور قد تعطل حركة سيري بعد شهر، أو كما أثر الفراشة. كثيراً ما تنتاب ذاكرتي تلك الغفوة الممطرة، التي تغسلها من تعقيدات بلا طائل تحتل كهرباءها وتعجِّل بالموت. أنا لا أحب من يموتون، لأنني لا أحب أن أموت. وإذ أكره الموت؛ أعرف أنني أحاول صيغة أخرى للحياة، مشبعة، تجعلني خارج كل هذا العبث. لا أظن أن لديّ وقتاً لحساب الصواب والخطأ، لي أو للآخرين، أفعل فقط ما يريحني، ولا يهمني كثيراً هجوم من يصفون فعلي هذا بـ (الأنانية)، لأنني أدرك -وهذا يريحني- أن هجومهم ذاك يخفي خيبتهم من نفاذي خارج سلطتهم الصغيرة حين يحددون لي ما الصواب وما الخطأ، أفقدتهم متعتهم، لذا هاجموني، هكذا ببساطة.
لأننا نكتسب الوعي بعبثيتنا، خلال الطريق الطويل الذي نقطعه في تلك العبثية؛ يضرب الإحباط بعاصفته في اللحظة التي ندرك فيها ألا رجوع. الوعي مخاتل، معضل، سريع الذوبان في الهيجانات اللحظية، التي تجعل مثل همنجواي يطلق النار على.. فلنقل على وعيه بكنتة وجوده الموحشة، ليس ذاك هروباً، بل قطع لرحلة بلا هدف صَلبٍ يُبقي السائر على الجادة.
أيها الصواب.. أنت خطأ الخطأ.

لغو

"اللغة تعني دائماً الفرار من معنى اللغة"
عبد الله القصيمي

كان أواني يقترب، لأتعلم كيف تُكوَّن فكرة عن لفظ ما، لم يمر بخاطر اللسان قبلها. حينها كانت المدرسة، وكانت التساؤلات التي تركت أثرها حين لا تجاب، على قماش الذاكرة المبتل بالحيرة حتى يومي هذا.
قال أستاذ اللغة العربية لي: "ما هكذا تُسأل الأسئلة". لم يكن منطقياً وقتها أن آخذ أخذ اليقين أن "على" تجرّ ما بعدها، ظل سؤالي قائماً في وجه الأستاذ: "لماذا؟". بعد سنوات طويلة، عرفت لماذا "تخفض" "على" ما بعدها.
أقلقني المعنى، ولا يزال. خرجت من كل قراءتي عن اللغة، بأني لم أفهم بعد لمَ ظلت الشجرة تدل على الشجرة. تضيع الخيوط التي تربط بين اللفظ وما يصف، وإن صار اللفظ يصف ما هو غير مادي؛ حينها يصبح صعباً أن ترى خيطاً.
"اللغة سمسم الكاذبين الوفير"، يقول البرغوثي في شهواته، لكن أنّى لي بأسنان كأسنانهم؟ إن لساني يستطعم اللغة حين عسلها، يستمرّها حين مرّها، ويمرُّ باهتاً على بهتانها. أنْ يقول المعري "كلنا بالدهر مرتاب"، وأن يقول غالب حسن "لن أقتل الضفدع لأني لا أقتل الماء"، أو أن يقول ابن الفارض "وما برحوا معنىً أراهم معي فإن نأوا صورةً في الذهن قام لهم شكلُ"؛ كلٌّ يُطرب وإن كان طرباً مختلفة طرائقه وطَرْقُه على متحسسات اللغة لديّ.. لكن، ما المعنى؟ ما الخيط الذي يجمع؟ ماذا هناك؟
لصديقي محمد بشير القدرة على اختراع سياقات معنًى أخرى لألفاظ تحتكرها معانٍ -سلفاً- في خانة اللغة. بعضهم يسميها "السربعة"، وتُمنح مقاماً أدنى لعديد أسبابٍ على ارتباط بقيم الأخلاق، لكن أن "تسربع" يعني أن تبتكر سياقات جديدة من ذات العناصر التي تمنح المعنى حال كونها في سياقاتها المتعارف عليها. أن تبتكر يعني أنك تفكر. أن تفكر يعني -لي- أن تفتقد الرضا، أن تحاول، أن تغيِّر، أو أن تنفذ بلا سلطان خارج القيد الذهبي؛ ما أُخبرنا أنه ليس قيداً.
حرية واحدة، معانٍ مبعثرة، مقابلٌ ليس يكفي أن يتمسك بموضوعيته لأضعه بموازاة أن جلدي أضيق مما بداخل جلدي، وأن لساني أخف من ثقل المعنى على لساني، فإن كانت الألفاظ تُخترع آنياً عند الكلام، ويتركب معها معناها؛ لهو مجد التوالد في مفرخة "اللغاة"، لو لم يكن المعنى فقيراً إلى اتفاق.
حين -ببساطة- يقترح محمد علي تاريخاً آخر مغموساً في سخريته الداكنة باحتقانها، إذ يقول: "حين شاع احتكار الزعيم لكل نساء القبيلة/ابتكر الغاضبون من المحاربين القدامى سر الكتابة/ تمهيداً لنشر الأفكار الشيوعية"؛ يُطعن المعتاد في مقتله الخفي، وإن برفق، بنعومة التركيبة الأولية التي تحفز على تكرارها في مستوى أكثر تعقيداً. إنها لغة/لسان، تلك التي تصف أو توصف، من أي قارئ/كاتب تقلقه احتمالات زيف ما هو خارج الألفاظ.
أتساءل: ماذا لو كان كل هذا حلماً، نفيق منه على الجانب الآخر بعد عبور نفق الموت؟ هل اللغة صانعة كل هذه الصور وانعكاسات الصور التي تبني واقعاً بخيارات تؤدي إلى ذات الجحر؟ ماذا لو أن اللغة وهم؟
ربما هي وهم يلد وهماً، ربما هي التي تصنع الواقع، الواقع المبني على وهمها. وأين المعنى في ذلك كله؟
المعنى قد يبدو لي من نوع الزئبقيات المتفلتة من الإمساك بها في قبضة اللغة. المعنى ربما قدرة "اللاغي" على الهروب من تعقيد الإيصال، بافتراض أن معنى ما، سيُدرك عبر اتفاق آني مع المرسل إليه، الذي بدوره ربما يصنع معناه الخاص به باستخدام خليط لغته ولغة الآخر، وإن كثر الآخرون فثمة مملكة من المعاني التي تحيط "باللاغين" تضيع فيها جوهرة المعنى الأولى التي قصدها أولهم، أو ربما يعني هذا ألا معنى هناك.
كان أواني يذوي، إذ تتسلل الروح من معناها/جسدها/وهمها، إلى فراغات ملئت -علاجاً- بوالت ديزني، وبينك بانثر، وكل فتات الكوميك الذي يلصق أجزائي ببعضها في صراع البقاء. إن عالماً لا يموت فيه أحد، كافٍ ليجعل هذا الطفل بأعوامه التي تجاوزت الثلاثين؛ يبقى مشدوداً إلى معنى الحبكة، ينتظر صنع وهم أكثر حرية في الاحتمالات، حيث تبدأ كل القصص هكذا، بلا قيد منطقي يبرر البداية، وتنتهي هكذا، بلا احتمالات مفتوحة تقلق من يعيش على حافة انزلاقه اللذيذ إلى البساطة.
ثمة أرض لي في مكان ما، أزرعها بقوس قزح، فيثمر شجيرات مختلفة الألوان، حيث لا حاجة إلى الطعام، والماء أطيب من أي شراب، حيث الوقت دائماً كما أشتهيه، إن كان غروباً أو أن تكون الشمس خلف غيمة صغيرة تجعل كل شيء فضياً، أرض باتساع حلمي، لا تفنى، ولا يمكر بها رسام يعشق دخول الأشرار إلى الجنة.
ثمة حياة لي في حياة أخرى، أعبئ زجاجتها بالمتعة، لا أسمع فيها صوتاً رتيباً، وأرجّها كما أشاء.
كان أواني ينتهي، أسترجع ذكريات لا أعرف إن حدثت أم أنها بقايا حلم نشيط حين خيالي صبي كثير الالتفات. أسألُني: ما معناي؟ كتلة الكربون التي أُلبسها ثيابها فتقودني إلى دهاليز اليوم؛ ليست أنا. لا أعرف أناي، أعرف كتلتي، ظلي، صوتي، ولكن من يرى عبر هذين الثقبين، آخر قد يكون غريباً، قد يخرج ذات ضجر ويتركني على دابتي التي أصارع بها الدواب.
إن كنتُ إنساناً، فربما لا معنى للإنسان.
إن كنت وهماً، فربما أنا لغة.
إن كنت حلماً، فربما أيقظتني يدٌ توقظ من يحلم بي.
إن كنت شيئاً، فهنا المعضلة.
تصنع اللغة كائناتها من معدن المعنى، ومثلما الكلمة كائن لغوي؛ فما تصوره الكلمة، كائنها، وهو كائن لغوي كذلك. إذن، أي معنى خلف المادة؟ وأي مكر يحف بقداسة اللغات!